الهوية المملوكية: رؤى متعددة وتفسيرات متناقضة

الهوية المملوكية: رؤى متعددة وتفسيرات متناقضة

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان الأسكتلندي دافيد روبرتس

تتناول هذه المقالات دراسة مصدر جديد لتاريخ المماليك في مصر، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من «جوابات المماليك»، تعود إلى عام 1800 / 1801؛ أي أنها تغطى جزءاً أساسياً من فترة الحملة الفرنسية وتكشف علاقة الفرنسيين بالمماليك والمجتمع في تلك الفترة. وتمثل هذه الجوابات جزءاً مهماً من مجموعة كبيرة من ملفات أصلية خاصة بوثائق الحملة الفرنسية، ويصل عدد الجوابات إلى 69 جواباً، وقد تم تصنيفها تحت عنوان «جوابات مراد بك» Lettres de Murad Bey؛ وذلك بالنظر إلى أن معظم الجوابات ممهورة بتوقيع هذا الأمير (وعددها 62 جواباً)، أما بقية المجموعة (وعددها سبعة جوابات): فهي لبكوات مماليك آخرين، كان بعضهم نظراء له فى السلطة، وبعضهم الآخر من اتباع بيته.

وتمثل التطورات السياسية المرتبطة بالحملة الفرنسية الظرف التاريخي لظهور تلك الجوابات؛ حيث جاءت في أعقاب دخول المماليك في علاقة تحالف مع الفرنسيين ضد التحالف الانجلو – عثماني. وبعيداً عن هذا الملمح السياسي، سوف تركز الدراسة بشكل أساسي على كشف الأهمية التاريخية للجوابات من منظور ثقافي – اجتماعي، متجاوزين البعد السياسي الذي يستحق أن يُفرد له دراسة مستقلة؛ ومن ثم تدور إشكالية الدراسة حول اختبار مدى إمكانية توظيف الجوابات كمصدر أدبي يمكن أن يمدنا بمعطى جديد حول فكرة المملوك، ومدى اتساق أو تناقض الرؤية، بين منظور المجتمع المراقب لهذه الطبقة الاجتماعية، وبين التمثلات الذهنية للمملوك عن نفسه وحياته والروابط الاجتماعية التي كانت تجمع ابناء طبقته وتشد لحمتها، برغم تنوعها الاثني وتبايناتها الثقافية، وخاصة أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. ويظل رهان هذه الدراسة قائماً حول إمكانية الكشف عما تختزنه الجوابات من إضاءات تسمح بمناقشة أبعاد الهوية المملوكية وما اكتنفها من غموض، وتفسر في الآن نفسه ظاهرة الاحتواء أو الاستيعاب الثقافي للمملوك فى المجتمع المصري بوصفه مجتمعاً حاضناً لهم.


اتجهت الأطروحات الكلاسيكية التي اهتمت بدراسة المماليك فى أواخر الحقبة العثمانية إلى رسم صورة تقليدية لفصيل عسكري وافد من مجتمعات مغايرة فى الثقافة والدين واللغة والعادات والتقاليد، قُدِرَ له أن يتولى فى ظروف معينة إدارة حكم مصر بصورة شبه مستقلة عن الباب العالي، وذلك منذ ستينيات القرن الثامن عشر وحتى مجيء حملة آخر القرن المعروفة بالحملة الفرنسية (1798 -1801)؛ ومن ثم تم التركيز على المماليك كنخبة (أجنبية)، تكالبت على السلطة، وتصارعت على الاستئثار بأهم الامتيازات المادية التى مكنتها من اكتساب قوة اقتصادية دعمت نفوذها. وعلى هذا النحو تختزل هذه الرؤية تاريخ المماليك فى فكرة الصراع على السلطة والموارد، وأنهم عاشوا فى حالة من الاتساق مع الذات خارج سياق المجتمع المحلي، كما يرى أصحاب هذا الاتجاه إنه إذا كانت الفرق العثمانلية قد اندمجت فى المجتمع، فإن طبقة المماليك عرفت كيف تنأى بنفسها عما لاقاه مصير هذه المجموعات التى عرفت بـ «مجتمع الرقيق العثماني»، مؤكدين بأن الطبقة المملوكية ظلت كتلة اجتماعية متميزة داخل المجتمع المصري، تمارس دورها فيه كنخبة ارستقراطية قوية. 

آراء متعددة:

أولاً – جماعة أثنية مغلقة

داخل هذه الصورة التي تكاد تشكل النظرة العامة في معظم الكتابات، نجد عدة تفسيرات أخرى موازية، قدمت أكثر من مقاربة فى محاولة تحليل وضعية المماليك كطبقة اجتماعية داخل المجتمع المصري: فمثلاً في دراسة «جبرييل بيتربرج»، نجده ينظر إلى المماليك على أنهم عاشوا كجماعة أثنية فى «دائرة مغلقة» Closed Circle، ويُعزي ذلك إلى عاملين؛ الأول، حرصهم على إمداد بيوتهم بعناصر من نفس أصولهم الإثنية (القوقازية)، والثاني، سيطرتهم على الفائض الذى كان يذهب من يد إلى يد داخل إطار المجموعة / أو ما يعرف بالبيت، وهو ما دعمهم فى تغطية نفقات معيشتهم، وزود قدرتهم العسكرية فى تحقيق الهيمنة على السلطة والانفراد بها؛ ليخلص جبرييل بيتربرج فى النهاية إلى أنهم أمكنهم الحفاظ على مجموعتهم الإثنية لفترات طويلة كنخبة قوية متماسكة، لم تقبل دخول غير المماليك دائرتهم؛ وعاشوا من ثم منكفئين على أنفسهم، يحيطون مجموعتهم الإثنية، المتجددة من خلال تجارة الرقيق، بسياج يحفظ لها مكونات الهوية الخاصة عرقاً ولغة وثقافة. 

ويقترب من هذا التفسير، نوعاً ما، ما قدمته دراسة كل من جوتشيا ودانيال كريسليوس Crecelius / Gotcha: فمن خلال استنادهما إلى أربعة جوابات مكتوبة باللغة الجورجية، قدما تصوراً يفيد بأن المماليك كانوا طبقة متجانسة تقريباً، فالغالبية منهم، نحو أواخر القرن الـ 18م، كانوا من أصول جورجية قوقازية، وأنهم كانوا شديدي الولاء لبلدهم الأم (جورجيا)؛ حيث تواصلوا مع أهاليهم هناك، وأرسلوا إليهم الأموال والهدايا، واستقدموا بعض أقاربهم إلى مصر، ولم يتخلوا عن لغتهم الجورجية التى تمسكوا بها، وجاهدوا عبر استراتيجيات معينة لضمان عدم طمس هويتهم واستمرارية تواصلهم مع بلد المنشأ، وأنهم لم يكونوا منعزلين أو غير متابعين لما كان يجرى من سياسات وتطورات فى إقليم القوقاز، ووفقاً لهذا التفسير (الرومانسي) كان للثقافة المملوكية طابعها القوقازي الخاص الذي يجعلها خارج ما هو مصري أصيل، وخارج ما هو عثماني. ومن ثم لا تبدو مصر بالنسبة للمماليك، في هذا السياق من التفسير، سوى فضاء، مارس المماليك من خلاله دورهم البارز في حكم هذا البلد، وتسيد قمة النفوذ السياسي والاجتماعي فيه. 

ثانياً – طبقة غير متجانسة متنوعة الأصول

وعلى النقيض من هذا التفسير، نجد دراسات أخرى لأندريه ريمون André Raymond وبيتر جران Peter Gran، على ما بينهما من تباين منهجى، تشير إلى أن طبقة المماليك فى الفترة الأخيرة من القرن الثامن عشر كانت متنوعة الأصول: فخلال فترة الستينيات من هذا القرن كانت أغلبيتهم إما جورجيين، وشراكسة، أو مماليك روس، فى حين شهدت الفترة الأخيرة منذ مطلع الثمانينيات وحتى نهاية القرن الثامن عشر، حالة من الإفراط فى شراء المماليك المرتزقة من كبار السن (السودانيين منهم والأوربيين)؛ وهى ظاهرة تعود إلى توقف تجارة الرقيق الأبيض القوقازي الناتجة عن الحظر العثماني، وهو ما جعل ثقافة هذا الجيل من المماليك متنوعة المشارب والأصول واللغات، وتغاير من ثم فى تكوينها الثقافي والاجتماعي ما كان عليه جيل خمسينيات القرن الثامن عشر وما قبله. وأن هذا تسبب فى ضعف البيوت المملوكية حيث ضعفت روابطهم التقليدية، وحتى العصبية الإثنية أخذت فى الضعف بدورها. وتسبب هذا فى بعد الشقة بينهم وبين المجتمع المصري الذى تنبه إلى هذا التغير العميق فى التركيبة الاجتماعية الجديدة للمماليك؛ فكان الناس يمايزون بين المماليك من زاوية تنشئتهم ومدى تشربهم للأصول والمعارف، كدلالة على عمق الشرخ الذي أصاب الطبقة المملوكية. وينتهى ريمون / جران إلى أن الانطباع الواضح من قراءة أدبيات ووثائق هذه الفترة، يشير إلى أن المماليك باتوا يشكلون طبقة غير متجانسة، ولم تعد جورجيا مصدراً أساسياً لهم، لكن طبقتهم مع ذلك ظلت فى رأيهما منغلقة على نفسها، وأن حاجة المجتمع المملوكي إلى سد النقص فى قوته العددية ذات التكلفة المادية الباهظة، أجبرها على الانخراط فى التجارة وممارسة شتى الاحتكارات والابتزازات التى عانى منها المجتمع المصري. 

ثالثاً – مجموعة عثمانية منفصلة عن المجتمع المحلي

هناك اتجاه آخر تمثله دراسات جين هاثواي Jane Hathaway، التى رأت أن الطبقة المملوكية كانت تعيش فى مصر كنوع من الإقامة، وأن مصر مثلت لهم مجرد بقعة تمركزوا عليها، ومارسوا من خلالها عملياتهم العسكرية والسياسية، لا تربطهم بالمجتمع سوى رابطة شكلية، وأنهم تأثروا طيلة العصر العثماني بما كان يجرى فى المركز أكثر من التطورات الجارية فى المجتمع المصري، وأن الثقافة السياسية المملوكية تماهت مع الثقافة العثمانية بصورة متكاملة، وأنهم كانوا يتابعون ما يجرى فى استانبول أكثر من أى مكان آخر، وان ارتباطهم وولائهم للمركز العثماني جعلهم معزولين إلى حد كبير عن التأثر بالأوضاع المحلية، ومن ثم ترى جين هاثواي أن ثقافة النخبة المملوكية والتعريف بمكونات هويتها يتعين معالجتها فى سياق عثماني تحديداً. 

رابعاً – طبقة مندمجة في الثقافة المحلية

بيد أن دراسات أخرى لنللي حنا، ترفض هذا الطرح الذي ينظر إلى ثقافة المماليك على أنها ثقافة تابعة للمركز العثماني، بل على النقيض من ذلك، تبين نللى حنا أن ضعف الدولة انعكس فى ابتعاد مماليك القاهرة عن سياق الثقافة العثمانية، وفى النصف الثاني من القرن الثامن عشر على وجه الخصوص، وترى أن الكشف عن الجانب الثقافي فى هوية المماليك لا يزال مجالاً مفتوحاً غير مكتشف، وأنه إذا كانت الصراعات على السلطة، قد أخذت جزءا مهماً من أوقات المماليك، إلا أن ذلك لم يمثل المشهد الكامل فى حياة المجتمع المملوكي، وأن المماليك وجدوا أنفسهم فى حاجة إلى الانغماس فى الثقافة المحلية؛ لتدعيم وضعهم الاجتماعي وتأكيد شرعيتهم، وأنهم كانوا أقرب إلى البيئة المصرية ثقافياً، يتخذون اسماء عربية مثل محمد وأحمد وعلى، ولا يتخذون اسماء تركية على نحو ما فعل نظرائهم من المماليك الأوائل. وبقدر تمكنهم من تحقيق درجة مهمة من الاندماج فى الثقافة المحلية، بقدر ابتعادهم عن ثقافة البلاط العثماني فى استانبول. وتلفت حنا الانتباه إلى خطورة استخدام مصطلح «الثقافة العثمانية»؛ لأنه يغطى على كل الاتجاهات، ويجعل استانبول مركزا لهذه الثقافة، فيما ينظر إلى الولايات العربية على أنها واقعة على أطراف تلك الثقافة، وهو ما لا تؤكده الوثائق ومصادر هذه الحقبة؛ ولذا اقترحت حنا اصطلاحاً بديلا أكثر دقة من الناحية الموضوعية وهو «التاريخ الثقافي للإقليم». 

وقدمت فى هذا السياق اختباراً لأحد المصادر الوثائقية، وتحديداً وثائق المكتبات الخاصة (المملوكية) المسجلة فى سجلات التركات بالمحاكم الشرعية. وهذه الدراسة أظهرت تحولا مهما فى الهوية المملوكية؛ حيث أبانت عن أن التباينات الإثنية واللغوية أحياناً لم تكن عائقاً أمام إقبال المماليك وتفاعلهم مع الثقافة المحلية، بل واتجاههم إلى تمويل الانتاج الأدبي ورعايته من خلال ظاهرة الصالونات الأدبية وجزل العطاء للعلماء والشيوخ. وأن فكرة التقسيمات اللغوية الحادة لا تثبت امام التحقيقات التاريخية فى وثائق تلك الحقبة التى تدلل بصورة مغايرة على تحقق درجة من الاندماج فى الثقافة المحلية، وأن المماليك كانوا من بين من حافظوا على التراث الثقافي ونقلوه لأجيال تالية.

من الاغتراب إلى الاندماج

يتبين مما سبق وجود تباينات واسعة فى الرؤى المطروحة من جانب المؤرخين حول فهم إشكالية من هو المملوك؟ وما هى ملامح هويته الثقافية والاجتماعية، وماذا مثَّل له المجتمع الحاضن (مصر) من أهمية وجودية؟ وكيف يمكن تتبع تشكل هويته من الاغتراب إلى الاندماج المتفاوت كثافة وعمقاً؟ وغيرها من التساؤلات التي تظهر إلى أي حد تبدو ثقافة المملوك وهويته مسألة مركبة وبالغة التعقيد أكثر مما يتصور؛ حيث تتعدد مشاربها بين ثقافة المنشأ التي عاشت داخله، وجعلته فى بعض الأحيان يشتد بحنينه إلى بلده الأم، وبين احتفاظه بثقافة محلية، وجدها تنمو أيضاً داخله، تزاحم وربما تغالب روافد ثقافته الأولى، ما جعله واقعاً في حالة من الازدواج الثقافي واللغوي، لتشكل جزءا من نسيجه، لا يمكن إنكاره، بقدر ما إن حالته ظلت عاكسة لاستراتيجية طويلة من التكيف الاجتماعي والثقافي، والتى مثلت بالنسبة له خيار الضرورة المستمر، لكنها فى النهاية استهدفت بلا مراء تحقيق كينونيته الواقعية والحياتية. وهذا تحديداً ما تحاول الدراسة تفسيره فى ضوء دراسة مجهرية للجوابات.

صوت المملوك: جوابات المماليك كمصدر وثائقي مباشر

يتعين في البداية الاعتراف بأن فهم هوية المملوك ليست مسألة سهلة؛ لأنها بطبيعتها مرت بمراحل معقدة، وارتبطت بظروف من التغيرات المركبة، وتعرضت لتحولات عميقة فى مكون هويتها الاجتماعية وترسباتها الثقافية من جيل إلى آخر: فالمملوك يُجلب إلى مصر وهو مُحمل بتجربة تنشئته في بيئته الأولى، وذكريات طفولته التي لا يكاد ينساها، ولغة ومفردات وتعبيرات تظل عالقة بالذاكرة، تترجم آداب السلوك وقواعد التنشئة الأولى، ثم يجرى الدفع به في خضم حياة مجهولة، منذ لحظة الخطف المتكررة التي يمارسها «صائدو الأطفال» في القرى الجبلية وبين أحراش بلاد القوقاز، وهم شبكة متخصصة في تجارة الرقيق الأبيض عبر استانبول والقاهرة. وهكذا نجدنا أمام مجموعة إثنية انتُزِعت من مجتمعاتها قسراً، وفقدت تواصلها مع مجتمعها الأم وتراثها الثقافي، وبات محتماً عليها مواجهة حالةٍ من الاغتراب القسري، مع ما اكتنفها من عملية إعادة هيكلة للهوية بصورة جذرية (على مستوى اللغة والدين ومنظومة القيم وقواعد السلوك والآداب إلى جانب التدريب على قواعد الفروسية واتقان فنون القتال والطاعة المطلقة للسيد…إلخ). نحن إذاً أمام حالة يُعاد فيها انتاج هوية مجموعة وفق ظروف خاصة، ولسنا من ثم بصدد هوية من النمط الطبيعي الذي تفرزه ظروف اجتماعية عادية، متعارف على ملامحها وحدود مكوناتها العامة. 

ولسوء الحظ يُحيط الغموض بهذه التجربة من إعادة التشكل أو حتى بمعرفة حجم المعاناة والضغوط التي فرضت نفسها على المملوك الذي يكتشف في تلك المرحلة الباكرة من حياته، أن القدر بات محركاً لكل مصيره، وظل يشكل نمط حياته الجديدة المستندة إلى قيم ومفاهيم ولغة وتراث ديني وثقافي مغاير لنمط حياته قبل الخطف وفقدان حريته أو إرادته الحرة بُعيد وقوع تلك الحادثة المفصلية في حياته. 

وتكمن المشكلة في أن المماليك أنفسهم لم يُخلفوا وراءهم مدونات خاصة، تروى من وجهة نظرهم حقيقة تلك العملية المعقدة التي مروا بها خلال تجربة إعادة تشكل هويتهم، وما واجهته جماعتهم من تحديات وجودية مختلفة. ربما كانت مذكرات المملوك رستم (الشهير بمملوك نابوليون بونابرت) استثناء من ذلك، وهي المذكرات التي نُشِرت باللغة الفرنسية في باريس أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكنها تناولت تفاصيل حياة المملوك وهو في فرنسا (خلال الحقبة النابليونية) أكثر من تركيزها على الفترات الأولى من حياته التي مر عليها سريعا؛ ربما لصعوبة تلك الحادثة المؤلمة التي نزعته عن عائلته وبلاده وغيرت مجرى حياته، وقادت به إلى مستقبل مجهول.

إن مدونات المراقبين المعاصرين كالجبرتي أو اسماعيل الخشاب أو نيقولا الترك أو حتى المدونة المختزلة للشيخ عبد الله الشرقاوي وغيرها من المصادر المتأخرة…إلخ، على أهميتها، لا تقدم سوى رؤية من الخارج، تعيد انتاج صورة المملوك في عيون هؤلاء المراقبين المعاصرين، ومن منظور فردي، كل بحسب موقعه من الأحداث، وشبكة علاقاته، وما اتيح له من وسائل رصد الأخبار والمعلومات، لكن الأكثر خطورة أن هذه المصادر الأدبية ركزت في الغالب على الجانب العسكري والسياسي، وهو ما جعل البعض لا يرى في المجتمع المملوكي سوى مجتمع قائم على الانتهازية وحرب الشوارع والغدر والقتل، وأنه لا يعدو في التحليل الاخير سوى تاريخ متجدد من الصراع على السلطة. وهذه الصورة المجتزأة، أحادية الجانب، والمتعجلة في كثير من نتائجها، جاءت نتاجاً للتركيز على قراءة تلك الأدبيات، والاعتماد بشكل خاص على يوميات الجبرتي باعتبارها الأكثر ثراء في معطياتها التاريخية، دون أن يضعوا في الاعتبار أن الجبرتي أو نظرائه إنما قدموا في النهاية رؤية خاصة، ومن واقع تجربة فردية بامتياز، تتضمن أحكاماً وتقييمات متسرعة في بعض الأحيان، وغير موضوعية في أحايين أخرى. 

ومقاربة بهذه المصادر الأدبية، فإن «جوابات المماليك» – محل الدراسة – تمثل بحق مصدراً نوعياً، يختزن داخله صوت المملوك وأحاسيسه وتداعياته الذاتية ومواقفه من كل ما كان يجرى حوله. وعلى الرغم من الطابع الرسمي للجوابات؛ كونها متبادلة بين جنرالين (مملوكي وفرنسي)، إلا أنها تطلق آراء المملوك، وتكشف مواقفه والطريقة التي كان يفكر بها، بقدر ما أضاءت مناطق مجهولة في الذات المملوكية: كيف كان المملوك يرى الأحداث العاصفة التي مرت به، وكيف كان يتحرك إزاء تحدياتها، وما هي مخاوفه وتوجساته ومواطن الازعاج والحيرة. وخارج الذات المملوكية، تنفتح الجوابات على مساحة أخرى، ترصد بعض مشكلات المجتمع وتناقضات المواقف والمصالح، لتتجاوز الجوابات الشأن المملوكي الضيق إلى الدائرة الأوسع التي تجعل شخصيات عادية ومجموعات مختلفة من المجتمع أو حتى وافدة تزاحم على الظهور في قلب المشهد. لكن الجديد هذه المرة أنها صيغت على عين الأمير المملوكي وفكره، مصحوبة برأيه وتقييمه لها، مما يكشف عن منظور المملوك للمجتمع وتحديد دوره إزاء مشكلاته وشواغله. وهو وضع أدرك الفرنسيون منه سبب ارتباط الناس بالمماليك، وبالأمير مراد بك الذي لاحظ الفرنسيون أن هيبته بين الأهالي دفعت مشايخ قرى الصعيد إلى التقرب إليه؛ ودعمه بالكثير من الأموال التي قدموها إليه على سبيل التحية بعد استقراره بجرجا!

 وعلى مستوى اللغة وقوة التواصل وبناء التصورات، لا تطلق الجوابات صوت المملوك من دون وسيط مراقب فحسب، وإنما تفيض رغم بساطتها بتعبيراته ذات الغنى الدلالي والرمزي، كما أنها تكشف طريقته في استخدام الألفاظ والمفردات والمعاني، بما يسمح في النهاية بالتعرف على ملامح خبرته باللغة وبأساليب ممارستها، وحدود قاموس مفرداته اليومية (التلقائية)، والتي يمكن معها الكشف عن دلالات اجتماعية وسلوكية ونفسية، وربما تسمح دراستها بكشف كثير من القيم الاجتماعية التي آمن بها واستند إليها، كمرجعية أخلاقية في مسار حياته الجديدة داخل المجتمع الحاضن. ومن هنا تعد الجوابات مقاربة بغيرها مصدراً وثائقياً أولياً ومباشراً، يفوق في أهميته الأصيلة مصادر المراقبين المعاصرين (الوسطاء). 


في المقال القادم نتوقف عند دلالة لجوء البكوات المماليك في مجموعة مراد بك إلى كتابة «الجوابات» باللغة العربية؟ وما إذا كان يعد ذلك تحولا نوعياً في ثقافة وهوية المملوك.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s