د. محمد جابر لطفي
اللوحة: الفنانة الإسبانية ريميديوس فارو
تحسست خطواتي.. نعم.. نعم.. درجات سلم.. تجاويف تطابق أقدامى.. لمست أصابع القدم اليمنى نقوشا بارزة وأخرى غائرة.. قرأتها ولا أدرى كيف.. كانت تردد بلا توقف “لا تنظر إلى الوراء”.. خطوة أخرى.. أطعت الهمس الخفى ووضعت قدمى فى أماكنها المحفورة منذ القدم.. وتابعت المسير.. حتى تردد صوت فى أذني.. لا.. ليست أذناى أنه ينبع من تلك النقوش.. لا بل من خارج الزمن.
كيف جئت إلى هذا المكان.. أكاد أذكر سحابة القلق التى أحاطت بروحى وأنا أخطو نحو باب الكهف الصخرى.. كل ما حملته معى من العالم الذى كنت أحيا داخله.. كلمات قاسية كصخر المعبد المهجور.. قالها لى تف نخت مرشدى إلى عالم الظلال الذى كان على وشك أن يلفنى: “هناك سوف تنحنى وتقبض ثلاث قبضات من العدم.. ظلمة الكهف سوف تنير لك السبيل حتى تجد فتحة بئر الأسرار.. تمسك بجدران البئر.. أهبط تسع وتسعين درجة.. لا تخف سوف تجد تجاويف مرسومة.. دع قدميك العاريتين تلتحف بها.. تسكن إليها.. دعها تخبرك عن أسرارها”.
سبعة وتسعين.. ثمانية وتسعين.. تسعة وتسعين.. توقفت عن الحركة.. لم أدر أى قدر يسوقنى.. تلفت وعيونى مظلمة.. لم يُسمح للضوء أن يلهو بهما.. مددت يدى اطوف بها جدران البئر.. حتى وجدت عصا عليها تجاويف حلزونية ورسوم.. كان على أن أمسك بها وألوح ثلاث مرات نحو اليمين وثلاث مرات نحو اليسار.. بدأت العصا تنفث النار المقدسة.. أحسست بلهيبها الحانى على وجهى.. بين جوانحى.. أسفل قدمى..
كل شئ من حولى يدعونى للمسير.. شعلة الحياة التى تقبض عليها كفى اليمنى فى استماتة.. كلمات تف نخت.. وأقدامى التى لا تزال تتذكر ما قيل لها عندما كانت تخطو على درجات الجب.. حتى استوقفنى من يقول.. باب الحياة والموت يطلب ممن هو قادم أن يتلو ما يجب أن يقال..
تهادت إلى أذنى أصوات مبهمة تهمس.. تصرخ.. تشكو.. وتنعى.
كلها تردد تعال.. لا تذهب.. تعال.. وساد السكون ذلك العالم الخفى.. وبدون مقدمات هبت ريح عاتية من كل مكان.. لم تستكين حتى وأدت اللهب الذى كنت أحمله فى صحراء النسيان وأخيرا طلب منى أن ألقى العصا وأفتح جفونى.. فعلت وأنا أردد أنا قادم.. أنا قادم.. سور دائرى يحيط بكل شئ من حولى؛ يلامس أنفاسى.. تماثيل تلامس رؤوسها قطع من الظلام تنظر إلي فى ريبة واشتياق.. تطالبنى بما يحييها.. كان كفى الأيمن يبحث عن ما يطلبونه.. بحثت فى ثيابى.. جسدى حتى وجدته.. قطعة من الجرانيت الأحمر صغيرة بحجم نصف الظفر منقوش عليها عقرب فى جانب وجعران فى الجانب المقابل.
لوحت بتلك القنينة الصخرية أمام من كانوا أمامى.. أمتلأ الفراغ من حولى بصرخات تطلب ما تحتويه تلك العلبة الحجرية.. أياد وأطراف تمتد فى فزع وشوق.. كان لابد من أن أنطق بآخر كلمات تف نخت حتى ينشق صندوق الأسرار الجرانيتى وينفث ما يحتويه من زئبق أحمر إلى الفضاء المسور من حولى.. رأيت التماثيل.. تمد أفواهها إلى وتلعق.. تستنشق.. تتداخل وجوهها.. تموج حولى فى دوائر حمراء قانية.. قبل أن يسود الظلام سمعت صريرا خافتا.. بابا حجريا يفتح.. ضوء خافت يزحف على استحياء.. وجوه أعرفها.. ترنو إلى تتقدم فى ثقة وفرح.. أحسنت يا حرى تب.. كانت هذه أول مرة أسمع أحدهم ينطق إسمي الذى نسيت حروفه من سنين.. كان صوت تف نخت مرشدى إلى اختبار الكهنة الجدد والذى اجتزته بنجاح منذ لحظات.
مقابر مدينة منف 1915م
آلاف المعاول تدق الأرض الترابية.. أصوات متداخلة لعمال جاءوا من أماكن بعيدة سعيا إلى قروش قليلة.. خيمة صغيرة أعلى التلة.. رجل وجهه مشرب بحمرة وشارب كبير يلبس قبعة من قش تحمى رأسه ووجهه من شمس تنظر إلى كل هذا الصخب وتحاول بأشعتها القاسية أن تبعث الهدوء فى أرض السكينة الأبدية.. مقابر منف العتيقة.. يصرخ دسوقى وهو شاب فى العشرين من عمره أتى من قرية لا يذكر أحد اسمها من قرى الدلتا.. “باب قبر.. باب قبر”.. خرست كل الألسنة.. إنهارت كل المعاول.. حتى ذلك الرجل الأجنبى نظر فى إهتمام بالغ وأسرع يرى أين ذلك القبر المزعوم.. فجوة رملية تحيط بصخرة بيضاء رمادية عليها نقوش ورسوم قديمة مألوفة عند العمال وذلك الإنجليزى القادم من وراء البحار بدا وكأنه ثعلب يتشمم فريسته.. ظل يخطو فى حرص حول الحجر وكأنه يخشى عليه من خطواته.. ثم تحول فجأة إلى الصراخ فى العمال.. “هيا أزيلوا الرمال.. كل الرمال.. اريد أن أرى ذلك الحجر”.. امتثل دسوقى والعمال أملا فى أن يعطيهم الرجل الغاضب قروشا إضافية..
كان باب القبر عبارة عن بلاطة كبيرة بيضاء يشوبها اللون الرمادى الداكن منقوش عليها عقرب وجعران متجاوران.. نظر الرجل الغاضب إلى اجتماع النقشين وبدأ فى الصراخ من جديد، “رباه رباه.. هنا يرقد حرى تب.. غير معقول.. احفروا بقوة.. احفروا بقوة”، بدأ العمال فى إزالة الحجر الأبيض الذى أبان درجات سلم عتيق.. تقدم الرجل الإنجليزى هذه المرة وطلب من دسوقى أن يتبعه وأشار إلى باقى العمال أن يبتعدوا مسافة كافية وحذرهم من محاولة النزول خلفه إلى داخل القبر المظلم.. أمر الرجل دسوقى أن يتبعه.. أوقد دسوقى شعلة إلا أن الأجنبى طلب منه أن يطفئها ويهبط على خلفه ولم يكن لدى دسوقى إلا أن يطيع الأمر.. بدا القبر رطبا مظلما يكاد نور النهار أن يرسم ظلال خافته تتقدم فى حذر داخل بيت الأبدية..
ممر ضيق تحوطه جدران تملؤها رسوم ملونه فرح بها الإنجليزى وأخذ يقرأ مابها من رموز عتيقة ويصرخ فى هذيان.. “حرى تب يرقد هنا.. حرى تب هنا.. نعم هذا هو اسمه وألقابه الكهونيتة وها هو طريق الاختبار الذى مر به منذ قرون عديدة.. احتفظ بكل هذا من أجلى.. نعم من أجلى.. خالف كل تعاليم الكهنة الأقدمين.. وهاهو يذكر ما حدث فى كهف الأسرار وكيف تناول الشعلة المقدسة وأطعم من لا اسم لهم الزئبق الأحمر.. أين تلك القارورة الجرانيتية.. لابد انها هنا.. لم يكن ليعرض نفسه للعقاب الأبدى بذكر الأسرار ولا يترك وراءه قنينة أخرى بها ذلك الكنز الأحمر.. فى تابوته.. أين.. فى الجدران.. لا أرى أى أشارات.. لابد من أن انزع قناع المومياء.. الأكفان.. أزيل التمائم من العنق.. من موضع القلب.. هاهى تعويذه القلب وأخذ يقرأ.. “وليكن قلبى فى بيت القلوب.. وليكن صدرى معى فى بيت القلوب.. ليكن قلبى معى ويبقى معى وإلا فإنى لن آكل من خبز أوزيريس فى الجانب الشرقى من بحيرة الزهور ولن أركب القارب الذى يحملنى فى النيل ليكن فمى معى وليكن لى كى أتكلم وليكن لى ساقاى لأسير بها ويداى لأهزم أعدائى ولتفتح لى أبواب السماء”.. تلا الرجل الأجنبى تلك الكلمات ودسوقى ينظر إليه فى رعب.. ينتظر أن تنشق الجدران وتمتد أياد لا عدد لها تنتزع قلبه وأحشائه.. لقد سمع الكثير من العمال عن حالات الجنون التى تأكل عقل الأجانب بعد اكتشافات لقبور مثل هذه.. وتكور فى جانب من الحائط الرطب وأمسك رأسه بين يديه وهو يتلو ما استطاع أن يتذكره من القران؛ أغمض عيونه حتى لاترى المزيد من الأشباح الغاضبة التى كان يظن أنها تملأ القبر الملعون.. اهتز جسده عندما سمع صرخات الإنجليزى وهو يبحث فى يأس عن شئ لا يعرفه ويتمتم.. “اين تلك القارورة.. لو عثرت عليها سوف أصبح أغنى رجل فى انجلترا لا لا فى أوروبة كلها.. لا فى هذا العالم كله.. تكلم يا حرى تب.. انطق أيها الخبيث.. أحذرك يا حرى تب.. سوف أمزقك حتى أعثر عليها.. أعلم أنك تخبئها فى مكان ما معك.. لتساعدك فى العبور بسلام إلى العالم الآخر.. نزعت كل أكفانك.. لم أجدها.. أنذرك للمرة الأخيرة أن لم تتكلم سوف أهشم جسدك سوف أحطم فمك.. لن تستطيع روحك التعرف عليك مرة أخرى سوف أمزقك أربا أربا.. اعترف.. قل كلمة واحدة”.
شاهد دسوقى الإنجليزى ينهال على المومياء بفأس صغيرة ويصرخ “سوف أجدها فى راسك ياحرى حتب.. لا.. لا هشمت الرأس ولم أجد شيئا.. الصدر.. لا.. الصدر فارغ.. البطن.. الأيدى الذراعين الساقين.. لا لا يوجد أى شئ.. نعم.. نعم العنق.. هو العنق.. هدأ الأجنبى فجأة وبرقة غريبة بدأ فى استكشاف عنق المومياء الممزقة.. ترددت صرخات محمومة.. “وجدتها.. وجدتها أخيرا.. قنينة الزئبق الأحمر.. هاهو الجعران.. والعقرب.. معا.. معا للأبد” ثم سقط الأجنبى على أرضية القبر بجانب أشلاء المومياء تمسك كفه القارورة العتيقة.. تلاقت نظراته مع عينى دسوقى المرتعب الذى هوى بحجر على رأس الإنجليزى وفتح أصابعه المتشنجة واستخرج العلبة الصخرية من بينها ونظر إليها فى فرح طاغ ثم ترك القبر تسكنه جثتان.
مستشفى الأمراض العقلية العباسية القاهرة 1945
تتعالى صرخات مألوفة فى عنبر 12.. ممرض ضخم الجثة يفتح باب العنبر الكبير وهو يهدد ويتوعد.. كفانا اللية من صرخاتك.. نريد أن ننام.. الطبيب فى مسكنه بعيدا.. طلب منى ألا أزعجه وذكرك بالاسم.. دسوقى.. نعم دسوقى.. أنت.. كل ليلة تهذى وتصرخ.. أنقذونى.. دعونى.. لا أريد أن تأخذونى معكم.. خذوا الزئبق الأحمر أو الأخضر لا أعرف.. ظللت ثلاثين عاما مريضا هادئا.. حتى تلك اللية التى ابتلينا جميعا بصراخك كل ليلة.. وانت تشير إلى المريض الجديد.. الصامت.. كل ما قاله منذ جاء كلمه واحدة.. مجرد كلمة واحدة.. أن اسمه حرى حتب.