العلمُ حينَ يجهل

العلمُ حينَ يجهل

 د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان النمساوي فيليب مولر

العقلاء يؤكدون أن كل نعمة لم تنلها، هي مصيبة لم تنلك..

هذه الفكرة في تصوري، لم تزل تحتفظ بقدر حقيقى عال من الصحة، فضلاً عن كونها امتداداً لمقولة قديمة ترى أن الإفلات من عظمة الملك وجبروت السلطة وشهوة الثروة وقلاقل الضمير، هو “سعادة لو علمها الملوك، لقاتلونا عليها”، كما يقول بعض الزاهدين، إذ هم يعتقدون بالفعل أن تلك مصائب لم تنلهم، ولا يعنيهم كثيراً أن أناساً يعتقدون في المسألة غير ما يعتقدون.

والآن –عزيزي القارئ-، هل يمكن أن يكون هذا المنطق نفسه صحيحاً في قضايا أخرى؟ فالناس قد أطبقوا منذ القدم مثلاً، على أن “العلم نور”، فهل يمكن أن نصبح يوماً فإذا هو ظلمات بعضها فوق بعضٍ حتى لَيَتشهىَ الناسُ فيها أن لو كانوا متمتعين بنعمة الجهل؟

أتصور أننا مسرعون عما قريب إلى هذا الوضع، ولا سيما إذا استمر الإيقاع المتدافع لثورة المعلومات، التي تهب على العالم كأنها عاصفةً لا تعرف الانتظار، حتى إن الناس إذا أمسوا على شيء من المعرفة الجديدة، فتحوا عيونهم على غيره المختلف عند الفجر، بل إنهم بدأوا يفقدون حاسة الدهشة إذا أنت طلعت عليهم بما تظنه مدهشاً، لأن كلاً منهم فتح لخياله بوابات المستحيل، فأصبح المستقبل لديه ماضياً، يتلقاه كما يتلقى ” النكتة ” القديمة بهزة من رأسه تشبهُ السخرية.

والكتاب درجوا على أن يسموا هذا الوضع المتسارع، “بثورة المعلومات”، أو يبالغون، فيقولون “الانفجار المعرفي”، وربما كان التعبير الأول مناسباً، بشرط ألا نتصورها “ثورة بيضاء”، فإن لهذه الثورة من الضحايا، ما لا يحصون كما سنرى، غير أن التعبير الثاني يبدو أكثر دقة في الدلالة على المشهد المعرفي المندفع بشتى تجلياته السلبية والإيجابية جميعاً، إذا صرفنا النظر عن درجة المبالغة والفوضى بوصفها بعض الجوانب الدلالية لكلمة “انفجار” والتعبير “أدبي” بلا شك، ولذلك فإن علينا أن نفهمه في إطار معرفتنا العامة بالخط البياني لنمو العلوم، فإن السنوات الثلاثين الأخيرة قد شهدت وحدها أكثر من سبعين في المائة من منجزات العلم، معظمها في العشرين سنة التي ما نزال نبدأ بها القرن العشرين، فماذا لو تصورنا مستقبل العلم بعد مائة أو مائتي عام، وهو ما يزال يقذف في وجه البشرية بوسائل العلاج وأسباب المرض معاً ويحل كثيراً من المشكلات القائمة، ويفجر الذي قد يكون أصعب منها.

 لا شك أن العلم هو المفتاح الوحيد للتقدم البشري، حتى جعله الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، غير أنك قد تذكر ما يكتب كثيرا حول الآثار السلبية الناجمة والتي يمكن أن تنجم عن التطور السريع في مجال التقنيات، على البنية الروحية والعقدية للإنسان، وكيف أن هذا الأمر، ينذر على المدى البعيد بظهور أجيال من البشر، يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكأنما جاءهم العلم ليحيلهم أشد جهالة بمن فتح لهم كوى الكون ليهتدوا إليه، فلم تزدهم نعمة العلم إلا كفراً بالمنعم، ولم يزدهم حلمه بهم إلا تجاهلا له وانصرافا عنه.

هذا الخطر على شدته يقع ، فتحدث آثاره الروحية تلك ، والتكنولوجيا في مكانها، لم يستخدمها أحد ضد الإنسان، فبينها هنا وبين المغناطيس، علاقة القدرة على التأثير دون أن يتحركا، فالإعجاب المفتون بالتكنولوجيا، والإيمان بأن ما كشف من أسرار الكون كاف لتفسير مالم يكشف، إلى غير هذه الهرطقات، يحدث وحده دون أن يتدخل أحد.

لكن هناك حالات أهول فتكاً، يُسخّر فيها العلم وتوظف فيها شراسة التكنولوجيا السوداء بيد الإنسان نفسه، ضد بني جنسه من سكان هذا الكوكب، ولن أحدثك –عزيزي القارئ- عن الحرب الإلكترونية والاستشعار عن بعد، وحرب النجوم، والحروب الميكروبية، فتلك أمثلة رآها الناس في حروب الخليج الأولى والثانية، وفى الحروب التي تجرى الآن وليس أمرها ببعيد، إذ كان العلم والتكنولوجيا المتطورة أبرز أبطالها الجبابرة، وهي في كل الأحوال، حرب مرئية بالعين المجردة أو بغيرها، وهي في كل الأحوال أيضاً، تشغل الناس زمناً ثم تنتهي.

أما الحرب الخفية التي لا تنتهي، فهي الحرب بالعلم والتكنولوجيا السوداء للتجسس على خلق الله، دون تفرقة بين ما هو فرد أو مؤسسة أو نظام أو حالة، ودون تفرقة بين ما هو في أطباق الأرض أو في أعماق البحر، أو في أغوار الفضاء، ولا تحسب –عزيزي القارئ- أنني سوف أحدثك هنا عن الجاسوسية وعيونها وأسرارها البشرية أو الإلكترونية، فذلك علم لست من أهله ولا أحب، ولست من المتطلعين إليه ولا أنوي، إن الفكرة هنا، هي حديث عن العلم حين يجهل فيصبح كالثور الهائج في مدرسة الأطفال، وكيف يصيب الناس بحالة من الفزع، ثم يستحيل الأمر، فلا تهرب منه إلا إليه!!.

تابعت قبل فترة برنامجاً على إحدى الفضائيات العربية حول موضوع الجاسوسية، فكان الأمر على نفسي أهول مما تظن، إذ ترصد له ميزانيات تزيد على ميزانيات كثير من الدول غير الفقيرة، وكشفت الصور التي عرضت عن حقيقة هي بعيدة عن تصورات البسطاء من أمثالنا، فالكرة الأرضية جميعها مغطاة بشبكات هائلة من العيون الإلكترونية والأقمار الصناعية، وهذه الشبكات متصلة بقواعد أرضية كلها آذان تسمع دبيب النمل، عن طريق مراكز عصبية تنتفض للهمس، في أجهزة الكمبيوتر المعقدة المزروعة على نظام محسوب بدقة غير متناهية، فأنت لا تكلم صديقاً لك عبر الهاتف أو عبر العالم إلا وكلامك مسجل، ورقمك أيضا، والمكان الذي تتحدث منه، سواء كنت رجلاً أو امرأة، حاكماً أو محكوماً، ثم هي لا تسمع فقط بل تصور إذا شاءوا أيضاً، ثم تصب بياناتها المسموعة والمرئية لتقوم الأجهزة بتحليلها وتصنيفها وتوجيهها إلى الجهات ذات العلاقة في الدولة التي تعمل لحسابها، والأمر بعد لا يقتصر على مراقبة البشر بل مراكز البحوث والمصانع وحركة الطيران والنقل والإنتاج الحربي، وكل نابضة على الأرض أو حولها، فكله مسجل مصور عندما يشاءون، لا شيء اسمه سر، ولا شيء اسمه خصوصية، ولا شيء اسمه حرام، فالأخلاق هنا عملة كالتي كان يحملها أهل الكهف إذا ظهرت لم يظهر معها إلا المشاكل! والمدهش أن أكثر الدول صداقة، يتجسس بعضها على بعض، لا فرق بين غرف النوم وغرف العمليات، والأشد إدهاشاً أن اتفاقات سفلية تحدث مع الشركات المصنعة للبرمجيات وأجهزة الكمبيوتر، بحيث توضع ثغرة في البرامج المهمة في مجالات المال والأعمال والبنوك والسياسة والمفاوضات وما شئت من مهمام علمية أو تقنية أو بحثية، وهذه الثغرة السرية الصغيرة في البرنامج تسهل عملية التجسس على أدق أسرارك، والسياحة الحرة في عالمك الخاص الذي تظنه آمناً، وأنت لا تدري أن كلمة السر يمكن كسرها، وإن أوهموك بالأمان، أو يمكن اعتراض معلوماتك وقرصنتها في الرحلة بينك وبين الشبكة.

وقد فهمت لأول مرة أسباب الانصياع الإنجليزي “للعم سام”، حين شرح عضو مجلس العموم البريطاني للبرنامج، أن السبب هو افتقاد بريطانيا للغطاء النووي الذي تملكه الدول العظمى، وتعهد أمريكا بحمايتها نووياً في مقابل تنازلات بعضها هو ما يراه الإنجليز على أرضهم كثيراً ثم لا ينتبهون إلى أنه قواعد أمريكية للتجسس على أوربا والشرق وعلى الإنجليز أنفسهم، دون أن تستثني شيئاً، بل إنهم يضعون العملاء للتجسس على عملائهم هم.

إن الصراع هنا –عزيزي القارئ- هو صراع علمي تقني بالدرجة الأولى، وهو من ناحية أخرى صراع فاجر لا يعرف الحدود، ولذلك فقد ترك الناس عراة حين كشف سترهم وأظهر عوراتهم، واتخذ من ذلك سلاحاً خطراً ينفذ سياسات بعض الجبابرة من الدول والطغاة، وبعض الشركات الكبرى لإخضاع منافسيها، والمحصلة النهائية لتوظيف العلم في هذا المجال الخطير، هي أن الناس جميعاً أصبحوا عراة أمام عيون الأقمار الصناعية وآذانها وفقد الإنسان حالة السكينة والأمان التي كان يعيشها أيام كان لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه. ثم نحن لا نستطيع أن نتصور، كيف سيكون الحال بعد أن يقذف الانفجار العلمي بالعالم إلى ألف سنة قادمة.

والغريب أن هذا العلم لم يكتف بفضح أسرار الناس وتعريتهم أمام عدسات الجاسوسية، بل إنه راح فوق ذلك يخنق أنفاسهم، فكل ما لحق بالبيئة الإنسانية من مأساة إنما هو من نواتج العلم والتكنولوجيا، التي خلقها الإنسان ثم عجز عن التحكم فيها، فظهر الفساد في البر والبحر والجو وارتفعت أصوات الاستغاثة أن أنقذوا كوكب الأرض قبل أن تقع الكارثة.

المدهش أن الذين صنعوا الكارثة وهم الدول المتقدمة لا يريدون أن يخفضوا معدلات التنمية عندهم ولا نواتج المصانع ولا النفايات ولا السفن، وهم لا يسمحون لدول العالم الثالث أن تنهض نهضة حقيقية حتى لا تتفاقم مشاكل البيئة في العالم، فالبشر كلهم فراخ ضعيفة في بيضة ملئت لهم وختمت عليهم، ولكنهم عبثوا فيها وأحالوها حرائق وأفسدوا غاباتها وبحارها فأفسدوا غلافها الجوي الذي يمثل قشرة البيضة الواقية لفراخها، فتقافز حولهم الموت الأحمر والأسود والأزرق، عبر ثقوب الأوزون التي تتسع كل يوم بجنون أهلها وهم عن التذكرة معرضون، يمنعهم غرور العلم ونشوة التكنولوجيا الجبارة أن يتوقفوا فيتذكروا أن “نوبل” حين التفت إلى الآثار الخطيرة التي نجمت عن اختراعه، كان أكبر استغفار رآه مناسباً، أن يرصد جائزة كبرى سنوية لمن يقدم خدمة متميزة للسلام، ذلك الذي رآه “نوبل” وهو يحترق في “ناجازاكي” و”هيروشيما” بفعل القنبلة الذرية التي هو أصلها.

لقد اخترع العلم الحديث من ألوان الخطر مالم يخطر “لنوبل” ولا لضحايا “هيروشيما” على بال، ومع ذلك فما زال الغرب يكذب بكل لغات العالم أمام الدنيا، دون أن تلمح عدسات المصورين في وجهه حمرة الخجل.

صحيح أن ثورة المعلومات والانفجار المعرفي الحديث، حقق للإنسان في مجالات الحياة وصناعة التقدم ما لم يخطر على بال، لكن ما سر الدعوات الملحة إلى العودة إلى الطبيعة وإلى المشي حافياً وإلى العلاج بالأعشاب، والتخلص من أطعمة الهندسة الوراثية، ومغادرة أجواء المدن، والهروب من التكنولوجيا؟ أليس في ذلك استجابة لصوت حميم داخل البشر، يبحث في حرقة وحسرة، عن صفاء النفس والحياة في عصر ما قبل التكنولوجيا؟ باختصار، يبحث عن عصر “الجهل” الذي جنى عليه هذا “العلم” يوم قرر الانعتاق من إطار الأخلاق، ليحقق منافع للأشخاص أو مصالح للدول والشركات، وراح مروجوه يخدعون الناس بشعارات وكلام لو مسخه الله شيئاً غير الحروف، لصار ذباباً يملأ شوارعهم ووجوههم، ولذلك تجد معظم شعاراتهم سراباً، لا تستطيع أن تملأ منه ملعقة.

إن من أعظم جماليات الأخلاق أنها تصب مفاهيمها في بوتقة الحق، فالعلم عند الأخلاق الراقية لا يحمل جوهره إلا إذا كان حقاً، وإلا إذا كان مفيداً، إذ القاعدة الأساسية، أنه “لا ضرر ولا ضرار”، والعالم الحق يرى أن من أكبر أهدافه في الدنيا أن يعرف كيف يغادرها مطمئناً، وعلى شفتيه ابتسامة من تحية السماء لاستقباله، وهذا الهدف هو الذي يحكم سلوكه ويوجه فكره ويوظف اختراعاته، ويمنع حزنه على نعمة أفلتته أو على مصيبة لم تفلته.

في هذا الإطار –عزيزي القارئ-، يصبح العلم نوراً حقيقياً، وليس كعلم الغرب الذي جعل الكثيرين يتمنون أن لو كانوا متمتعين بنعمة “الجهل” وراحة البال وهدوء النفس ودفء الأسرة، ذلك لأن العالم النظيف يدرك بوعي، أنه عندما يمشي على الأرض، فإن حركة رجليه هي خطوط في سطح الجغرافيا، لكن معانيها هي خطوط في قلب التاريخ.. وقلب الإنسان أيضاً!.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.