اندماج المماليك بالمجتمع المحلي وتماهيهم مع لغته وثقافته

اندماج المماليك بالمجتمع المحلي وتماهيهم مع لغته وثقافته

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: «باب زويلة في القاهرة» ١٨٤٠ للفنان الأسكتلندي دافيد روبرتس

تتناول هذه المقالات دراسة مصدر جديد لتاريخ المماليك في مصر، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من «جوابات المماليك»، تعود إلى عام 1800 / 1801؛ أي أنها تغطى جزءاً أساسياً من فترة الحملة الفرنسية وتكشف علاقة الفرنسيين بالمماليك والمجتمع في تلك الفترة.

وتركز الدراسة علـى «جوابات مراد بك» لقادة الحملة الفرنسية، بصفتها مصدر أدبي يمكن أن يمدنا بمعطى جديد حول فكرة المملوك، يساعدنا في كشف أبعاد الهوية المملوكية وما اكتنفها من غموض، وتفسر في الآن نفسه ظاهرة الاحتواء أو الاستيعاب الثقافي للمملوك في المجتمع المصري بوصفه مجتمعاً حاضناً لهم. 

توقفنا في المقال السابق عند دلالة لجوء البكوات المماليك إلى كتابة «الجوابات» باللغة العربية؟. ونتوقف في هذا المقال عند العوامل التي أدت إلى الاحتواء الثقافي للماليك في المجتمع المحلي، وأهمها التحاق المدنيين (أولاد العرب) بالأوجاقات (الوحدات العسكرية العثمانية)، وتمكن أعيان المجتمع المحلي (العرب) من اختراق حظر اقتناء الرقيق الأبيض، فمنذ نهاية القرن السادس عشر أصبح العلماء والتجار والأعيان الحرفيين يشترون المماليك، وهو ما مثل أبرز وسائل الاحتواء التي أثارت بالطبع سخط البكوات.


مع مجيء العثمانيين إلى المشرق العربي في مطلع القرن السادس عشر، تهيأ المجال، ليشهد من جديد تكثيفاً لاستعمال اللغة التركية كلغة لجماعة النخبة الحاكمة. وبدا أثر الدولة الامبراطورية الجديد واضحاً في جذب البكوات المماليك نحو ثقافة المركز العثماني. فقد ذكر علي أفندي في كتابه “سفر نامه” أن “جماعة المصرية” (أي المماليك)، في النصف الأول من القرن السابع عشر، كانت تدير نقاشها فيما بينها باللغة التركية. بيد أن هذه الصورة سوف تتغير ملامحها بشكل مؤكد في النصف الثاني من القرن السابع عشر؛ كنتيجة لعوامل موضوعية، ربما كان أبرزها تراجع قوة الدولة (لا سيما بعد 1682) واندماج الأوجاقات العثمانية نفسها في المجتمع؛ وهى الظاهرة المفاجئة التي جاءت نتيجة لضعف القوة الشرائية لمرتبات الجنود، وهو ما أدى بمرور الوقت إلى ضعف الفرق العثمانية نفسها، التي عانت منذ ذلك الحين من قلة الأعداد، بعد توقف الدفشرمة (سنة 1638)، وما كان من التحاق المدنيين (أولاد العرب) بالأوجاقات، تدفعهم الرغبة في شراء الحمايات العسكرية عبر الانتساب لتلك الفرق. وقد درس هذه المسألة ونتائجها حسام عبد المعطي، وانتهى في دراسته إلى أنها طبَّعت الفرق العسكرية بالطابع المحلي، وأن العديد من ابناء عائلات التجار والحرفيين تربوا داخل الأوجاقات تربية عسكرية، وتدرجوا في مراتبها العسكرية خلال الربع الأخير من القرن الـ 17م. وباتت تركات أغلب التجار والحرفيين تسجل في محكمة القسمة العسكرية! وأشار أندريه ريمون إلى أن حركة التحاق الحرفيين والتجار بالأوجاقات صاحبتها حركة أخرى تمثلت في إقبال العسكر أنفسهم على ممارسة الحرف المختلفة والتي بمرور الوقت تحولت إلى ممارسة معتادة، بل ومن المفارقات أن بعض أغوات العسكر تولى مشيخة طوائف حرفية عديدة (كالسروجية، الحريرية، الدلاليان، النحاسين التوفقجية…إلخ). ويبين ريمون بأن هذه الممارسات بدأت كظاهرة منذ نهاية القرن السادس عشر.

لقد أصبح الاندماج في الاتجاهين واضحاً، وهو ما جعل العسكر العثمانلية منغمسين في علاقات مكثفة مع المجتمع الحرفي، وهو وضع ساعد على خلق حالة من التماهي في الثقافة المحلية، وتمثل الكثير من العادات والتقاليد، وممارسة اللغة السائدة في مجتمع كانت لغته الأساسية في التواصل هي اللغة العربية.

غلبة التحدث بالعربية بين العسكر

ويمكن أن نجد لهذه العملية أثرها الثقافي، في غلبة التحدث بالعربية بين العسكر العثمانلية أنفسهم، ولا يصعب التدليل على ذلك: فكتابات الأغوات العثمانيين نفسها التي اصطلح على تسميتها بـ” أدبيات الأجناد” (والتي كانت موجهة للعسكر العثمانلية) كتبت في شكل مرويات شعبية باللغة العربية، وتمت صياغتها بالتركيبات العامية نفسها وباستخدام كثير من الألفاظ والمصطلحات التي نجدها تشكل بنية المفردات المستخدمة في كثير من جوابات مراد بك والبكوات المماليك التي ندرسها هنا؛ الأمر الذى يكشف عن ملمح مهم ومستمر من ملامح الاستيعاب الثقافي للاجناد العثمانلية عند أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. 

ومما زاد من استمرارية هذه الظاهرة فشل كل محاولات الدولة لإخراج ” أولاد العرب” (الذين جرى وصفهم بالغرباء) من الأوجاقات، واتسع الاندماج الثقافي للعسكر إلى درجة اختلت معها قواعد الآداب والسلوكيات العسكرية المعتادة، يفسر ذلك اهتمام أحد الأغوات العثمانيين، في سبعينيات القرن الثامن عشر، بوضع مخطوط لتذكير هؤلاء العسكر بمختلف أطيافهم، بأصول الآداب العسكرية القديمة التي كانوا عليها زمن الحاج “بكتاش” أبو الانكشارية، لكن الأهم والأكثر دلالة أنه وجه خطابه إليهم باللغة العربية تحت مسمى طريف: ” الطريقة والأدب “؛ والتي صاغها بالمستوى الكتابي الأقرب إلى اللغة المنطوقة كذلك، ويلاحظ أن جميع التوجيهات والضوابط الأخلاقية والطقوس الرمزية المختلفة المعبر عنها بصيغ أو عبارات أو نشيد، وما تخللها من حوارات سردية، تنتمى إلى الأدب الشفاهي، كلها نجدها مصاغة بالعامية الوسيطة التي تبين بما لا يقبل الشك أنها كانت غالبة على لغة الكلام والحوار بين العسكر بعضهم البعض. وتبدو هذه النتيجة طبيعية إذا وضعنا في الاعتبار أن أغلب الأجناد الأوجاقلية، صاروا من المغاربة والشوام والمصريين، إلى جانب ثلة من الرومللي والقابي قولية، الذين استقروا بمصر وتصاهروا مع أعيان التجار والحرفيين، ولم تعد بهم حاجة للعودة إلى وطنهم الأم، هذا فضلاً عن أن كثيراً من المماليك من اتباع الشيوخ والتجار وكبار الحرفيين بما في ذلك اتباع البكوات المماليك أنفسهم، تم الزج بهم في كتائب الأوجاقات. وبداهة كان يتم ذلك بعد فترة من تلقنهم مبادئ القراءة والكتابة باللغة العربية ودروس في الفقه وبعض آداب السلوك العامة؛ مما غمر الأوجاقات بتيار الثقافة المحلية العربية.

شراء الأهالي للمماليك البيض

وفى خط موازٍ تقريباً، صاحب هذه الظاهرة انفتاح طبقة المماليك على المجتمع، ولو أن هذه المسألة لم تتم بسهولة؛ فقد كانت السلطة المملوكية تحظر بين الحين والآخر على الأهالي شراء المماليك البيض؛ إلا أن أولاد البلد تمكنوا من اختراق حظر اقتناء الرقيق الأبيض منذ نهاية القرن السادس عشر. وبمرور الوقت كانت الظاهرة تفصح عن نفسها؛ حيث دخل في شراء المماليك العلماء والتجار وأعيان الحرفيين، وهو ما مثل أبرز وسائل الاحتواء التي أثارت سخط البكوات؛ لشعورهم أن امتيازاً خاصاً بهم تم تجاوزه، ويظهر ذلك في ترادف صدور الأوامر المتكررة بحظر شراء المدنيين للمماليك البيض. ومثلما فشلت الدولة في إخراج “أولاد العرب” من الأوجاقات العثمانية، عجز البكوات عن الحد من ظاهرة اقتناء الأهالي للمماليك البيض: ففي وقت متأخر يصل بنا إلى العام 1736 تشهر المناداة بالقاهرة أن على “أولاد البلد والتجار أن لا يشتروا المماليك والجواري البيض، والذي عنده منهم شيء يبيعه ولا يقتنيه، ولا يستخدموا إلا العبيد والجواري السود.. وأن كل من تعاطى بيعهم أو شرائهم فعليه القبض بأغاة مستحفظان، ويقتل وينهب ماله، ومن حذر فقد أنذر”. هذا الفرمان الذي حمل التهديد والوعيد أثار توتر الأهالي، وبحسب تعليق ابن عبد الغنى “هاجت البلد”! واضطر البكوات المماليك إلى غض الطرف عن هذه الممارسة التي ظلت تتسع حتى ظهر جيل من البكوات المماليك تربوا في كنف العلماء والتجار والحرفيين!.

 لعل أهمية هذه العملية أنها ساعدت على إمداد البيوت المملوكية بعناصر مملوكية، بل ومحلية (مصرية) مزودة بمعين هائل من الثقافة المحلية، وتتمتع بمعرفة جيدة باللغة العربية. لقد أصبح المجتمع متقبلا فكرة أن مجتمع الطبقة المملوكية صار صناعة مشتركة، تتسع لمساهمة كل من البيوت المملوكية وكبار الأعيان المدنيين، الأمر الذي ساعد على سرعة تكثيف التطبيع الثقافي للمماليك في القرن الثامن عشر. والأمثلة عديدة في تراجم الجبرتي، ومنها على سبيل المثال حالة أحمد بك شنن الذي تربي عند شيخ الأزهر الشيخ محمد شنن المالكي، والأمير حسن بك سوق السلاح الذي وصل إلى رتبة صنجق، تربى في بيت الشيخ أبى المواهب البكري؛ حيث كان مملوكا لجاريته الست صفية. والأكثر من ذلك هو قناعة الأهالي بإمكانية الدفع بأبنائهم للالتحاق بالبيوت المملوكية، ولدينا حالة “احمد بك السكري”التي ذكرها كارستين نيبور، فأشار إلى أنه” كان ابن تاجر سكر مسلم وحر، دفع به أبوه للالتحاق ببيت ابراهيم كخيا، الذي رباه وعلمه الفروسية، وترقى في الرتب العسكرية إلى أن صار سنجق السويس!. 

تأثير الثقافة الاسلامية والتعليم الديني

بيد أنه من ناحية أخرى يتعين ألا نغفل عن تأثير الثقافة الاسلامية والتعليم الديني للمملوك داخل بيوت ساداتهم المماليك أنفسهم؛ ففور شراء المملوك وضمه لبيت سيده كان يتم تحويله إلى الاسلام، وتحفيظه بعض من سور القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة العربية، فضلاً عن تلك الصلة التي كان يكونها في مرحلة تالية من حياته مع جماعة العلماء والصوفية، والتي يؤكد مايكل ونتر أنها لابد وأنها حسنت من مستوى اللغة العربية عندهم، كما أن أولاد المماليك الذين ولدوا بمصر لم يكونوا غرباء عن اللغة العربية. ولدينا مرة أخرى نماذج متعددة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لعل أبرزها حالة الأمير ابراهيم كتخدا البركاوي (المتوفى في عام 1198 هـ / 1784م) الذي قرأ القرآن في صغره، وتعلم تجويد الكتابة بالخط العربي، يقول الجبرتي إنه ” فتح بيت سيده بعد وفاته، اشترى المماليك ودربهم في الآداب والقراءة وتجويد الخط.. وكان بيته مأوى الفضلاء وأهل المعارف والخطاطين، واقتنى كتباً كثيرة جدا في كل فن وعلم، حتى إن الكتاب المعدوم إذا احتيج إليه لا يوجد إلا عنده، ويعير الناس ما يرومونه من الكتب للانتفاع في المطالعة والنقل”.


المقالات السابقة


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.