الطّفل المكسور

الطّفل المكسور

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الإنجليزي لوك فيلد

رائعة هي هذه الموسيقى، تتتالى حاملةً إيّاه خفيفًا كالريشة إلى مملكة الرّحابنة، إلى أسواق ميس الرّيم حيث تتوقّف تلك السيّارة تحت مصباح السّاحة و السّكّير يدور حولها باحثًا عن صاحبتها. لا عجب أنّه جعل من ذلك اللّحن الرّائع رنّة هاتفه المحمول، و لكنّ اللّحن يتكرّر و يتكرّر و يتكرّر و كأنّه ينتزع جسده من راحة مطلقةٍ… مهلًا إنّه ليس في ساحة ميس الرّيم و هذا الضوء ليس ضوء المصباح و هذا اللّحن… تململ ببطءٍ في فراشه، و امتدّت يده بثقلٍ لتناول الهاتف و قال بصوتٍ ثقيلٍ منخفض “ألو، نعم…”

“عذرًا على إيقاظك في هذا الوقت المتأخّر من الليل دكتور”

عرف فيه صوت الطبيبة المقيمة في المستشفى.

نظر سريعًا إلى الساعة، إنها الأولى بعد نصف الليل، تحامل على نفسه وحاول الخروج من حالة السبات قدر المستطاع

– لا عليك يا دكتورة ماذا هناك.؟

– لدينا في الطوارئ طفلٌ له من العمر سنة تقريبًا وقد أحضره والداه بسبب بكاءٍ متواصل من حوالي ستة ساعات.. و أكملت وصفها لحالة الطفل المرضية بلغةٍ إنكليزية صحيحة محاولةً أن تشتمل على كلّ المعلومات التي أحستها لازمةً للتشخيص السريع.

– إذًا، لم تُظهر فحوصاتكم تفسيرا لوضع الطفل الحاليّ.

– صحيح دكتور ولذلك نودّ أن نحصل على رأي اختصاصي في الجهاز عصبي.

– فقط لهذا السبب؟ لا شكّ أن هناك أمرًا إضافيًّا.

– صحيح، فالوالدة قد قالت للتو إن الطفل يضرب رأسه دومًا، و قد يكون وقع أرضًا، وهي ليست أكيدةً من الأمر.

– وكيف ذلك؟ ألم تره ساقطا على الأرض مثلا؟!

– لا لم ترَه على الأرض، ولكنّ ما لاحظته أنها صغيرة السنّ في التاسعة عشرة من عمرها و لا أظنّها تدرك ما تقول، أضافت الطبيبة بنبرة واثقة، وأظن أننا يجب ألا نهمل هذه الناحية.

– أنتِ على حقّ، لا نستطيع تجاهل هذه الفرضيّة، باشروا بإجراء صورة “السكانر” للرأس، وفور نزول الطفل إلى قسم الأشعة أبلغيني.

قالها على مهل قبل أن يغلق هاتفه عالمًا أنّ الليلة لم تعد للنّوم، فهو من الأطباء الذين يعانون من وسواس قهريّ غريب، هو لايستطيع أن يطمئنّ لنتيجة فحص سريريّ أو مخبريّ دون أن يعاين المريض بنفسه، ليس في الأمر عدم ثقة بالأطباء الجدد، ولكنَّه دومًا يحتاج لأن يعاين المريض بما لكلمة معاينة من معنًى، مرتبط ذلك باستخدام العين مباشرةً للبحث عن مفتاح اللغز، سواء كان على وجه المريض أو في طيّات راحة يده أو في انحناءة أصابعه. 

كان مصباح الشارع و القمر يسامران سيّارته، راسمين ظلّها على الإسفلت كلٌّ بطريقته الخاصّة، قبل أن تأخذه في النزهة الجميلةٍ في هذه الليلة الربيعية اللّطيفة، فمساء بيروت ليس كنهارها بزحمته و ضوضائه وضجيجه. كان النّسيم عليلًا و قد بدأ يحمل معه دفء الصّيف الآتي بعد قليل، لم يكنّ قويًّا و لكنّه كان يكفي ليلاعب العلم اللبنانيّ الضّخم الذي يتوسّط ساحة الصّالومي فيراقص القمر الأرزة الخضراء في الوسط. قاد سيّارته متمهّلًا فطالعه تمثال الأب الحايك يتوسّط المستديرة تحت جسرين أنيقين يمتدّان نحو القمر. كلّ الطّرق تغيّر وجهتها نحو القمر خلال الليل في مسيرة سكينة و سلام، إلّا الطريق الذي يسلكه الأطبّاء، فهو لا يوصِل إلّا إلى مكان العمل.

-“يعطيك العافية حكيم”.. بادره موظّف الأمن بنشاط، إذ فتح له باب المدخل وكأنّه يقدّر له مجيئه ليلًا، وإن كان لا يعرف السبب. فردّ عليه التحيّة بانحناءة رأس و ابتسامة شكر، جميلة هي هذه التحيّة الليليّة من شخصٍ يعرف صعوبة العمل ليلًا.

ولج مبنى المستشفى بخطًى سريعة و توجّه إلى قسم الطوارئ، فإذ بالطبيبة المقيمة تلتقيه عند الباب: “الصورة حاضرةٌ ولكن في قسم الأشعّة، فهي لم تُحمّل على الخادم الرّئيسيّ للمستشفى بعد”

-لا بأس ننزل معًا لنراها ثمّ نعود لنفحص المريض.

حثّوا الخطى إلى قسم الأشعة، وبين كلّ خطوةٍ وخطوةٍ كانت الطبيبة المقيمة تحاول أن تحيطه بمستجدات المعلومات التي تعلم أنّه سوف يسألها عنها:

– الطفل الآن يقظٌ، ويتحرّك بشكلٍ متوازنٍ، ولكنّ عضلاته تبدو ضعيفةً بعض الشيء، كلّ فحوصات الدمّ الأوّليّة سليمة ولا مؤشرات التهابات. 

– وهل هناك حالات مشابهةٌ في الإطار العائليّ؟

– الوالدان أولاد الخالات، من ضيعة في أطراف الجنوب.

– طبعًا، فكلّ مشاكلنا من زواج القربى… قالها ردًّا على المعلومة البديهية التي سمعها للتوّ.

– وأيضًا الوالدان يافعان في أوائل العشرينات، ولا أظنّهما يجيدان الإهتمام بالأطفال، الأمّ مجرّد طفلة والوالد بكلّ بساطة ليس طبيعيًّا، لا أفهم كيف يسمحون لهم بالإنجاب في هذا العمر.

– الحياة تتوقّف حتّى عمر الثلاثين فقط عند الأطبّاء ياعزيزتي وليس عند كلّ البشر، أجابها ضاحكًا، وتذكري القاعدة الأولى في التّشخيص يا دكتورة! 

– نعم، نعم، أدري نحن أطباء ولسنا قضاة ولا ديّانين، ولكن لقصّة الأهل الكثير من العناصر غير المترابطة، كما قلت يا دكتور كيف يعقل أن يكون قد وقع دون أن يلحظ أحد ذلك؟

نظرا معًا إلى الشاشة الكبيرة، وإلى الصور السوداء والرمادية المتتالية.

– إذًا ما رأيك دكتورة؟

كانت تظنّ أنه سيعفيها من تلك الأسئلة وهما في منتصف الليل ولا مجال ولا ذهنية تتقبل استرجاع المعلومات الآن، ولكنَّ التعليم كان مقدّسًا بالنسبة له، هو أقسم عليه يوم حاز على شهادته الأولى، أقسم أن يُوصِل المعرفة إلى طلّابه فلا ينقطع تواصل المعلومة بينه وبينهم.

– يا دكتور إنها الثّانية بعد نصف الليل، هذا وقت إجاباتٍ و ليس وقت أسئلة، أجابت ضاحكة.

– هناك دائمًا صفحة إضافيّة للقراءة وإن في منتصف الليل، أردف مبتسمًا و أكمل مشيرًا إلى الشاشة، حسنًا فلنحاول معًا، ما رأيك بهذا الشكل المنحني تحت عظام الجمجمة عند اليمين، إجابة سريعة، هيّا حاولي.

ولم تخيّب آماله بجوابها الصحيح و قد اتّسعت مقلتاها ” ياإلهي إنه نزيف”

– أحسنت، ها قد عثرت على سبب البكاء عند مريضك يا عزيزتي، ولكن لم تعرفي بعد سبب المشكلة الرّئيسيّ.

– أتظن أن ضربةً على رأسه ليست هي السبب؟

– إذا كان هناك ضربةٌ أساسًا. ما رأيك هو سبب هذا النزيف؟

– وفق الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، الأسباب هي ضربةٌ على الرّأس ناتجةٌ عن سقوطٍ عرضيٍّ أو ناتجٍ عن إهمالٍ أوعن عنفٍ منزليٍّ. و الاحتمال الأكثر شيوعًا هو… و صمتت هنيهات بينما كانت تسترق النظر إلى شاشة هاتفها و أكملت: هو ال ” child abuse” العنف والإساءة إلى الأطفال.

– حسنًا، هذا الجواب صحيحٌ و يؤهّلك للنّجاح في الإختبارات المكتوبة، و لكن عند هذا المريض هل تظنّين أنّ هذا هو السّبب؟

– “لا أجد سببًا منطقيًّا آخرَ، أنظر دكتور إلى شكل والديه”، قالت و هي تشير إلى شبحين ناحلين يقفان على بعد خطوتين في غرفة الطوارئ حيث دخلا للتّو عائدين من قسم الأشعّة وأكملت سائلةً الفتاة التي أمامها، “سيّدتي هل وقع ابنك اليوم أو ارتطم رأسه؟”

– “وحياتِك لا أدري يا دكتورة”، أجابت المرأة بصوتٍ مستدقٍّ حادٍّ عالي النبرة وهي تجهش بالبكاء، “إنّه بدأ يبكي ويبكي على غير عادته ولا أعلم ما حدث له، ماذا في الصّورة؟”

– “إهدئي يا امرأة دعيها تتكلّم، أنتِ هكذا دائمًا لا تتوقّفين عن الكلام و الصراخ لا أنت ولا ابنُك، فلا أحد يستطيع أن يَفهَم و يُفهِم، كفى”، قالها الرّجل الذي يقف بجانبها صارخًا بصوتٍ عالٍ ورافعًا يده في الأعلى فاختنقت العبارات في حلق زوجته، وصمتت إذ ظهر الخوف على وجهها، بينما استدار نحوهما مكملًا بصوته الخشن الضّاجّ الذي لا يتناسب و قامته القصيرة النّحيلة و أكمل، “دكتورة شو بيّن معك، شو بو الصّبي؟”

– الدّكتور هو الإختصاصيّ الذي اطّلع على الصّورة…

كان ينظر إليهما بتمعّنٍ بينما كانت الطبيبة تُعرّف عنه، ولماذا تمّ طلب حضوره لمعاينة الطّفل. لا عجب أنّ الطبيبة لم ترتح لشكل هذين المسكينين، ملابسهما بسيطةٌ، ولكنّها مرتّبةٌ ونظيفةٌ، وإن كانت رثّة بعض الشيء وألوانها فاقعةٌ تعاكس بشرتهما الدّاكنة على عادة أبناء القرى النّائية. ملامح الرّجل قاسيةٌ و لكنّ تجهّمه ليس تجهّم رجلٍ بل هي أمائر خوفٍ يصطنع تجهّمًا فاشلًا على وجه مراهقٍ وجد نفسه فجأةً أبًا لطفلٍ لا يدري ماذا يفعل به، أمّا الزوجة فهي فعلًا خائفة بكلّيتها، بارتعاشة جسدها في هروب نظرة عينيها، و في انحناءة كتفيها. 

-“دكتور دخيلك ماذا في الصّورة”، قالتها الوالدة مولولةً ومنتحبةً بطريقةٍ دراماتيكيّة ولكنّها لا تصنّف مغالاةً في معظم مناطق الشرق.

-“إهدئي يا ابنتي و دعوني أعاين الطّفل أوّلًا، أين هو؟” قالها بهدوء ناظرًا نظرةً مطمئنةً إلى الوالدين.

-“إنّه في الغرفة هنا”، أشارت الطبيبة المقيمة إذ مشت ملاصقةً له وهمست في أذنه، “هل رأيت تصرّف الوالد يا دكتور؟ وجود النزيف على الصّورة أكّد شكوكي، هل يجب أن نبلّغ السّلطات المعنيّة؟ أنا أكيدةٌ أنّ الوالد يعامل الطفل كما الوالدة، ألم تلاحظ كيف سأل عن الصّبيّ و لم يسمّه إبنه بل قال للوالدة أنتِ و ابنك؟”

-“لا تستعجلي في الحكم يا دكتورة”، أجابها بهدوءٍ وهو يتفحّص الطّفل المنمنم الذي يبكي في السّرير أمامه.

وضع يده على رأس الطّفل مداعبًا ومهدّئا؛ فاستكانت حركاته ونظر إليه بعينين سوداوين عميقتين كبيرتين بارزتين من رأس كبير المحيط بشكلٍ ملحوظٍ مقارنةً مع جسده الضعيف النّحيل. كان الطّفل ينظر إليه متمعّنًا و متأمّلًا و كأنّ الوجه الجديد يلهيه مؤقّتًا عن ألمه. جلده باهتٌ يكاد يكون لا لون له، و شعر رأسه على قِلّته جافٌّ خشنٌ يتكسّر تحت ملمس اليد المداعبة. تأّمّل رأسه بتمعّن، ليست عليه آثار ضربات أو كدمات. رفعه ليحاول مساعدته على الوقوف فإذا بأطراف الطّفل تتهاوى كورقةٍ مبلّلةٍ، وإذا برأسه يسقط نحو الخلف فتخال عنقه سينكسر من ليونته، واندلعت حنجرة الطّفل بالبكاء، بل هو أنين ونحيبٌ إذ أن عضلاته لا تقوى على الصّراخ.

-“أرأيت يا دكتوركيف يترنّح رأسه ضاربًا بالسّرير، إنّه يبكي هكذا كلّ ليلةٍ قبل النّوم ثمّ يهدّأ و ينام، و لكنّه الليلة لم يتوقّف”، صرخت الوالدة باكيةً.

حمل الطّفل و ضمّه إلى صدره هنيهات مهدّئًا الألم الذي أحسّ به من جرّاء ترنّح رقبته و أطرافه؛ فاستكان الطّفل. شعر بطرقات قلبه الصّغير متسارعةً على بعد سنتيمتراتٍ من قلبه. كان يعلم أنّ هذا الطّفل يدرك الحقيقة ولكنّه لا يستطيع بعد الكلام. نظر إلى هذا الجسد النّحيل بحزنٍ؛ إذ فكّر بأسًى كيف سيخبر هذين الوالدين بتشخيص حالة ابنهما؟ كلّ العناصر تدلّ إلى متلازمة “Menkes” من النزيف إلى الرّاس الكبير والارتخاء في الأطراف وخشونة الشّعر، والأصعب سيكون عندما سيطلبان تفسيرًا باللغة العربيّة. مهما حاول واجتهد فهو لن يستطيع أن يخفي عنهما حقيقة أنّ هذا الطّفل لن يكون كباقي الأطفال في الأيام المقبلة، إذا ما كُتِبَت له أيّام مقبلة. وعندما سيسألانه من أين أصيب ابنهما بهذا المرض، هل سيجرؤ على إخبارهما أنّه مرضٌ وراثيٌّ و ينتقل من الوالدة إلى أولادها الصبيان فقط؟ إذ أنّ الإناث يحملنه و لا يُصَبن به. و كيف سيُقنع الوالد أنّه ليس ذنب الأمّ في لعبة يناصيب الجينات هذه، وأنّ الوالد شريك في هذه اللعبة العشوائية بقدر ما هي الوالدة. ولكن كلّ هذا سيبقى في محض التأويل، فهو يدري أنّ هذه العائلة لن تستطيع تحمّل تكاليف الفحوصات الجينيّة الباهظة لتأكيد التّشخيص وتدارك تكرار الحالة مستقبلًا، و هما سيعودان بعد سنة على الأكثر إلى غرفة الطّوارئ هذه مع طفلٍ جديدٍ بالحالة نفسها إلّا إذا تحنّن الله ورزقهما بفتاة. 

و بعد هنيهات هدأ صراخ الطفل، فأعاده بهدوءٍ وتأنٍّ إلى السرير متفاديًا تحريكه قدر المستطاع.

-“إذا ما رأيكَ؟” سألته الطبيبة همسًا… “هل تشخيصي صحيح؟”

-“دكتورة، هل عند أهلك أولاد؟” سألها بابتسامةٍ ماكرةٍ.

-“كيف يعني؟”… صمتت هنيهةً قبل أن تلحظ ثقل سؤاله في آخر هذا الليل، “طبعًا أنا و إخوتي هذا بديهيّ”

-وهل آذاك أهلك في يومٍ من الأيام؟

-“طبعًا لا… “، أجابت بصوتٍ خافتٍ وتأمّلت وجه الطّفل القلق، ورأسه الكبير، ولاحظت خشونة شعره، ولعلّها تذكّرت المحاضرة التي أعطاهم إياها منذ بضعة أشهر عن الأمراض الوراثية التي تظهر بعوارض مضلّلة إذ أنّها أكملت، “لكن لعلّ هناك احتمالات أخرى لم تخطر ببالي في ضوضاء غرفة الطّوارئ في هذا الليل”، و أضافت متمتةً بتمعّنٍ، ” و إضافةً إلى ذلك فالأهل أولاد الخالات… لا… لا تقل شيئًا… أظنّ أنني لن أعطيك جوابًا نهائيًّا قبل صباح الغد”.

إلتفت إليها وأومأ برأسه استحسانًا، ثمّ استدار وتوجّه ناحية الوالدين ليخضع هو بدوره للإستجواب.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s