الصعيدي الذي أبحر بحثاً عن الحب.. فعاد بلآلئ الأندلس

الصعيدي الذي أبحر بحثاً عن الحب.. فعاد بلآلئ الأندلس

حنان عبد القادر

اللوحة بعنوان «مدرسة في الصعيد» للفنان النمساوي ليوبولد كارل مولر 

لكل إنسان محطات يتوقف عندها قطار حياته يتزود بوقود يعين على مواصلة الرحلة، وتلعب هذه المحطات دورا هاما في حياة الإنسان؛ توجهه الوجهة التي تريد، تاركة آثارها في وعيه، لتثمر بعد ذلك في شخصيته الثمار اليانعة التي تعطي الآخرين مشهدا معبرا عن مكونات هذه الشخصية وإبداعاتها.

في هذه المقالات تتوقف الشاعرة والكاتبة حنان عبد القادر عند شخصية الدكتور الطاهر مكي «عميد الأدب الأندلسي»، وتتبع عن كثب أهم المحطات التي شكلت توجهاته العلمية، وتبرز الطاهر الإنسان القادم من قرية في صعيد مصر إلى رحابة العالمية وتعدد اللغات والمناهج، وتكشف عن آرائه السباقة في الآداب والثقافة والحضارة، ومواقفه السياسية واهتمامه بحرية المرأة وتعليمها، وموقفه من الشعر الحديث، واهتمامه بالأدب الأندلسي ومن ثم بالاستشراق الإسباني. لتشكل هذه المقالات بمجموعها بحثاً واسعاً حول شخصية هامة من الشخصيات التي أثرت الثقافة العربية خلال القرن العشرين.


الطاهر مكي.. نشأته ودورها في بحثه عن المعرفة

نشأ الطاهر مكي في عائلة تحكمها الظروف والعادات والتقاليد، تنتمي لقبائل عرب المطاعنة التي يعود نسبها الى عبدلله بن أبى بكر الصديق، وقد قدموا في عهد “الفتح الإسلامي” واستقروا في جنوب الأقصر، في قرية تقع في صعيد مصر هي قرية كيمان المطاعنة مركز إسنا التابع لمحافظة الأقصر وكانت تتبع محافظة “قنا سابقا”.

 وقبيلة عرب المطاعنة إحدى القبائل العربية التي هاجرت إلى شمال أفريقيا ثم لم يعجبها الحال، فعادت واستقرت في صعيد مصر محافظة على تقاليدها وعاداتها المتوارثة من الأجداد، والتي تهتم بالقيم العربية الأصيلة، ففيهم الكرم والعزة والكبرياء، ويمتازون بخفة الدم والفكاهة.

وتفرعت هذه القبيلة وانتشرت، وأصبح لها دورها الريادي الذي كان أبرزه الدور الكبير الذي قامت به في الدفاع عن “شيخ العرب همام”، و”الهوارة”، عندما استحلّ المماليك دماء الهوارة، ودخلوا في حرب ضد القبائل بقيادة شيخ العرب همام انتهت بهزيمة الشيخ، فلجأ إلى عربان المطاعنة محتميا بهم حتى وافته المنية، ودُفن بقرية كيمان المطاعنة بناء على وصيته. 

كما يوجد بها قصور خاصة بملوك مصر، وقد استعان بها الرئيس السابق محمد أنور السادات في إخفاء شاه إيران عندما طلب اللجوء الى مصر. 

إلى تلك القرية، بعاداتها وتقاليدها ينتمي الدكتور الطاهر مكي، وهي بلا شك محطته الإنسانية الأولى التي كان لها جل الأثر في بناء شخصيته وصقلها، ونرى ذلك فيما صرح به شخصيا في خطبة ألقاها أثناء تكريمه في جدة حيث قال: لقد أورثتني اللغة العربية التي أعتز بها، نطقاً، وحرصاً، ومخارج حروف، رغم أنه لم يكن لها من مؤهلات القراءة والكتابة في تلك الفترة من الزمن، غير مدرسة إلزامية، وكتَّاب يحفظ فيه أبناء القرية القرآن.

نشأ الطفل الطاهر مكي عجيَّا، حيث توفيت والدته وهو في الرابعة من عمره، وتزوج والده من أخرى لم تكن تسكن في نفس القرية؛ فكان يضطر للغياب عن المنزل عدة أيام أسبوعيا، لذلك ربته جدته لأبيه تربية صارمة لا حنان فيها في بيت العائلة الذي كانت تديره، وبذلك يصرح في لقائه مع أحمد الجعبري للفتح اليوم: “تربيت في بيت العائلة وكانت تديره جدتي (أم أبي) وكانت سيدة صارمة، نافذة الكلمة، ولم أكن أجد منها أي حنان، لأنها كانت تكره أمي كرهًا شديدًا، ولكنها كانت تحرص عليّ، وعلى مصلحتي، في نطاق مسئوليتها عن العائلة كلها.”

أما عن دور والده في حياته فيقول: “إني أحمد له تصرفا رائعا، قليلا ما نجده عند الآباء الريفيين في الصعيد، وكان بالغ الأثر في حياتي، وكان أهل القرية جميعا ينكرونه عليه، وهو الحرية الواسعة التي منحها لي في اختياراتي لأصدقائي ومعارفي.” 

فتمتع بنوع من الحرية في اختيار حياته على نحو لم يتُح لغيره في ذلك الوقت، ولكونه الصغير النابه؛ قرر والده أن يلحقه بكتّاب القرية ليحفظ القرآن الكريم، ولم يكن هناك من خُصص في العائلة للتعليم غيره.

رحلة تعليمه في الصعيد

ولد الطاهر مكي وعاش في قرية لم يكن بها سوى مدرسة إلزامية أنشئت قبل مولده بثلاث سنوات، ولإنشائها قصة: حيث ورد خبر أن الزعيم سعد زغلول سيزورالقرية وطلب الأهالي مقابلته، فقيل لهم إنه لن يهبط قرية إلا إذا كان فيها مؤسسة سيفتتحها، فافتتحوا المدرسة الإلزامية، وكانت مكونة من خمس حجرات مبنية بالطوب اللبن وسقفها من سعف النخيل، وعن ذكرياته عنها يقول مكي: ما زلت أذكر أنها كانت مدرسة بفناء دون وجود باب خارجي، فكانت الحيوانات تبيت فيها ليلاً، وظلت على هذه الحال زمناً طويلاً.

كان أهل القرية في ذلك الوقت يحفظون أبناءهم القرآن الكريم تلقيناً، دن معرفة القراءة والكتابة، فالشيخ الذي يلقنهم القرآن الكريم لا يقرأ ولا يكتب، ولحصافة مكي وذكائه حفظ القرآن مبكراً، وأتمه في سن السابعة، ثم التحق بالمدرسة الإلزامية التي أصقلت شيئا من مواهبه.

في العشرينات من القرن الماضي لم تكن هناك مدارس ثانوية يلتحق بها الطالب في قرى مصر أو مراكزها، وإنما تتركز في المحافظات فقط، ولم تكن وسائل المواصلات متاحة كما هي الآن، فكان لزاما عليه أن يبقى حتى يبلغ الثالثة عشرة من عمره ليتجه إلى المعهد الأزهري، يقول في لقاء أجرته معه سماح إبراهيم لملحق الخليج الثقافي:

“تعلمت في المدرسة الابتدائية بمصاريفها البسيطة، كان أهل إسنا بمحافظة قنا جنوب مصر يدفعون ثلاثة جنيهات طوال العام مقابل الكتب المدرسية ووجبة مطهية في منتصف النهار، لكن بلا سكن، ولم تكن أوقات قطار السكة الحديد تتفق مع افتتاح اليوم الدراسي وانتهائه، لذا استأجر لنا أهلنا سكنا هناك وعُرض عليّ الذهاب إلى مدرسة المعلمين بقنا، والتي تختص في إعداد مدرسي التعليم الإلزامي وتخرجهم بعد ثلاث سنوات من الدراسة، لكن راتب هذا المدرس كان بسيطاً، فرفضت الذهاب للمدرسة، ثم قررت الالتحاق بالمعهد الديني في أسيوط، وبين قريتي وهذا المعهد سبع ساعات بالقطار... وكنت قد اكتسبت الكثير من قراءة مجلة الرسالة وأعجبت بأسلوب الزيات وأكاد أحفظه كما أحفظ الشعر، وكان خالي الذي يجيد القراءة عندما يذهب إلى السوق في «أرمنت» يأتي بما أريده من المجلات منها مجلة «الإسلام» التي كانت تشن هجوماً بشعاً على مدينة القاهرة.”

في المعهد الديني درّسه أستاذ من كلية اللغة العربية هوالشيخ محمد كامل عدلان، وهو أحد كُتاب القصة التاريخية، وكان ينشر كتاباته في الصحف أعجبه أسلوبه ولمس إجادته التعبير في حصة الإنشاء، فسأله عما يقرأ في قريته، فأجاب: أقرأ الأهرام، والرسالة، ومجلة صغيرة كانت تسمى “الإسلام”، ثمنها خمس مليمات، يأتي بها الناس من الأسواق، فسألني: ماذا يعجبك في القرية التي تقتل موهبتك؟ إن مكانك بالقاهرة.

يقول مكي : “قلت لأبي: أريد أن أذهب إلى مصر، فتأنّى قليلاً، ثم سألني: هل يتطلب هذا فلوساً أكثر؟ فقلت له: لا، أنت ترسل لي في قنا جنيهاً كل شهر، وأنا أحتاج في مصر إلى جنيه ونصف، قال لي: هذا بسيط، اذهب على بركة الله.” وقررت الذهاب للقاهرة.

وصوله إلى القاهرة وإنهاء دراسته الجامعية

 وصل القاهرة وقت سقوط وزارة الوفد مستكملا دراسته الأزهرية فيها، وسنه سبعة عشر عاماً، وقد فتحت له قدرته على التعبير والكتابة أبواب الصحافة، وهو بعد لا يزال في المدرسة الثانوية.

يحكي د. الطاهر عن مدينة القاهرة في الأربعينات مسترجعاً زمناً ولَّى لمدينة جميلة يقول: كانت القاهرة مدينة مظاهرات وثقافة، وكان موسم المحاضرات في الجامعة الأمريكية رائعاً، فدخول المحاضرة بقرشين صاغ، مثل تذكرة سينما مترو، فكنت أقطع اثنتي عشرة تذكرة دفعة واحدة بعشرين قرشاً وفي كل محاضرة أسلم تذكرة

كانت القاهرة فاتنة، عالم آخر، وجاء الصيف، ولم أرد أن أعود للقرية.”

لقد وقع الطاهر مكي في عشق القاهرة “باريس الصغرى”، التي كانت قطعة من أوربا في ذلك الوقت، فقد استعان الخديوي إسماعيل بمهندسين إيطاليين وفرنسيين ليخططوا لها على الطراز الغربي الحديث، فنالت بذلك لقب أجمل وأنظف مدينة في دول حوض البحر المتوسط باعتبارها مدينة الأناقة في تصميم مبانيها ونظافة شوارعها وانتظام حركة المرور بها، اضف إلى ذلك أنها كانت قبلة الثقافة والفنون.

لم يرد مكي مغادرة القاهرة، فأخذ يبحث عن عمل في فصل الصيف، ويشاء الحظ أن يقرأ إعلاناً عن شاي بعنوان «البحار» بصحيفة الأخبار لأحد التجار من إسنا، فطلب منه أن يلتحق بالعمل لديه، وبالفعل عمل معه ككاتب حسابات.

يتذكر د. الطاهر بدايات إقامته بالقاهرة ويقول: أول يوم لوصولي القاهرة لم يكن هناك مساكن للطلبة، وقد استولى الجيش الإنجليزي على العمارات، لكن أحد الطلاب القدامى بحث عن بيت قديم في سوق السلاح وقمنا بتنظيفه، كنا ستة طلاب من قنا، ينام زملائي في السادسة مساءً، بينما أذهب لهذا التاجر الذي عملت معه ككاتب حسابات، لم أستفد منه مالياً لأن الراتب كان قليلاً، لكنه كان يمتلك مكتبة كبيرة، يشترى الصحف يومياً والمجلات والكتب المهمة، وكان يصدر مجلة من أربع صفحات، كنت أكتب فيها باباً بعنوان”صحتك بالدنيا”، وباباً آخربعنوان «خواطر بلا عنوان» أخذه بعد ذلك كمال الملاخ وقدمه في «الأهرام».

ويضيف كان لي صديق اسمه محمد مصطفي حمام، وكان مختصاً بكتابة خطب مصطفي النحاس باشا وفؤاد سراج الدين، كما كان يكتب الشعر لمن يريد أن يمتدح الزعماء، ذات يوم قال لي إن ياسين سراج الدين سوف يصدر مجلة أسبوعية اسمها «النداء» وسوف يمنحك ثلاثة جنيهات مقابل ساعتين عمل أسبوعياً فوافقت

وكنت أحاول كتابة القصة، كتبت قصة بعنوان «أيام في جهنم» وذهبت لمجلة الشعلة التي جددها الوفد، فقرأ رئيس التحرير ونشرها في الأسبوع التالي، وبعد ذلك أرسلت عدة قصص ولم تنشر، فذهبت للسؤال عن السبب، فسألني: هل أنت من كتب القصة الأولى أم قمت بسرقتها؟ فأقسمت له بأني كاتبها، فقال لي: إن القصة الأولى كانت جيدة، لكن ما تلاها كلام فارغ، فأدركت وقتها أن الإنسان يحتاج لمن يعلمه كتابة هذا الفن، وتوقفت عن كتابة القصة إلى أن أصبحت مدرساً لفن القصة. 

التحق مكي بعد ذلك بدار العلوم، ونال فيها الليسانس بامتياز مع مرتبة الشرف عام قيام ثورة 1952، ثم ابتعث إلى الأندلس، الفردوس الموعود كما سماها.


الطاهر أحمد مكي (1924- 2017)


في المقال القادم تتوقف الكاتبة عند رحلته إلى إسبانيا وقصة شغفه بالأندلسيين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s