تفرد محمد علي بتجارة الحبوب وطلبه من الباب العالي إعلان مصر «سربست»

تفرد محمد علي بتجارة الحبوب وطلبه من الباب العالي إعلان مصر «سربست»

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: للفنان الأسكتلندي ديفيد روبرتس – السفن أمام ميناء الإسكندرية

تتناول هذه الدراسة – التي تنشر على أجزاء – استغلال محمد علي باشا للقمح إبان أزمة الحصار القاري النابوليوني من أجل تحقيق “الاستقلال بمصر”، ويبرز الكاتب في هذه المقالة كيف تفرد محمد علي بتجارة الحبوب وصولاً إلى طلبه من الباب العالي بالإعلان أن مصر حرة ومستقلة سياسياً.


أدى تدفق شحنات القمح على متن السفن الإنجليزية من الإسكندرية إلى مالطا – في سرية تامة – ومن ثم تعاقد محمد علي مع إنجلترا على توريد الحبوب إلى نقصها في استانبول مما أدى احتكارها ورفع أسعارها وكان على الباب العالي أن يتدخل وبذلك صدر فرمان في ٢٥ مايو ١٨٠٩ ب «عدم التصريح للتجار باحتكار أصناف الغلال والحبوب من حنطة وأرز وخلافه وإخراجها خارج القطر، وبإرسال تلك الأصناف في موسمها إلى دار السعادة لبيعها لسكان استانبول الذين تأذوا من الاحتكار ورفع الأسعار» كما أمر الباب العالي محمد علي بأن يتدخل بقوة للضغط على التجار لجعل الأسعار في متناول أهالي استانبول. كما أسلفنا في المقال السابق.

فرمانات الحظر في دائرة اﻻختبار

ويلاحظ أن الباب العالى تعامل مع المشكلة على أن المتسبب فيها لم يكن محمد علي، وإنما جماعة التجار الذين وصفتهم الفرمانات الصادرة خلال 1809 – 1810 “بالمضاربين في اﻷسعار”؛ حيث نظرت إليهم على أنهم جشعون يستغلون الأزمة، دون أية مراعاة لفقراء استانبول. وهو ما يوحي بنجاح  تمويهات محمد علي باشا في البرهنة على أنه بعيد عن التورط في تلك التجارة، وأخذت الفرمانات التالية تتوالى على القاهرة، متضمنة مجموعة من الضوابط واﻹجراءات الجديدة، بقصد تفعيل الحظر، والتشدد في عدم إعطاء تراخيص سوى للسفن المتجهة إلى استنانبول، وحراسة السفن بصورة تامة وصارمة، وعلاوة على ذلك شددت على أمرين: اﻷول أﻻ تُفرض رسوم تصدير عالية على الحبوب المخصصة ﻻستانبول، منعًا ﻻرتفاع أسعارها فوق متناول سكان العاصمة، والثانى، عدم إعطاء أحد التجار حق احتكار بيع الحبوب وتسويقها. 

بيد أنه أمكن لمحمد علي باشا، عبر اتباعه المخلصين بجمرك اﻹسكندرية، أن يتوسع في عمليات التهريب، وحجب دوره الفعلي في شبكتها، حتى أن القنصل دروفتى نفسه يفصح لوزير الخارجية الفرنسى “بأنه من الصعوبة بمكان تقديم قائمة واحدة دقيقة حول حركة الملاحة والتجارة بميناء اﻹسكندرية”؛ مبينًا إلى جانب ذلك أثر الرشاوى في تسهيل هذه الظاهرة؛ إذ يقول: “إنه بالمال يمكنك في هذا البلد تمرير كل شئ من البضائع بالتهريب، وللتهريب هدف واحد هو المداراة على اتساع عملياته”. والمحصلة النهائية أن استانبول لم تصلها خلال عام 1810 الكميات المطلوبة؛ ومن شأن هذا أن يفسر كثرة مجىء “القابجية”، محملين بفرمانات تفيض بروح الاستياء من استمرار تجارة التهريب باﻹسكندرية، بيد أن أصابع اﻻتهام كانت ما تزال – حتى تلك اللحظة – بعيدة عن أن توجه إلى والي مصر؛ ليظل تشخيص العلة  بجشع التجار والمحتكرين. ويغلب على الظن أن الباب العالى آثر تحاشى مكاشفة تابعه؛ أملا في استثمار تعاونه في تحقيق استقرار النفوذ العثمانى في الجانب العربى من اﻹمبراطورية، وتحديدًا في اﻷراضى المقدسة التى انطلقت منها حركة دينية خطيرة زلزلت كيان الدولة ككل ألا وهي الحركة الوهابية. 

وعلى مدار عام 1810 رصد المراقبون الفرنسيون باﻹسكندرية، حركة شحن السفن اﻹنجليزية بالحبوب تحت حماية البارجات الحربية اﻹنجليزية، بينما “استانبول وأزمير وحلب وجزر اﻷرخبيل تعانى نقصًا شديدًا في المؤن الغذائية  كما أن السفن التى ترد من الموانئ العثمانية كانت تعود محملة بأى نوع من البضائع والمنتجات عدا القمح الذى آثر الباشا أن ُيقصر بيعه للسفن المتجهة إلى جزيرة مالطة وإسبانيا والبرتغال، ولهذا لم يكن يصل ﻻستانبول من القمح إﻻ القليل الذى ﻻ يفي بسد حاجة اﻻستهلاك الفعلي لسكانها. ويكتب دروفتى في تقريره ” أن الباشا، عبر حيله ومكائده، قد تمكن من تضليل الباب العالى، وأمد البريطانيين بشحنات الغلال على حساب استانبول، دون أى مراعاة لتطبيق فرمانات الحظر”. 

وثمة فرمان صادر في شهر أكتوبر 1810 يشير إلى تكرار اﻷوامر المحذرة والمانعة لهذه التجارة، وكان الجديد فيه مطالبته بكشف أسماء من أطلق عليهم “المهربين السريين” حتى يتم معاقبتهم، ومصادرة شحناتهم وإرسالها للباب العالى مباشرة. وعبر فرمان صادر في نوفمبر 1810 أعلن الباب العالى بأنه سيرسل “مجموعة من المراقبين المتنكرين (إلى موانئ إسكندرية ودمياط ورشيد) لتفعيل الرقابة الصارمة والضرورية، والتنبيه بقراءة الفرمان على الملأ لردع المتورطين في هذه التجارة المحظورة”. والواقع أن الباب العالى أخذ هذا اﻹجراء على محمل الجد، وبالفعل أرسل عيونه وبثها في كل الموانئ، بما في ذلك ميناء سالونيك، الذى تُمارس به ظاهرة التهريب نفسها. 

التدخل المباشر للباب العالي

وإزاء تعقد ظروف اﻷزمة الغذائية بالعاصمة المركزية، نحو نهاية العام 1810، لم يجد الباب العالى من حل سوى تدخله المباشر في اتخاذ إجراءات عملية، يؤمل معها أن تعجل بوصول كميات القمح المطلوبة لسكان استانبول، الذين كان يُخشى لجوؤهم إلى إثارة الاضطرابات، وخاصة في ذلك التوقيت الحرج، الذى كانت تخوض فيه الدولة مواجهة ضارية ضد روسيا، التى أنزلت بالجيش التركى عدة انكسارات، جعلتها في موقف حرج وصعب، حتى لقد طلبت دعمًا لوجستيًا (قمح ومال وذخيرة) من جميع الولايات التابعة لها، وفي مقدمتها وﻻية مصر؛ مما يُبين إلى أى حد كان الموقف عصيبًا، وﻻ يحتمل التهاون في تأمين الاحتياجات الغذائية ﻷهالى العاصمة.  

وتُلقى الفرمانات الصادرة بين نهاية 1810 ومطلع 1811 الضوء على تلك اﻹجراءات، كان من بينها: العمل على توفير سفن الكورفت الكبيرة، باﻻتفاق مع بعض أرباب السفن اﻷجنبية، وتسديد نولون الشحنات من خلال قناصلهم باستانبول، في غضون 16يومًا من تاريخ وصول الشحنة، مع تحديد أجر نولون كيلة القمح بـ 3 بارة فقط، منعًا لزيادة سعر اﻷردب في أسواق استانبول، وعينت من قبلها مسئولاً، أطلقت عليه ” المُبايعجى”، يتولى شراء الكميات المطلوبة من القمح، واستئجار المراكب واﻹشراف على عمليات الشحن، وشددت على التعاون معه من أجل إنجاز مهمته. وتكرر التأكيد على ضرورة الرقابة الصارمة واﻹمساك بكل من تسول له نفسه تهريب الحبوب أو تسويقها خارج المجال العثمانى، وضبط شحناته التى أعلنت بأنها ستصادرها على أنها “غنيمة حرب”، وأنها أخبرت قناصل جميع الدول حتى يحذروا رعاياهم من التورط في هذه التجارة غير المشروعة. وتم تعميم كل هذه اﻹجراءت على سائر الموانئ العثمانية لمنع تجارة تهريب الحبوب إلى غرب المتوسط. 

ويتضح مما جاء في تقرير دروفتى جدية الباب العالى في عزمه على تنفيذ الرقابة الصارمة على الموانئ؛ لضبط اتجاه حركة تصدير الحبوب إلى العاصمة المركزية وحسب. بيد أنه أبدى أسفه على تأخر مثل هذا اﻹجراء لمدة عام، ونقل إلى وزير الخارجية تعليقه الساخر:”إن الباب العالي وإن كان لم يرخص لبيع الحبوب في الخارج، إﻻ أنه بالفعل تساهل في أمر استخلاصها وتصديرها من مصر”.

انطلاق تجارة تهريب القمح بين اﻹسكندرية ومالطة (1811/1810)

أدت الحرب الروسية العثمانية (1810 – 1812) إلى إغلاق بوغازي البوسفور والدردنيل، وتوقف صادرات القمح الروسي. ولم يكن أمام بريطانيا من حل واضح لتأمين تغطية احتياجات جيوشها من المؤن الغذائية، سوى استيراد القمح من مصدرين: الولايات المتحدة اﻷمريكية ومصر. غير أن توتر علاقاتها مع اﻷولى إلى حد الصدام المباشر في العام 1812 حسم اعتمادها بشكل رئيس على مصر. والحاصل أن اﻹنجليز أضرموا النيران في فرقاطة أمريكية تحمل الحبوب لغريمتها فرنسا في ذلك العام. وردًا على هذه الحادثة أصدر الكونجرس اﻷمريكى “قانون حظر التجارة اﻷجنبية” Embargo Act؛ للضغط على طرفي الصراع اﻷنجلو- فرنسى؛ لكنه لم يسفر عن شىء ذى جدوى، وتمكن اﻷسطول البريطاني من محاصرة السواحل اﻷمريكية، ونجح، حتى منتصف عام 1812، في الحيلولة دون عبور القمح اﻷمريكى للمحيط اﻷطلسى سوى ما كان متجهًا منها لجيوشها بشبه جزيرة أيبيريا وحسب.

لقد أصبح القمح المصرى المصدر الرئيس ﻹمداد الجيوش اﻹنجليزية بحاجاتها بصورة آمنة نسبيا. ولم يكن ثمة مشكلة تهدد هذه اﻹمدادات سوى فرمانات الحظر. وعجز اﻹنجليز في الضغط على الباب العالى ﻹقناعه بإلغاء تلك الفرمانات؛ ومن ثم تحتم التفاوض مباشرة مع محمد علي. وأصدر “ستراتفورد كاننج” تعليمات سرية لقنصل بريطانيا في مصر، بأن يرتب مع محمد علي “تجارة تهريب منظمة”. وحين هدد الباب العالى بتفتيش السفن الداخلة في نطاق خط يمتد من كريت إلى مصر، أصدر البريطانيون تحذيرًا بأنهم لن يتغاضوا عن مثل هذا العمل. ومن هنا استمرت السفن التجارية، تحت حماية الفرقاطات الحربية اﻹنجليزية، تغدو وتروح بين اﻹسكندرية ومالطة وموانئ إسبانيا والبرتغال، وخاصة مع توافر كميات هائلة من الحبوب تحت يد محمد علي، بعد عقده الصلح مع البكوات المماليك بالصعيد في 27 مارس 1810 والذى بمقتضاه التزم البكوات المماليك بتوريد 107 ألف إردبا من القمح من الوجه القبلى، كما أمنت طرق الملاحة النيلية بين الوجهين القبلى والبحري، لتسمح بتدفق الحبوب من سائر اﻷفاليم، لتمتلئ على إثرها صوامع اﻹسكندرية بالحبوب.

سياسة تصدير القمح بين مصالح التابع وإرادة السيد

وفي ظل تعقد ظروف الحرب في أوروبا وتعثر صادرات القمح الروسي واﻷمريكى، وحالة النقص الشديد في غلة القمح والتى بلغت خلال سنوات 1809، 1810، و1811 حد الندرة في معظم بلدان البحر المتوسط، واستعداد اﻹنجليز لشراء القمح من اﻹسكندرية بأى سعر كان – تطلع محمد علي باشا إلى استغلال الفرصة التى ساقتها إليه اﻷقدار، ليعطى اﻷولوية للإنجليز، في مقابل إهماله بيع شحنات الحبوب لاستانبول؛ طالما أن اﻷخيرة فرضت عليه سعرا بالغ الضآلة، وإعفاء شحناتها من دفع الرسوم، فضلا عن مطالبتها إياه بتمويل حرب الحجاز التى كان يخشى أن تستنفد مالياته؛ حيث رفضت تعلله بعجز اقتصاد الوﻻية جراء تحمله نفقات باهظة في محاربة المماليك والقضاء عليهم، فضلا عن حاجته للإسراع بعمل اﻻستحكامات الحربية القوية لمدينة اﻹسكندرية، ولتسليح الأسطول الذى بدأ في بنائه بالفعل. وكان كل ذلك يحتاج إلى اﻷموال، وليس له من مصدر حيوي يدعم مالياته سوى بيع الحبوب في الخارج. 

وإذًا فإن قراءته لظروفه المادية جعلته يوقن بأن صعوباته أكثر أهمية من مراعاة صعوبات السلطان في عاصمته الجائعة؛ ومن ثم قرر انتهاك فرمانات الحظر، وبغير حياء أحيانا، وهذا تحديدًا ما فعله إزاء فرمان27  نوفمبر 1810 الذى كان يكرر قضية الحظر: فبعد يومين اثنين فقط ( 29 نوفمبر) توجه إلى اﻹسكندرية للإشراف بنفسه على بيع الحبوب للإنجليز، وكتب ميسيت – القنصل البريطاني باﻹسكندرية إلى سميث (الوزير البريطاني المفوض لدى استانبول):” فرض الباب العالى حظرا على تصدير الحبوب، لكن الباشا لم ينصع لتنفيذه، حيث رفض أن يطيع أى أمر صادر من سيده اﻷعلى يمكن أن يتعارض مع مصالحه الخاصة” مبينًا أنه يقر إسميا فحسب بسلطة السلطان”. ولذلك لم تتأثر صفقات شراء الحبوب بفرمانات الحظر، وبحسب تقدير الجبرتى، باع الباشا كميات ضخمة منها، بلغت ما يزيد على  200 ألف إردبًا بواقع 100 قرشًا للإردب. 

تفرد محمد علي بتجارة الحبوب

هذه المفارقة تبين أن سياسة تصدير القمح باتت، منذ ذلك الحين، في يد التابع ﻻ السيد، وكتب دروفتى للخارجية الفرنسية:” لقد تفرد محمد علي بتجارة الحبوب وبتحديد سعر التصدير”، وأكدت الصفقات التالية، على مدار سنوات الحصار القاري وما بعدها هذه النتيجة التى فرضت نفسها على الصراع، غير المعلن، بينه وبين السلطنة. ولعل مما له دلالته ومغزاه أنه رفض التصديق على تعريفة جمركية جديدة حصل عليها قنصل اﻹنجليز من الباب العالى بشأن بضائع التجار اﻹنجليز الواردة والمصدرة إلى مصر، ليؤكد لهم عمليا أنه هو، ﻻ المركز، مَنْ يحدد الرسوم التى تتناسب مع مصالحه. وكتب القنصل البريطاني ميسيت بمرارة:” إن الوالى ﻻ يحترم أيا من المزايا الممنوحة ﻹنجلترا طبقا ﻻتفاقية امتيازاتنا مع الباب العالى؛ لقد باع أو احتفظ لنفسه باحتكارات مختلفة، وتمت زيادة الرسوم الجمركية القديمة، وفُرِضت الرسوم الجديدة على كل بنود الواردات والصادرات؛ واﻹجابة الوحيدة التى يرد بها على احتجاجات الوكلاء اﻷوروبيين أن لديه سلطة اتخاذ أية ترتيبات دولية داخل حكومته هو”. وعزا دروفتى رفضه تنفيذ فرمان الحظر وفرضه سياسة جمركية خاصة إلى “روح استقلاليته التى أخذ يقويها ويعمل على تنميتها باستمرار”، بل واﻷكثر من ذلك اتجاهه إلى فرض رسوم كبيرة على صادرات الحبوب المتجهة إلى استانبول نفسها، بما في ذلك مدن تركية أخرى مثل أزمير، وهى رسوم لم تكن موجودة من قبل على اﻹطلاق وكل هذه المؤشرات تبين تحكمه في رسم السياسة الجديدة لصادرات الحبوب المصرية في البحر المتوسط. 

وسعيًا إلى تركيز صادراته في اتجاه غرب المتوسط، كان ﻻ بد أن يثير عوائق التصدير في اتجاه استانبول، ويجد ضالته في إثارة مشكلتي القرصنة وقلة السفن، وهما المشكلتان اللتان مثلتا بالفعل معضلتين كبيرتين بالنسبة ﻻستانبول: فالطلب الرسمى الذى تقدم به الباب العالى ( في 24 يونيو 1810) إلى الجانبين اﻷنجلو- فرنسى، بعدم امتداد العمليات الحربية والقرصنة بينهما إلى المياه اﻹقليمية العثمانية، وخاصة داخل المنطقة الشاملة لكل من ” المورة وكريت ومصر”، انطلاقًا من التزامها الوقوف على الحياد – قد ظل دون رد إيجابى. ومن الواضح أن الرفض اﻷنجلو- فرنسى كان مقصودًا في حد ذاته؛ فالقرصنة تتسبب في شل حركة السفن في البحر المتوسط، وهذا من شأنه أن يحقق جزءًا من إستراتيجية الحرب اﻻقتصادية بينهما، والنتيجة أن الباب العالى وجد صعوبة بالغة في استقصاء السفن المحايدة القادرة على نقل الحبوب من اﻹسكندرية إلى استانبول، حتى إنه كان يُوكل هذا اﻷمر إلى بعض كبار المسئولين في الديوان الهمايونى. وﻻ شك أن هذه المسألة وفرت لمحمد علي من الوقت ما جعله قادرًا على استيفاء الطلب اﻹنجليزى من الحبوب أولاً وقبل استانبول نفسها التى لم يكن يصلها سوى القليل.

الطلب من الباب العالي بإعلان مصر «سربست»

ولقد حاول محمد علي باشا استغلال “مسألة القرصنة وتعثر إمدادات الحبوب” ليعرض على الباب العالى ( في نوفمبر 1810) طلبه اﻷثير بأن يعلن السلطان “مصر سربست” (أى حرة ومستقلة سياسيًا) على غرار وﻻية الجزائر، موضحًا للصدارة العظمى أنه ليس له مطمع سياسى في هذا الأمر على اﻹطلاق، وإنما هو يخشى في حال اضطرت الظروف السلطنة إلى الدخول كطرف في أزمة الحصار والحرب الأوروبية، أن تشتد وطأة مشكلة القرصنة، وما يترتب عليها من تعثر في وصول اﻹمدادات السنوية من الحبوب الضرورية لسكان العاصمة، فضلا عن تأثيراتها السلبية على إعاقة تنفيذ توجيه جيشه في مهمة الحرب ضد الوهابيين، كنتيجة للانشغال بمدافعة ما اسماه “تسلط ومهاجمة الدول اﻷفرنكيه على مصر” على حين أن اﻷمر سوف يختلف في حال صارت “مصر سربست”؛ إذ وقتها تنأى الوﻻية المصرية عن ساحة أى نزاع يضم العثمانيين، وهو ما يمكنه في هذه الحال من إمداد السلطنة باحتياجاتها المادية على سفن تحمل علمًا محايدًا.

ولتأكيد حسن نواياه أو بالأحرى للمدارة حول نزعته الاستقلالية، راح يؤكد للباب العالى أن أمر اﻻستقلال يظل مرهونًا باﻷزمة، أى بصورة مؤقته، ما إن تنتهى اﻷزمة والحرب في أوروبا، فللدولة أن تنزل بمرتبة مصر إلى “الإيالة” مرة أخرى. وكان يرمى من وراء هذا الطلب تحقيق غاية أساسية: فإن وافقت السلطنة على طلبه، فقد بلغ مراده الذى يخطط  له طوال الوقت، بنواله شرعية اعتراف السلطنة له بنوع ما من اﻻستقلال، وإن رفضت فإنه يفيد من الموقف على اﻷقل بتوصيل رسالة واضحة للباب العالى بأن الصعوبات التى تواجهه في إرسال الحبوب للعاصمة المركزية، وكذا في تغطية نفقات حرب الوهابيين، إنما هى صعوبات خارجة تماما عن إرادته، وأنه ﻻ يملك من اﻹمكانات المادية ما يسمح له بالتغلب عليها أو مواجهتها، ومن ثم يجد مبررًا منطقيًا لتعطيل حركة نقل الحبوب إليها. 

وإذ يرفض الباب العالى طلبه، فإنه يَكمُن في انتظار الفرصة، أملا أن يتحول المد لصالحه، فينال حلم اﻻستقلال. وقد صار اﻵن أكثر اقتناعًا بضرورة العمل على إذكاء مصالحه الخاصة، وجعلها في المقام اﻷول: فيقرر التخلص من المماليك أولاً (في مارس 1811)، قبل أن يقرر خوض حرب الحجاز، والتى لن يبدأها قبل 30 سبتمبر 1811؛ إذ إن القضاء على المماليك سوف يسمح له بالسيطرة على مواطن إنتاج الغلال بالصعيد، ومن ثم يضمن كامل سيطرته على حصيلة الحبوب من كل اﻷقاليم القبلية والبحرية كافة، وهو ما يمكنه من تغطية نفقات الحرب، جراء تكثيفه حركة مبيعات القمح في اتجاه جزيرة مالطة ﻻ استانبول أو أزمير. 


المقالات السابقة


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s