اللوحة: الفنان الروسي كونستانتين إيجوروفيتش ماكوفسكي
لماذا لا تبارحنا الذكريات الحزينة.. تأسرنا وتبكينا وتسقطنا في بحر الندم.. وبقسوة تأبى ألا تفارقنا؟ تفاصيلهامحفورة على جدران قلوبنا.. تزاحم أنفاسنا وتلاطم أفكارنا؟
تمر الأعوام وتظل قابعة بالأذهان.. تطفئ أي شعاع نور يحاول أن يخترق عتمة الأيام وتقتل ما تبقى من أجملالأحلام..
أيتها الذكريات.. فكي القيود وأطلقي سراحنا لنطيب جراحنا ونكفكف دموعنا.. دعينا نعبر إلى شاطئ الأمان.. رفقابنا كفانا أحزان.
كانت هذه الكلمات آخر مقطع نشرته من كتابها سحر العيون، ثم اختفت وتعمدت تجاهل الرد على اتصالاتيورسائلي الهاتفية.. عجزت أن أجد تفسيرا لهروبها المتكرر في كل مرة أحاول الاقتراب منها.. كنت التمس لهاالأعذار في بداية تعارفنا بعدما أخبرتني بأنها عاشت صدمتين في حياتها، الأولى بوفاة زوجها بعد معاناة أعوام معالمرض ثم رحلتها الشاقة في تربية ثلاث فتيات، والثانية الطلاق بعد زواج لم يستمر إلا شهور، لكن تكرار اختفائهادون أن تعيرني اهتمام، رغم أنها أقسمت بأنها لا تثق إلا بي، كان يؤكد أنها بارعة في المراوغة أكثر من براعتهافي الشعر.
ساورتني شكوك بأنها توهم كثيرا من عشاقها بهذه الأكاذيب لتظل دائما في عيونهم في صورة المجني عليها لتستدرعطفهم بأشعارها الحزينة، وتنزع آهاتهم وتدغدغ مشاعرهم لتتساقط الدموع من مآقيهم، كنت أخدع قلبي بأنهاصادقة وأنعشه بجرعة وهم بأن حبي اخترق سويداء قلبها لكن في يقينيّ أنها لا تشعر نحوي بأي لهفة أو اشتياق.
جذبني إليها ما تصوغه من كلمات ساحرة مغموسة بالألم وتسكبها في بوتقة الشجن من خلال مشاعر وأحاسيس لمأصادفها بحياتي، بذلت عدة محاولات لألفت نظرها لكن لمحت في عينيها نظرة زهو بالحصار القوي من معجبيها،فانصرف بعد حضوري ندواتها حزينا لعدم قدرتي على الحديث معها ولو دقائق لكن في الوقت ذاته كنت أشعربسعادة غامرة لرؤيتها وهي تتألق بما تنثره من إبداعات.
كنت أكره جرأتها في الحديث والملابس وشخصيتها المنفتحة، والدخان الذي يتطاير من شفتيها التي تنطق بأعذبالحروف وأرقى المعاني، حاولت كثيرا الاقتراب منها لأزجرها كي تتوقف عن خلط أنفاسها الدافئة بأنفاس محملةبقطران التبغ، ثم اتراجع لأن المسافة بيننا ليست أكثر من شاعرة ومعجب، وضغطت كثيرا على أعصابي واجهدتتفكيري في اتخاذ قرار الابتعاد عن طريقها لكني فشلت.
كنت في رحلة بحث عن حب ينتفض له قلبي بعد أعوام تجمدت فيها مشاعري ليس لبرودة طقس البلد الأوروبيالذي كنت أعيش فيه ولكن لما عانيته من موت أحاسيس زوجتي، فقد تحملت اختلاف طبائعنا أعواما لكن لم اتحملأن أعيش مع جسد بلا روح، راودني الحنين إلى براءة الطفولة وزيارة مقبرة أبي وأمي واستعادة ذكريات العمر فيحارتنا فقررت على الفور إنهاء كافة مشروعاتي ونقلها إلى مسقط رأسي.
حقق نجاحا كبيرا في عملي وكونت ثروة لكن لم أشعر بالسعادة لاحتياجي إلى قلب يحتويني، حلمت أن أعود مراهقاوأسهر الليالي اتقلب على جمر الشوق إلى الحبيبة واتغزل في عينيها.. قبل سفري كنت أعشق الشعر وقراءةالقصص والروايات وكانت لي محاولات متواضعة في الكتابة، لكن الغربة لا تعرف العواطف فالحياة قاسية وتتطلبجهدا مضاعفا لإثبات ذاتك، كما أن عملي في مجال الاستثمار والتجارة لا يعترف إلا بلغة الأرقام والحساباتالمعقدة، لذا كنت سعادتي لا توصف وأن أنزع قناع الحياة الجافة من الأحاسيس واقتحم حياة المثقفين الذين توهمتأنهم من الطبقة المخملية، لكن اكتشفت أن أغلبهم يعاني من شظف العيش وإبداعاتهم ترجمة لما يعانونه من آلام.
كان اسمها سحر، وهي بالفعل ساحرة في نسج أرق العبارات لترسم منها لوحة رائعة من المشاعر تحلق بمنيسمعها بقلبه إلى سماء الحب وتهوي به إلى بستان تفوح منه عبير الورود.. وبعد أن فقدت الأمل أن انفرد بها لوللحظات لتقرأ بعيني ما يعجر لسانه عن النطق به، استجاب القدر لأمنيتي والتقيتها في قناة فضائية يمتلكها صديقيالذي يشاركني في عدد من مشروعاتي، وقبل أن يقدمني لها بادرت بالسلام وبابتسامة وشكرتني على حضوريالدائم لندواتها ثم انصرفت لحضور البرنامج الذي تحل عليه ضيفه، رأيت صديقي مندهشا وسألني.. هل تعرفها؟قلت له: أنا من معجبيها وأريد أن ترتب لي موعدا للحديث معها.. زاد اندهاش صديقي عندما علم أني أحضرالصالونات الثقافية، وله العذر فلم تظهر علي هذه الميول الأدبية في فترة عملنا.. كنت أحضر الندوات والمنتدياتوهذه اللقاءات الثقافية وحيدا بدون أي صديق وكنت أعرف نفسي في سجل الحضور بـمتذوق للشعر ولم يعلم أيمن الحضور طبيعة عملي.
انتظرت صديقي ينفذ وعده بترتيب موعد مع سحر، وحدث بالفعل في احتفالية أقامتها القناة بمناسبة مرور عام علىانطلاقها بحضور كوكبة من ألمع نجوم المجتمع وجلست بجواري وكانت في حيرة عندما علمت أنني رجل أعمالوثري، وتساءلت عن سبب حبي للشعر رغم أنه بعيد عن مجال التجارة، بعفوية قلت لها «أنتِ السبب في وقوعيأسيرا لعشق الشعر لأنك نسجت من خيوط كلماتك الراقية عقد من لؤلؤ المشاعر نادر العثور على مثيله، وأنا فياحتياج لاستعادة الرومانسية إلى حياتي بعد أن أوشكت أحاسيسي على الموت.. لم تكترث كثيرا بحديثي عنالعواطف وأمطرتني بأسئلة عن ثروتي.. إعجابي الشديد بها أعماني عن رؤية التناقض في شخصيتها وأن من تأسرالقلوب بكلماتها الغارقة في بحور الرومانسية هي ذاتها التي تتجاهل حديث المشاعر وتهتم بالمال.
فاجئتني بطلب رقم هاتفي وبعد عودتي إلى البيت وقبل أن استبدل ملابسي أسعدت قلبي المتعطش إلى كلمة منهابحديث امتد حتى بزوغ أول خيوط فجر اليوم الجديد، أخبرتني بما تعانيه من ظروف اجتماعية صعبة وأن شعورهابالارتياح والاطمئنان لي دفعها لكشف خصوصياتها.. التقينا عدة مرات ثم كانت تختفي وتظهر وفي كل مرة كانتتقدم مبررا أغلبه ليس مقنعا، لم أدرك حينها أنها تنصب شباكها بإتقان لتحكم اصطياد قلبي الذي كان يتعذب فيغيابها.
دعوتها لتناول العشاء وقدمت لها هدية ثمينة وتعجبت عندما قبلتها بدون تفكير أو إظهار ما يوحي برفضها أوالاستفسار عن سببها، وفي اللقاء الثاني قدمت لها هدية أخرى وكان موقفها ذاته.. وفي ذات مرة سألتني عنصديقي مالك القناة الفضائية ومن الأكثر ثروة.. قلت لها بالقطع شريكي أكثر ثراء رغم أن ما كان في رصيدي فيالبنوك الأوروبية أضعاف ثروة صديقي.. انتظرت رد فعلها على كذبتي فرأيت بعينها نظرة حسرة وطلبت الانصرافبحجة شعورها بالإرهاق.
ثم اختفت عدة أيام وتجاهلت اتصالاتي وكتبت كلمات حزينة على صفحتها الشخصية على فيس بوك هزمني حبيمجددا وقررت منحها فرصة أخيرة لتثبت أن ما يختلج بقلبي بأنها مرأة لعوب مجرد شكوك، سردت لصديقي تفاصيلحكايتي مع سحر، وطالبته بأن يتصل بها ويحاول الاقتراب منها، لكن يبدو أن صديقي كان يعلم عنها ما لا أعلمهفقال لي ساخرا من سذاجتي: الليلة ستكون برفقتي في بيتي..
كدت افتك به لكنه عمق من جراحي بأن حدد لي الميعاد وطلبني بالحضور لأشاهدها بنفسي.. ذهبت أقدم قدماًوأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني صدمة تزلزل كياني.. وفتح لي صديقي الباب داهمت غرف البيت كالمجنون فأشارصديقي إلى غرفة النوم.. وجدتها ممددة على السرير ويتطاير من شفتيها الدخان.