الجُــبُّ

الجُــبُّ

فردوس عبد الرحمن

اللوحة: الفنان الهولندي توماس كوبيرا

كنا في زيارة لمتحف محمد على، وكانت أمي تحملني

حين وقَفَت أمام العرش، أجلستني عليه، ثم أخذت خطوتين للوراء وراحت تتأملني والدموع تملأ عينيها، هكذا أخبرتني عندما وعيت على الدنيا وأخبرتني أيضًا أشياء أخرى عن نفسي لم أكن أعرفها، قالت:

 “فردوس لا تكذب” ففقدت القدرة على الكذب طوال حياتي، فقدان القدرة على الكذب أمر سيء.

 “لا خوف عليها من السقوط” فلم أرسب سنة دراسية واحدة (عدم القدرة على السقوط.. مرعب) الحمد لله.. حققت سقوطًا مدويًا في الحياة، فمتُّ أربع سنوات.

” فردوس لها صوت ملائكي، سيكون لها شأن عظيم” أنهكت نفسي بالفعل كي أرتفع عن الأرض كالملائكة، فعلقت بالهواء.

هكذا أمضيت طفولتي وأنا أشعر باختلاف ما.. أنا أكتب الشعر، وأمثل على مسرح المدرسة وأغني أمام الضيوف. ربما ساعدني ذلك على اجتياز أحاسيس المراهقة المزعجة، لكنه أنهكني، كان عليً أن أبذل جهدا كبيرًا، لكي يرى الناس ما أنا عليه من اختلاف.. كنت أشعر بالعدمية في الفصل حين أتحول إلى رقم بين عداد التلاميذ، وفي حوش المدرسة حين أجلس وحيدة على حجر.. لأنه ما من بنت تستطيع أن تسمو إلى هذا النوع من الوجود (وجودي). نوبات طويلة من الاكتئاب والعدمية كلما حلت إجازة الصيف، لم يكن يُطلب مني وقتها سوى قضاء احتياجات المنزل.. تنظيفه وترتيبه.. أشياء عادية تخص الأشخاص العاديين، يمكنني ـ مع الاكتئاب والعدمية ـ أن أكون مختلفة، أكتب شعرًا حزينًا وأسمع أغان حزينة، كنت أصعد على سطح منزلنا ليتطاير شعري في الهواء.. غناء حزين وشعر يطير في الهواء.

الآن أعرف: أن الانحباس داخل صورة يؤدي إلى الشعور بالعدم. ليتني نظفت البيت ووقفت في طابور العيش وزججت حاجبيّ من وراء أمي وبكيت لها حين فاجأتني الدورة الشهرية واختبأت في جلبابها وسألتها.. ماذا أفعل؟ حتى الطبيعة تلقيتها بإهانة.. هذا الكيان العظيم يُلَوث بما يُسمى الدورة الشهرية، تلك الذات المختلفة تُذلّ وتتكور على نفسها لتُخفى آلام المغص.. كيف تكون مثل كل البنات؟

حبستني أمي في تلك الصورة لدرجة أنني صُدِمت عندما أنكرت بقعة الدم على ملابسي وراحت تُخفيها بملابس أخرى أخرجتها لي من الدولاب دون أن تهمس في أذني بما أفعله في هذه الورطة، لم تكلمني أبدًا في هذا الموضوع حتى ماتت.

 اسمعي يا أمي.. سوف أرافقك الليلة وأحكي لك عما كنتِ تخجلين منه.. قبل أن تتركيني وتذهبي إلى الله. 

  نعم.. كانت أمي تخجل مني ولي.. كلما تبدّت عليّ أعراض الأنوثة، كانت تناولني الأشياء الخاصة بهذا وهي مغمضة العينين. هي نفسها لم تكن تخجل مما يخصها، كنت أسمعها تتكلم مع الجميع عن متاعبها النسائية، أما بالنسبة لي.. فكانت تصمت أو تبكي.

هكذا شعرت بالاختلاف فخجلت من جسدي، من طبيعتي وتضاءلت أمام البشر وخف وجودي فارتفعت وسموت عليهم ولا عجب إن شعرت بعد ذلك بالعدم.

أمد يدي في روحي لأخلصها من قطعة سماء زائدة.

حين أحضروا الداية لتختنني أنا وأختي.. والأهل واقفون كحراس.. قلت لربي: أنت تعلم أنني مختلفة، سوف أكلمك على انفراد من ورائهم: “والنبي يا رب لا تجعلهم يفعلون هذا بي” وبالفعل اختُتِنَت أختي أما أنا فلا.. قالت الداية: الختان رباني. أيقنت ساعتها أني محاطة برعاية خاصة، تأكدت لي بعد ذلك في كل دعاء دعوته، لكنه حين كف الله عن الاجابة، حين أصبحت أدعو ولا أُسمع.. غضب النبي بداخلي، وغاب في الظلام.. بالتأكيد هذا هو الموت الذي أسأل عنه.

وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.. سورة الصافات، آية رقم 87

نعرف تلك القصة القرآنية، عندما أُرسل الله النبي يونس إلى قرية نينوي، فتمرد عليه أهلها، وتمادوا في كفرهم فأنذرهم يونس بالعذاب، ودعا ربه أن يبيدهم جميعًا، وكان بالطبع واثقًا من دعائه، فهو نبي، وكم استًجيب له.. إلا أن الله ـ هذه المرة ـ لم يستجب له، فكبر عليه الأمر، وذهب مغاضبًا، تاركًا الدعوة والرسالة.. إلى آخر القصة، حيث التقمه الحوت ولبث في بطنه، ثم نادى ربه في الظلمات.

هذه القصة القرآنية.. تشير إلى فكرة التضخم في الانسان وكيف أنها تودي به إلى بحر الظلمات، ما فعله الله بيونس لم يكن عقابًا، بل كسرًا للصورة الفوقية التي أصبح عليها، واستئصالًا للتضخم الذي أصابه، واستكمالًا لبنائه الإنساني، حيث لا يمكن للبناء الإنساني أن يُستكمل ويكون فاعلًا على الأرض، دون اعتراف الإنسان بعجزه ومحدودية قدراته وندِّيته مع بقية البشر.

هكذا.. التضخم الذي يصيب الانسان يحرمه من استكمال إنسانيته. سقوطي في بحر الظلمات لم يكن عقابا من الله، كانت تلك طريقته لأدرك عجزي الإنساني، لأعرف محدوديتي. كم كان هذا قاسيا، أربع سنوات من الموت لأتحرر من الصورة التي حبستني فيها أمي لحظة أن أجلستني على عرش محمد على، وكانت الكارثة حين أشعرتني بالاختلاف.

قرأت عن حالة مرضية أوردها الدكتور يحيى الرخاوي في إحدى شروحاته.. شاب “سبحان من صور” ليس به أي خلل عقلي.. يتبول على نفسه بإرادته.. بالطبع هو فاشل في الدراسة ولم ينجز أي شئ في حياته، بعد جلسة نفسية معه.. توصل الدكتور يحيى الرخاوي إلى السبب، كان طفلًا جميلًا فوق العادة، وكان الأهل فخورين بهذا الجمال ومدهوشين به، فلم ينادوه إلا بإحدى صفات الجمال ولم يقدموه إلى الآخرين إلا من هذا المنطلق، وانتشر هذا بين أهل قريته، فنسي هو ونسي الآخرون معه.. الطفل الجائع بداخله، انشغل الجميع بقشرته الخارجية ولم ينظروا إلى الداخل المسكين بخوفه وعجزه واحتياجه. “إن هذا إلا ملك كريم”.. هل الملائكة تذهب إلى المدرسة؟ هل تشقى على الأرض؟ هل تظمأ وتجوع وترتعش من البرد؟.. هكذا عاش الفتى الجميل، لم يُكَلّف بأي شئ لأنه جميل، ولم يُنظَر إليه من الداخل لأن الخارج خطف الأبصار.. ماذا عليه أن يفعل؟ سوى أن يعلن عن وجوده وكيف يعلن عن ذلك الوجود إذا كان خاويًا وعاجزًا.. من حق العجز أن يُرى، من حق أي شئ خلقه الله أن يصرخ ويعلن عن وجوده حتى المرض. فما بالك بطفل وحيد قابع في أحراش ذاته. لم يلتفت إليه أحد، ولم يره أحد، انشغل الجميع بالقشرة وتركوه خائفًا وجائعًا ومرتعشًا في الظلام. من  حق هذا المنسي المهجور أن ينتقم من القشرة التي حجبت عنه الطعام والدفء ويشوهها بالتبول والتبرز وفعل مالا يُطاق.

في مقابل هذه القصة لدينا نموذج أشهر للجمال وهو يوسف عليه السلام. كان يوسف قد خاض تجربة الجب منذ طفولته عندما غار منه إخوته ورموه في جب على الطريق.. لعله رأى ظلامه الداخلي أيضاً لذلك لم تشغله قشرة الجمال الباهرة عن داخله وعندما صار شابًا يافعًا وفتن نساء قريته لم يقع في غوايتهن قال: “رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه” وكان مؤهلًا ليستفيد من المعاناة.. فزادته ظلمة السجن بصيرة على بصيرته، نعم أنا عشت ظلامي الداخلي عندما وقعت في الموت فأبصرت ذاتي.

المعاناة تزيد الانسان صلابة إن لم تكن لخدمة تضخمه الذاتي، أما إن كانت في هذا الإطار فسوف تفتك به في يوم ما.

هناك حالات من التضخم والسمو فعلت بأصحابها ما هو أخطر من ذلك. أخبرني الدكتور يحيي جعفر، هذا الرجل الذي أدهشني بتحليلاته العميقة وقدرته على الوصول إلى جذر كل شخصية أقدمها له في برنامجي “على ضفاف الحياة” ذلك الرجل الذي علمني كثيرًا وصحح لي خطيئة تصوراتي عن العالم ووضع رجلي على الأرض لأعيش كإنسان.. إنه معلمي الروحي، سوف أسميه في بقية الكتاب بالمعلم الروحي.

 أخبرني عن رجل أعمال عاش حياته بهذا التصور المتضخم عن ذاته وظل يسعى لتكوين إمبراطورية تليق بتصوراته وعندما أنجزها.. دمرها عن آخرها.

إن ما يحدث للأفراد يحدث أيضًا للجماعات عندما تتحول الجماعة إلى (جيتو) فتنغلق وتميز نفسها وتشعر بالاختلاف.

في السنة التي حكم فيها الإخوان المسلمون مصر، وبعد أن وصلوا إلى ما سعوا إليه عبر ثمانين عاماً.. دمروا أنفسهم بأنفسهم. ذلك التصور الذهني الذي عاشوا به وأنهِكوا من أجله، ذلك الكفاح المرير الذي خاضوه.. لم يغذ إنسانيتهم ولم يشبعها مع أن الشقاء على الأرض يغذي البشر ويملؤهم بالحياة إلا أن ذلك الشقاء عندما يكون لحساب التصورات والتي تصل بأفرادها إلى الشعور بالتميز والاختلاف يُفقر إنسانيتهم ويُنهكها ثم يكون الحساب.. يخرج الانسان المنسي لينتقم لما وصل إليه من إنهاك وجوع على يد أصحابه.. يدمر كل ما أنجزوه، لحساب ذلك التضخم الذاتي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.