الجانب الآخر

الجانب الآخر

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان كاسبار ديفيد فريدريش

على سطح البيت كنت ألهو مع وجوه صنعتها من طين، وكنت أتابع جدي وجدتي، فلما قامت جدتي، أدركت بإحساس طفل الخامسة، أنها تستعد للخروج، بسرعة تركت السطح والوجوه، ونزلت. كانت الشُّقة في يدها، لم تطوها بعد، والكيس ملقي بالقرب من قدميها، فاندفعت إليها، أحطتُ ساقيها بذراعي، فأبعدتني، فشرعت في الصراخ، وركل الأرض بقدمي، استقبلت تصرفاتي بوجه محايد، وهمت بمغادرة المكان، طالبة النجدة من جدي المشغول بجدل حباله.

طفل صغير بين جد يكن له كل الحب، وجدة ما زالت تعطف عليه عطف عابر على سائل مد يده، لأنه بعد أن جاء بدقائق، رحلت أمه، وخلاصه بداخلها، ربما يكون التصور به قدر من الخطأ، لكنه تغير بعد هذا اليوم.

قالت لي وهي تشير إلى مكان جلوس جدي:

ـ اقعدْ هنا!

قبل هذا اليوم، كنت أراقبها وهي تخرج، بدون صوت أودعها، وأظل أنتظرها، أحيانا كثيرة أغفو بجوار جدي على المصطبة، وفي الصباح تعطيني نصيبي من كعك، وفاكهة.

أما تلك المرة  فكانت مختلفة أظن أنني كنت أود التشبه بعيال كانوا يمرون من أمام بيت جدي، يأتون من بيوت متناثرة بينالحقول، يقف بعضهم  أمام البيت، ويطلبون الماء، لسد عطش الصغار، كنت أجري وأغرفه، وأعود وعيني على اليد الصغيرة الغائبة في قبضة أخري كبيرة، أمد الكوب وأقف غير بعيد، أراقب اليد الكبيرة وهي تقرب الكوب بهدوء من فم الصغير، بسعادة يرتشف الماء، وبعد أن يفرغ، تبدأ نفس اليد بمسح ما تسرب من ماء على جانبي فمه، أو هدومه.

جاهد جدي بابتسامة اتسعت، فغيرت من ملامح وجهه، اتبعها بقوله:

ـ تعال يا واد الشقة.

جلست بجواره، وانهمكت جدتي بلف الشقة حول جسدها، ولما بدأت بالتحرك دفعني، فانتبهت إليّ، ولم تتكلم، ومضينا نقطع المسافة بين الحقول وبيوت البلدة. وحينما اقتربنا من البيت المقصود، قام الرجال من فوق الدكك ليرحبوا بها، صنعوا بيني وبينها سدا، شقته ومدت يدها إليّ، وقبضت على ذراعي، قبضتها استخلصت آهة واحدة. بعدها استجمع الصغير قواه للتحرر من قبضتها، حركة لم تعجبها فزادت من قبضتها، وجذبته نحوها وأوصته أن يكون قريبا منها، ولم تتركه إلا بداخل البيت حين أسلمته لجدار قائلة:

ـ اقعد هنا!

رضخ الصغير لكلام جدتي والتصق بالجدار، وظل في مكانه لا يغادره، منصتا لصوتها وهي تردد أغنيات التحنين، التي تدور حول شرف زيارة بيت الله الحرام، والروضة الشريفة.. مع إنصاته، كان يصنع لنفسه تسليتها من أشياء كانت متاحة أمامه،وقتها كانت قطع البوص، قشرتها، وصنعت من قطعها الداخلية عرائس وجمال، وحزنت يومها، لأنني رغبت في تشكيل وجوه لرجال، فكرة لم تكتمل لأنني لم أعرف الطريقة.

بعد تلك المحاولات لصنع تسليتي الخاصة، عدت إليها، وجدتها في منتصف حلقة من النسوة، حبات العرق معلقة على جبينها المشرق والمزدان بدق دائري أخضر، تبدو الحبات أكثر حضوراً حول العينين، وفوق الوجنتين، تتجمع الحبات في خطوط تمتد على وجهها الأسمر، هي لا تهتم بما يدور، شغلها الشاغل وضعته في جعل النسوة في حالة من حالات الغياب، وأنا كنت كذلك لكن في دنيا أخري.

بعد ساعات تكون عودتنا، أسير بجوارها، بيننا مساحة ما، كانت كافية لإقامة سد من الصمت، نجحت آهة خرجت مني في هدمه، فمدت يدها، ولقفت يدي في حضن يدها، وكان الحلم..

الطريق كان معتما، من حولنا تتردد أصوات كثيرة ما بين نباح لكلاب شاردة بين الحقول، ونقيق لضفادع قريبة منا تسكن بطون قنوات الماء، كنت أشعر بها قريبة، رغم العتمة، لكنها كانت مزعجة لأجساد منهكة، هي في أصل الوجود المبصر أشجار سنط تنمو على طول السكة المتربة، الخطوات ـ دائما ـ بعيدة عنها، في الجانب الآخر من الطريق، تجنبا لشوك قد يخترق بطن القدم بقسوة شديدة بسبب قصره وصلابته.

في ذلك اليوم، ما كنت أهرب منه كان في انتظاري، شعرت به، فأطلقت آهة احتضنها الخلاء، فغطت على عواء الكلاب ونقيق الضفادع، بعدها وقفت على قدم واحدة بينما الموجوعة مرفوعة، في وضع المستعد للعب الحجلة، فالشوكة اخترقت الحذاء، ووصلت لبطن القدم، فغاصت فيها..

الصرخة نتج عنها هلع صادق من الجدة، صاحت:

ـ ما لك؟

لهجتها دفعته إلى اختصار مسافة كانت بينه وبين جدتي، والتصق بها. لأول مرة أحس الطفل الصغير بقشعريرة تسري في بدنه، تضاعفت حينما شرعت اليد الملهوفة بتحسس قدمه. وضع بث الاختلال في جسدي، فكدت أفقد الاتزان فملت واستندت على ظهرها بيدي، لحظات وتبينت فداحة الخطر، شهقت:

ـ يا رب سلم.

تحركت، فأمرتني: اصبر!

وراحت تختار الوضع المناسب لنزع الشوكة، وقتها كانت دموعي تنهمر في صمت، لتبلل ظهرها، وثمة ماء كان يتساقط على أجزاء من ساقي العاريتين، حتى الآن، الحيرة تقتلني، أهي منها، أم مني؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.