أنوار التنيب
اللوحة: الفنان الألماني هانز أدولف بولر
أبي العزيز.. بعد التحية
اعذرني.. لم أود أن أضع العائلة في هذا الموقف المحرج، إذ تركتكم في يوم حفل زفاف أختي دون أن أبارك لها زواجها، وحزمت حقيبتي مغادرا دون تذكرة للعودة.
سامحني أرجوك يا أبي.. إنه فعل غير منطقي قمت به اليوم، لم أكن قد خططت له سابقا، وإن كانت تعتريني منذ فترة أفكار سوداوية حاولت جاهدا التغلب عليها، تعلم أنني ومنذ فترة لم أكن أتعامل مع الأمور بشكل طبيعي، وردود فعلي على المواقف بدت عنيفة، غير أنني أصبحت منطويا على نفسي، تائها هائما بأفكاري، وهذا ما لا أحبه لنفسي، كل شيء بي تغير وتبدل، حتى أنني أتساءل هل أنا هو أنا؟ !
منذ فترة وأنا أريد أن أفصح لك عما في قلبي، وعن هموم وأفكار تراودني دائما وتقلب مزاجي بلمح البصر، لم أستطع التغلب على الشعور بالذنب الذي يلازمني منذ أكثر من ثلاث سنوات، شيء من الحسرة يقتات من روحي، منذ عدت من الحرب، أعلم أنك تشعر بغرابة تصرفاتي أحيانا وتلاحظ غضبي من أبسط الأشياء، ولكنك لم تسألني عن السبب وكأنك تعرف الإجابة، لأنك كنت أول من دفعني بشدة للالتحاق بالجيش والسفر إلى تلك الدولة البائسة للدفاع عن الحق وعودة الشرعية الدولية ونشر السلام، وكنت متحمسا كأي شاب يحلم بحمل علم بلاده عاليا خفاقا على كتفه، ولكنني ومنذ وطأت قدمي ذلك البلد الفقير المعدم، وأنا أخجل من كل شعور بالكبرياء خالجني، وكنت كلما أنشدت مع الجنود السلام الوطني، أتمعن بكلمات كتبت بعناية عن الخير والسلام والمحبة ولكنني لم أجدها فيما نفعله مع هؤلاء الناس العزل، وأتساءل لماذا نحن هنا؟.. فهم يقاتلوننا لأننا جئنا بلادهم واحتللناها بالسلاح واستولينا على خيراتها وحرمناهم من الحرية، وليس بقصد حمايتهم ومساعدتهم كما يدعي الإعلام ويكررها..!
لماذا نحن هنا؟.. فهم لم يأتوا لبلادنا ولم يعتدوا على شعبنا؟ بل نحن فعلنا ذلك وأكثر مما تتصوره عقولكم! .. لقد قتلنا كل شاب يحمل سلاحا يدافع عن بلده.. ألا يحق لهم ذلك؟.. فنحن المعتدون يا أبي وليس هم؟.. حتى الشيبان لم يسلموا من رصاصاتنا، وأذكر ذلك الرجل المسن الذي كان يقف أمام باب منزله وطلبنا منه الدخول بحجة حظر التجوال، وعندما رفض صب زميلي عليه الرصاص وتركه مضرجا بدمه، وعندما عارضت فعله قال لي: لا عليك.. فهؤلاء المسنون هم الرأس المدبر، فهم من يحثون الشباب على قتلنا.
لم يشعر بتأنيب الضمير، وهو يسمع ابنه يصرخ “أبي .. أبي “
بل أشعل سيجارته وقال: هيا لنبحث عن آخر !
لم أكن أعرف يا أبي أن الإنسانية تمحى من الإنسان إلا في الحرب، يمكنك أن ترى مجرد أجساد بلا روح ووجوه ممسوخة باردة المشاعر، لماذا نملأ السجون بهم؟ لماذا نقوم بتعذيبهم؟ نحن نعرف أن هذا الألم الشديد الذي نوقعه بهم لن يتحمله أحدنا، فلماذا نظهر أمامهم قوة وهمية ونتظاهر بأننا خلقنا بأجسام فولاذية؟ فلو وقع أحدنا بشركهم لن يفلت منهم أبدا!.. هذه الحرب يا أبي كانت مجرد خدعة، لقد أوهموكم بأننا نعيش حالة انتصار، وإننا مسيطرون على الأوضاع، وإننا حققنا السلام المنشود، ولكننا لا نتردد عن قصف منزل بمجرد الشك أن من يسكن بداخله من أفراد المقاومة الوطنية، هذه الحرب كانت غير متكافئة، قنابل ورشاشات ومواد سامة وقاتلة، أمام بنادق وأسلحة بسيطة، ولكن هذا لا يعني أن لا يموت أحدنا بقنبلة بدائية زرعها أحدهم، للنيل من ظلمنا وظلامنا الذي نشرناه على بلادهم، هذه الحرب كانت وصمة عار.. عندما يختلف الكبار لماذا يتركون الشعوب تتقاتل؟.. جراح الحروب لا تندمل حتى لو تصالح الحكام، كيف ستنسى الشعوب ما قاست؟.. ولم نطلب منها النسيان؟.. ما دمرناه بهم لا يمكن أن يمحى من الذاكرة؟!
ونحن.. كيف نرد الأرواح لمن قتلناهم؟ ومن سعيد بناء بيوت قصفناها؟ ومن يرد للأسير كرامته التي انتهكناها؟ والنساء اللاتي دنسنا أجسادهن من يعوض لهن عفتهن؟ ..
الحرب التي شاركت بها يا أبي جريمة بكل ما تحمله من معنى، وكنت أود أن أنقل لك كل ذلك برسالة عندما كنت هناك، ولكنني أدري أن رسائل مثل هذه لن تصل إليك وستعرضني للخطر، ولا أريد أن تخذل أو تعتقد بأنني جبان، وأنت الذي توسمت بي الشجاعة، وأعذرك.. لأنك لا تعرف ما الذي كان يجري هناك.. وأن على كل جندي أن يترك انسانيته في بلده ويتعامل مع هؤلاء “الأعداء” كما يطلقون عليهم من دون إنسانية أو ضمير، لذا آثرت أن أنتظر حتى تنتهي الحرب وأعود مع الجنود إلى وطننا..
وفي اليوم الذي عدت به حيث الناس تستقبلنا بالورود.. والقائد يلبسنا شارات البطولة، أقسم لك بأنني تمنيت لو قذفنا الناس بالحجارة، فرائحتنا لا يحملها إلا مجرمون أمثالنا، وشارات البطولة ليست سوى شارات عار على جبيننا، لا علاقة لها بالسلام ولا الحرية.
سامحني يا أبي ..
كل يوم أرى به أختي وهي تستعد لزواجها وأنت تشاطرها فرحتها الكبرى، أتخيل الفتيات البريئات اللاتي وقعن تحت أيدينا وأفسدنا عليهن حياتهن، وأتذكر الآباء الذين حرمناهم رؤية أبنائهم وهم يحققون أحلامهم المستقبلية، كنا مجرمين حقا، ولا يحق للمجرم العيش إلا في دمار وعار، وكان الأولى أن نقتل أنفسنا قبل أن نعود إليكم بنفوس فاسدة.. ولكن نأمل بأن يغفر لنا ربنا بهذا الندم الذي يلاحقنا إلى نهاية حياتنا.
بلغ أختي سلامي وأمنياتي لها بالتوفيق .
وداعا يا أبي
توقيع:
ابنك البائس