ماذا يخفي غطاء الثلج؟

ماذا يخفي غطاء الثلج؟

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الروسي إيفان شيشكين

في الغرفة رقم (10)، كان الشّابّ متمدّدًا على الفراش ساكنًا سكون اللّيل.

  • “نوبة اختلاج قصيرة يا دكتور، حبّذا لو كانت أطول لكنت شهدتها، وكنّا عرفنا على الأقلّ ماذا يحدث مع ابني”، قالت والدة الشّابّ بأسًى، هذا أسبوعهم الثّاني في المستشفى على التّوالي، ونتائج كلّ التخاطيط والصّور سليمة وما من تفسيرٍ للاختلاجات.
  •  دكتور، هل نستطيع أن نضعه في غرفة التخطيط مع الكاميرا لبضعة ليالٍ أخرى، قد تعبنا حقًّا ونحن لم نعلم ممّا يعاني.
  • “أنا أفهم قلقك يا سيّدتي، ولكنّ الغرفة حاليًّا فيها مريضٌ حتّى نهاية الأسبوع” أجابها وهو يفحص الشاب بعد الاختلاج الذي أصابه.. “ولكن كلّ فحوصاته سليمة وليس هناك من تفسير عضويٍّ لما يصيبه من اختلاجات”

 توقّف عن الكلام برهةً ريثما يضع سمّاعته ويفحص القلب والرّئتين، ثم أردف: “فحصه سليمٌ يا سيّدتي لا تقلقي، ها هو بدأ يستيقظ”

  •      “ما الذي يحدث”؟ قال الشّابّ بصوت بطيء ثقيل الوقع.
  •        “كيف تشعر الآن يا ولدي”؟ سألته أمّه وهي تحتضنه. 
  •        “لا أدري، إنّه نفس الدّوار المزعج والإحساس الغريب، وكأنني أسكن جسدًا غير جسدي”
  •        “حاول أن تخبرني ما الذي شعرت به قبل حدوث النّوبة”؟ سأله بهدوء كمن يحاول طمأنته.
  •        “لا شيء، لا أذكر شيئًا”، صمت هنيهةً ورفع عينيه إلى الطّبيب، “دكتور أخبرني الحقيقة، هل سأموت”؟
  •        “من أين أتتك هذه الخاطرة الغريبة”؟ أجابه الطبيب ضاحكًا، “أنت بألف خير، كلّ فحوصاتك سليمة، سوف نجد حلًّا فلا تقلق، خاصة وأنّ هذه الحالة تصيبك دومًا في وجود أحد قربك ليسعفك، وهذا يطمئننا أنّ حالتك بسيطة، وبالأخصّ أنّها لا تصيبك ليلًا، ولم تصبك خلال إجراء الفحوصات”.
  • وماذا إذا أصابتني الحالة ليلًا؟ ماذا سيحدث لي؟
  • لن تصيبك خلال اللّيل، وإن أصابتك فلا تقلق، أنت الآن في المستشفى محاطٌ بكلّ الطّاقم الطّبيّ، حتّى أنا سأقضي الليلة هنا بسبب العاصفة.
  • وجودك هنا يطمئنني جدًّا يا دكتور، أكمل الشّاب بصوتٍ هادئ.

شدّ على كتف المريض مشجّعًا وعاد ليكمل جولته.

  • “هل أنت حقًا مطمئنٌّ يا دكتور”؟ سألته الوالدة وهي ترافقه خارج الغرفة بعيدًا عن مسامع ابنها.
  • سيّدتي علينا أن ننظر إلى حالة ابنك من كلّ النّواحي آخذين في الاعتبار كلّ الاحتمالات.

 كان صوته هادئًا ورصينًا قدر المستطاع في محاولة لتخفيف وطأة الحديث الّذي سيلقيه عليها.. “لا تنسي يا سيّدتي أنّ العوارض بدأت بعد وفاة والده وتراجعه الدّراسي الحادّ”.

  • “أعرف ما تقصد يا دكتور، وأحد زملائك اقترح احتمال وجود حالةٍ نفسيّة، ولكنّ ابني ليس مجنونًا، يستحيل أن يتظاهر بالمرض فقط ليتسبّب لي ولنفسه بالأذى، إنّه طفلٌ صالحٌ ولا يعقل أن يقوم بعاقبتي ومعاقبة نفسه هكذا”.
  • سيّدتي المرض ليس جنونًا، والأمراض النّفسيّة ليست شاذة عن الفيزيولوجيا البشريّة، وردود الفعل للجسم البشريّ قد تتّخذ أبعادًا غير متوقّعة، وليس بالمستغرب أن تأخذ الحالة النّفسيّة شكل مرضٍ بيولوجيًّ مألوف، ولكن يجب أن نتأكّد كلّيًّا من ذلك قبل أن نمتنع عن إعطاء أدوية الصّرع.
  • شكرًا دكتور، أعذرني، عليّ أن أعود لأعتني بابني.

قد أضاع هذا المريض وقتًا طويلًا في هذه الغرفة، كان عليه أن يستخدم طرقًا غير تقليديّةٍ ليتمّم التّشخيص، ويطلق سراح هذا المريض، فعلاجه ليس حبّة دواء.

  • “كانت جولةً هادئةً اليوم ما عدا مريض الغرفة العاشرة”، قالت الممرّضة التي بدأ إرهاق الليلة الماضية يظهر عليها، “مسكين هذا المريض وفي هذا العمر الفتيّ”.
  •        “أخبريني يا آنستي، هل لدينا أيّ محلول يحتوي على أنيونات الكلوريد في مخزون الطّابق”؟ سألها على مهل.
  •        “حبّذا لو تعطيني اسم المركّب التّجاري يا دكتور حتّى أراجع محتوى الصيدليّة” أجابت وهي تمسك قلمها مستعدّةً لأخذ الملاحظة.
  •        “أنيونات الكلوريد الصّوديّة مثلًا”.
  •        “تعني مصل الملح العاديّ بنسبة تسعة بالمئة يا دكتور”؟ سألته مندهشة من استعماله هذا التّعبير المتفلسف على غير عادته. 
  •        “صحيح ولكن غدًّا عند الفجر لن أطلب منك تحضير حقنة من الماء المالح ولكن سأطلب منك تحضير حقنةٍ من محلول أنيونات الكلوريد الصّوديّة”.
  •        “ليست المرّة الأولى التي تتحفنا فيها بطلباتك الغريبة ولكن كما تريد يا دكتور”  أجابت ضاحكةً وإن غاب عنها مغزى الدّعابة.

***

العاصفة بدأت تهدأ، أمضى بعد الظّهر وهو ينهي التّخاطيط المتراكمة عليه، ومن فترةٍ لأخرى كان يريح نظره من عبء الشّاشة المضيئة فيسرّحه على واجهة المختبر الزّجاجيّة المطلّة على الحديقة. حتّى في مساحة الحديقة الضّيّقة كان الثّلج بهيًّا إلى حدٍّ يريح البصر، جرعة صغيرةٌ تكفيه حتّى يعود ويعاين ثلوج لبنان.

الشّمس تقارب المغيب، العاصفة بدأت تهدأ، عيناه تعبتان من التّحديق بالشّاشات الثّلاث، أطفأ الأجهزة في المختبر وتوجّه إلى الطّابق الأعلى. كان المرضى معظمهم يتنزّهون خارج غرفهم ويراقبون الحديقة المحظورة عليهم اليوم. 

يقف الشّاب صامتًا؛ يراقب ما خلف زجاج الشّبّاك بحزن.

  • “أرى أنّك تعافيت من اختلاج الظُّهر”، بادره مبتسمًا.
  •  “نعم أنا أفضل، شكرًا يا دكتور” أجابه بصوتٍ حزين.
  • هل تحبّ منظر الثّلج؟
  • هومن الخارج جميلٌ ولكنّ ألوان الحديقة أجمل، أحلى، أغنى، بجمال الحقيقة والحقيقة لا ترتدي رداءً بلونٍ واحدٍ.
  • كلامك جميلٌ وصحيح يشبه حالتك شيئًا ما.
  • كيف ذلك يا دكتور؟
  • حالتك مثلًا تلبس رداءً قد يخفي تحته عدّة أشكال من المرض، قد تكون مثلًا مجرّد حالة صرعٍ حميد تشفى بسهولة.
  • حقًّا يا دكتور، وكيف تميّزون هذه الحالات من سواها؟
  • هي حالات تكون فيها كلّ الفحوصات سليمة، ويصاب المريض باختلاجات طوال اليوم، ونادرًا ما تصيب المريض عند الصّباح الباكر، وتستجيب لعلاج بالحقن الخاصّة وهذه من أبسط الحالات.
  • أنا أظنّ أنّ حالتي معقّدة جدًّا.
  • تذكّر ما قلت لي منذ قليل، لا تعلم ماذا يخفي غطاء من الثّلج، أجابه مبتسمًا وهو يبتعد عنه على مهل. 

كان العشاء بسيطًا ذاك المساء، قام بعده بجولةٍ تفقّديّةٍ على المرضى، واطمأنّ أنّ احتمال المفاجآت الليليّة قليل جدًّا، ثم توجّه إلى غرفته.

لم يضبط منبّه هاتفه هذا المساء، فهو في المستشفى يستحيل إذن أن يتأخّر عن العمل، ولم يجد صعوبة في النّوم؛ فليالي الشّتاء دومًا دافئة.

إنتزعه صوت هاتف الغرفة القديم، وطالعه صوت الممرّضة “عذرًا يا دكتور على الإزعاج ولكنّ مريض الغرفة العاشرة يصاب باختلاج وأظنّ أنّك تريد أن تعاين هذا العارض”.

  • طبعًا طبعًا أنا قادم.

إنّها الخامسة والنّصف فجرًا، انتعل حذاءه وهرول إلى الغرفة العاشرة.

كان المريض يتخبّط في سريره، حركاته غير متناسقة، تارةً يلوّح بيديه يرفعهما يخفضهما، ثمّ ينفض ساقيه ويصدر صوتًا غريبًا حركاته ليست رتيبةً، وتشنّجات عضلاته ليست منتظمةً، عشوائيّة هذا الاختلاج ليست عشوائيّةً، هذا ليس اختلاجًا كهربائيًّا.

  • “دكتور أرجوك افعل شيئًا؛ فقد طال به الأمر على تلك الحال، لقد مضى عليه أكثر من خمس دقائق، ولم يحدث أن ظل  فترة طّويلة مثل هذه قبل الآن”، صرخت الأمّ منتحبةً
  • “لا تخافي يا سيّدتي، سأعطيه دواءً يهدّئ اختلاجه مباشرةً”..  طمأنها قبل أن يستدير نحو الممرّضة “أنستي هل تتفضّلين وتحضري حقنة من أنيونات الكلوريد الصّوديّة بسرعة من فضلك”.

أخذ الاختلاج يزداد حدّة، أطراف المريض تتخبّط أكثر وأكثر، الحشرجة والأنين يتزايدان، أخذ المريض ينتفض أكثر وأكثر، ولكنّ دقّات القلب والأوكسيجين كانت في الحدود السّليمة.

  • الحقنة جاهزةٌ يا دكتور.
  • “أعطيني إيّاها، سأحقنها على مهلٍ وبطريقتي الخاصّة” وتناول الحقنة من الممرّضة.. هذا دواء قويّ يا سيّدتي سوف نرى تجاوب ابنك معه، عسى أن يكون مطابقًا لحالته “قال وهو ينظر إلى الوالدة القلقة بينما كان يحقن الدواء في مجرى المصل”.. الدّواء بدأ يصل إلى جسمه، الآن سيبدأ بالهدوء، جسده سيتجاوب مع الدّواء ببطء”.

هدأت حركات المريض تدريجيًّا، توقّفت رقصات أطرافه العشوائيّة، عاد انتظام تنفسّه واستكانت حركات جسده. 

فتح عينيه ونظر نحو الشّبّاك، السّماء صافيةٌ والضوء الأزرق يتسلّل من خلف الجبال المكسوّة بالبياض النّاصع، إنّها شمس الصّباح.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s