لحظة مضطربة

لحظة مضطربة

وليد الزهيري

اللوحة: الفنان الأكراني إيفان إيفازوفسكي

استيقظت من سباتي على ضجيج متسللاً من شرفتي في ساعات باكرة من الصباح، وضعت وسادة فوق رأسي متأففًا من صخبهم بالرغم من إنني سكان الطابق الخامس، استدعيت قدر من لحظات النوم الهانئة محاولاً انشغالي بأشياء غير تلك التي تضج مسامعي إلى أن دخل مسرح الأحداث زمجرة جرافة أجهزت بالضربة القاضية على محاولاتي اليائسة.

فتحت باب الشرفة الزجاجي ومن واره الشيش، حتى رأيت ما أخذ بلبابي، أوشك العمال على الانتهاء من حفرهم لدائرة عميقة حولها كشفت عن عورتها المتوارية بقاع الأرض، دونما أن يستر اياً من الواقفين جذورها.

تقدم سائق الجرافة بدم بارد، رفع شوكته نحو جزعها محاولاً اغتصابها ليجبرها على الانحناء، دفع نخلة مدرستي الإبتدائية العملاقة يميناً ويساراً وهي تقاومه، حاول مراراً وتكراراً إلى أن خارت قواها، وكانت لحظة السقوط.. شرد ذهني في تلك اللحظة المضطربة بين هبوطها من عليائها نحو الهاوية.

تذكرت أول لقاء بيني وبينها، حينما كنت طفلًا وحيدًا يتحسس محيطه الخارجي لأول مرة محاولاً إدراكه بمدرسته الابتدائية المجاورة لبيتي. كانت نخلة مدرستي ممشوقة القد تاج يزين حديقتها، القاها كل يوم عند مدخل المدرسة مبتسمة بهية، وفي نهاية اليوم الدراسي متمايلة بأفرعها ودودة حانية، توطدت علاقتي بها ولم تخذلني يوماً ما.. أصبحت ملجئي أتوارى بجسدي النحيل خلف لحمها ونحن نلعب “الاستغماية” أو عندما أفر من أحدهم وألوذ بها مراوغاً.

كنت أختصها بالرعاية في حصة التربية الزراعة مطبقاً عليها معلوماتي الضحلة وأنا في العاشرة، مقدراً تحملها لجهلي العابث بها. ذهبت فتيات فصلي في أحد أيامي الدراسية إلى حصة التدبير المنزلي، ونحن إلى التربية الزراعية، استجمعت شجاعتي وأنا في حضرتها موجهاً سؤالي إلى مدرس التربية الزراعية:

ـ حضرتك اللي زرعت النخلة دي يا أستاذ؟

أبتسم ساخراً:

ـ لأ طبعاً.

تماديت في سذاجتي غير مبالي بهمزات زملائي:

ـ مين اللي زرعها؟

صمت بعض الوقت، طالباً منا الجلوس متحلقين حولها، واتكأ بساعده عليها:

ـ ممكن أقولكم حكايتها، بس هتفهموا كلامي؟

أبديت تفهمي لما سيقول، وهززت رأسي بين أقراني مبدياً تجاوزًا لسنواتي العشر:

ـ أيوة يا أستاذ.

ـ على أي حال هحكي لكم، فهمتوا ولا مفهمتوش مش مهم:

مشيراً نحوي بإبهامه:

ـ بس أنا متأكد إنك هتفهم، لأن من يسأل سؤال قادر على تحمل الإجابة:

ـ زمان قبل ما تتولدوا كلكم، كان القصر ده بتاع واحد من النبلاء:

نظر لأفواهنا الشاغرة:

ـ واحد باشا من اللي بتشوفوهم في الافلام الأبيض واسود وهو نازل على السلم ولابس روب، أيامها كان فيه ملك، وبعد “ثورة إنجي وعلي” الي حصلت في 23 يوليو في فيلم “رد قلبي“.

ارتسمت على وجوهنا علامات النجابة:

ـ آآآآآآه.

ـ القصر هو المدرسة اللي لماكو دلوقت بعد حاجة اسمها قوانين يوليو الاشتراكية.

بلغ الغباء بنا مبلغه، وكسر حاجز الصمت جرس نهاية الحصة، أشار بكفه نحونا بالنهوض، متابعاً حديثه:

ـ أكمل لكم بعدين.

ولم يُكمل.. ولم أكمل، واحتفظت بتلك العلاقة الحميمة الخافتة بين وبينها، جذبت السنون كل منا بعيداً عن الآخر. وسافرت مع من سافروا.. وتزوجت مع من تزوجوا.. وأنجبت. سألت حينها عن مدرستي من أجله، وعلمت إنها لم تعد. وأصبحت مبنى مهجورا بعد حكم رفع الحراسات.

عاودني الحنين إلى خليلتي القديمة، كلما وقفت في شرفتي بالطابق الخامس، أطالعها بندِّيّة، جزعها الصلب الممتلئ وأفرع جريدها منطلقة في كل صوب، مطلة على مجد مدرستي الزائل، مطلقة العنان لشعرها يفعل به الهواء ما يشاء.. أدركت حينها أنها كبُرت..وكبِرت.

إلا أن علاقتنا شابها بعض التوتر ولم تعد كتلك التي كانت، أصبح طولها الفارع وخصلاتها المتطايرة تحجب عني رؤية ما ورائها، غير قادر على مشاهدة أول الشارع بسببها، وكلما انحنيت بجزعي خارج شرفتي، تحول بيني وبين ما خلفها.. راسمة بأفرعها ابتسامة ماكرة على محياها.. وكلما سمعت صوت الرعد، أهرول للشرفة متابعًا رياح الشمال تجذبها بعيدًا مشاهداً من خلفها أول الشارع، هكذا أصبحت العلاقة بيننا كر وفر.

وانقضت اللحظة المضطربة بارتطامها بالأرض.. التف العمال حولها مطوقين رقبتها بحبل.. رأيتها تنظر نحوي بخيبة أمل.. تسحلها الجرافة بطول الشارع.. ومضى اليوم ويوم وآخر.. غير قادر على النظر تجاه الفراغ الذي تركته خلفها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.