اللوحة: الفنان البحريني راشد بن خليفة آل خليفة
أصبح مستخدمو الإنترنت –عزيزي القارئ- أشبه بالمجانين.. كيف؟
تخيل أن جد أحدهم القديم نفض عن وجهه تراب الزمن فرأى حفيده يمشي في الشارع وحده، ينقر الهواء بسبابته تارة، ويلعب بأصابعه كالعازف أخرى، ويهز رأسه كالموافق ثالثة، ويتمعّر وجهه كالغاضب أحيانا، أو سمعه يجلجل ضحكه كالفرحان مرات، ألا يقسم هذا الجد -غير حانث- ولو من وجهة نظره أن لُوثة عقلية ضربت حفيده فجأة، فتركته على هذا الوضع المحزن؟
لا يدري الجد الطيب أن حفيده بخير كثير، وأن هذا الحفيد قد يندهش من إفراط جده في الدهشة، وكلاهما محق.
فالمسافة التكنولوجية بين الجد والحفيد، هُوَّة من الاتساع والعمق يستحيل ردمها، فهي إذن الحق الذي صار –عند الجد- أشبه بالباطل، إن لم يكنه!
من تجربتي الشخصية أصدق هذا الجد كثيراً، وأشفق عليه أكثر، فعندما دخل المذياع بيتنا لأول مرة –وكان يستمد الكهرباء من بطارية توشك أن تنقض ظهر العتَّال، فهى تذكرك ببطارية الشاحنات الكبيرة الآن – سمعتْ جدتي أصواتاً تخرج من غرفتنا عالية لمجموعة كبيرة جدا من الناس هم “الكورَس” الذي يردد وراء “محمد عبد الوهاب”، قصيدة الشاعر محمود حسن إسماعيل” يا سماء الشرق” فسألت في دهشة وهى تصك صدرها: تعال يا ولد: أبوك جهز طعاماً يكفي كل هؤلاء الضيوف؟ أين أبوك؟
لم تكن – رحمها الله – تدري يومها ماذا يحدث، ولا صدقت عندما شرحنا، تمامًا كما لا يدري هذا الجد الآن، أن حفيده مندمج حتى أذنيه في حالة اتصال حميمة مع طرف بعيدٍ خلال شبكة “الإنترنت” وأن تكنولوجيا المعلومات والاتصال قد بلغت به حداً، استغنى معه عن البيت وجهاز الكمبيوتر والتوصيلات، والطابعة والسماعات، والفاكس وإتقان اللغات، لم يكن الجد الطيب يدري، بل لا يستطيع أن يدري، أن أمام حفيده شاشة رائعة يستطيع أن يسمع ويرى فيها بالوضوح كله رغم ضجة الطريق، وأن تصل إليه المعلومات مترجمة آلياً، إلى لغته الوطنية، كل هذا الذي يشبه الأحلام وهو حقيقة، يتم بواسطة سماعة الأذن الصغيرة وجهاز الهاتف النقال.
لا يدري الجد الطيب أن كائنا غريبا كأنما ترجل إلينا من عالم الأساطير، اسمه “تكنولوجيا المعلومات” -هذا الكائن ضرب كوكبنا الوديع، فأنتج انفجاراً معرفياً هائلا ربما لا يمكن تصور سرعته إلا بجهاز “الفمتو ثانية” الذي أخذ عليه المصري الشهير “أحمد زويل” جائزة “نوبل” للعلوم، بل إن ذلك الجهاز نفسه، من نواتج هذا الانفجار العظيم، حتى إن بعض الظرفاء ليعبر عن سرعة التطور بقوله: “سبحان الله.. تنام عالماً وتصبح جاهلاً!”
تستطيع –عزيزي القارئ- أن تعذر بسهولة، ذلك الجد الطيب لكن.. كيف تعذر ابنه وحفيده من رجالنا وأبنائنا نحن العرب الآن والمسلمين، وهم ما يزالون يفكرون بعقلية هذا الجد القديم؟ بل كيف تعذر النظم والحكومات التي ما تزال تجعجع حول نظمها التعليمية التي تجاوزها الزمن حتى صارت أشد خطرا من الأمية، لأنها تخدع الشباب عن نفسه، فيزعم القوة فى غير حياء وهو عاجز، ويدعى العلم فى غير أدب، وهو جاهل، فهي في الواقع نظم لا تستطيع أن تتجاوب مع هذا الانفجار العظيم الذي نقل الدنيا وشغل الناس؟
بل كيف تعذر جموع المثقفين والمعلمين والأساتذة، وهم يتمترسون خلف دعوى ” التخصص”، ويقدمون حججاً لا تقنع أحداً، بأنهم مشغولون بأبحاثهم.. الحق أنهم يخفون مشكلة فرغ علماء النفس من تشخيصها، وهي “رُهاب التكنولوجيا” مع أن أطفالهم قد حلوها بالإقبال على هذا الجديد، وتعلموه بمنهج المحاولة والخطأ ومداومة التجريب؟
لا يدري هؤلاء المثقفون والأساتذة، بأنهم يصبحون بتكنولوجيا المعلومات في قلب الأبحاث سرعة وإنجازاً، وأنهم يستطيعون أن يصلوا إلى أعظم المكتبات ويحاوروا أعظم المتخصصين في شتى مجالات المعرفة والعلوم!
إن حل الانعزال في عصر العولمة والإنترنت والانفجار المعرفي، أصبح خطراً يهدد كل شعب إذا أراد الحياة، والمؤسف حقاً، أن تلك الحالة المؤسفة هى نوع من النوم المهلك على الطرق السريعة للمعلومات.. بل هى الحقنة القاتلة التي يعطيها الكثيرون من المثقفين لأسرهم بدعوى الرحمة.
أية رحمة تلك؟ إن أعظم شكل للرحمة بالطفل الآن أن تعطيه “التطعيم” الذي يواجه به الحياة، لا أن تعزله عن الهواء والناس، و”التطعيم” ضد ثورة المعلومات – ولها مخاطر فعلاً – هو مزيد من التوعية والتربية والإشراف على الشباب والمراهقين وعدم تركهم كاليتامى، ولهم آباء ومعلمون ومساجد وجامعات!
أية رحمة –عزيزي القارئ- في انعزال المثقفين والشباب عن فيض معرفي وثقافي يستحيل اختصاره في مثل هذه المساحة الضيقة من الكتابة؟ ومع ذلك فسوف أحاول أن أقدم غيضاً من هذا الفيض، لعله يرد على دعاوي الانكفاء على التخصص بوهم الاكتفاء أو الانشغال، فهم يستطيعون مثلاً:
– أن يجروا البحوث العلمية والأدبية بالانفراد أو مع آخرين من المتخصصين في أنحاء العالم، مما يساعد على تبادل الأفكار ومتابعة الجديد في كل الجامعات.
– أن يتبادلوا الوثائق نصوصاً وصوراً وأصواتاً مع الأفراد والمؤسسات.
– أن يدخلوا المكتبات الكبرى في العالم، ويحصلوا على ما يشاءون.
– أن يوفروا الجهد والوقت والمال للحصول على المعلومات من مصادرها المعتمدة
– أن يعقدوا الاجتماعات ويديروا المناقشات، ويمنحوا الأطروحات الجامعية أجواءها الخاصة ودرجاتها العلمية المحددة، عبر تطبيقات مثل زوم zoom وغيرها على الهواء مباشرة.
وقد يكون من المفيد أن نقدم إليهم هنا على سبيل المثال فقط، عنوان مكتبة “الكونجرس الأمريكي” ذات الأربعين مليوناً من المجلدات www.loc.gov، أو عنوان دار المطبوعات الإسلامية www.msapubli.com، فربما وجد هؤلاء المنعزلون عند جهينة الخبر اليقين.
إن أمتنا –عزيزي القارئ- لن يعود لها شكلها الحضاري الأول، إلا بالعلم الذي تكفل به هذا العصر، ولن يعود لها جوهرها الأول، إلا بالأخلاق التي تكفل بها هذا الدين.. أما الانعزال والحذر والخوف، فلم يعد لدي العقلاء شكٌّ، أنه حقنة اللارحمة، التي يقتل بها جهلة الأطباء مرضاهم، بمنتهى الحب.
صح جدا محتاجين نستخدم التكنولوجيا لصالحنا ولتقدمنا
بارك الله لك