التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة.. قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني (2)

التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة.. قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني (2)

اللوحة: الفنان السوري ديلاور عمر

البناء اللغوي للنص وإنتاج الدلالة:

يتكون النص كاملا من سبع عشرة جملة مكتملة الأركان، تتنوَّع بين الجمل الاسمية والجمل الفعلية، وبعض الجمل الاسمية يكون خبرها جملة فعلية، وبعضها يكون خبرها مفردا، ويشتمل النص على ثماني جمل اسمية، هي (دمٌ في الطرقات – قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ – بيتٌ يصيرُ شظايا – الغبارُ الذي جُنَّ واقفٌ في الفضاءِ كشجرةٍ – الشوارعُ مغلقةٌ – السماواتُ موصدةٌ – ولدٌ يركض بين ظلامين – الأبيض الذاهل يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة)

ونلاحظ أن ثلاث من هذه الجمل الاسمية قد جاء الخبر فيها جملة فعلية فعلها مضارع (بيتٌ يصيرُ شظايا – ولدٌ يركض بين ظلامين – الأبيض الذاهل يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة) ، ومن المعروف أن الفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار، بل إن علماء البلاغة يرون “أن الجملة الخبرية المشتملة على فعل مضارع غير مقلوب الزمن إلى الماضي، وغير متعيّن بالأدوات للحال أو للاستقبال، تفيد تجدد حدوث النسبة الحكمية فيها بمقتضى دلالة الفعل المضارع، مع إفادة تتابع تجدُّد الحدوث، سواء أكانت الجملة مثبتة أم منفية، ما لم يصرف عن هذه الدلالة صارف” (عبد الرحمن حسن حنبكة، البلاغة العربية: أسسها وعلومها وفنونها، ص 217) وهذا يعني أن الجمل الاسمية الثلاثة الواردتين في النص قد خالفت من حيث التوجيه البلاغي دلالة الجملة الاسمية المتعارف عليها، وهي دلالة الثبات، وأصبحت هذه الجمل الثلاثة دالة على التجدد والاستمرار من خلال إيراد الفعل المضارع خبرا للجملة، وأن الأحداث التي تم الإخبار بها هي أحداث متجددة متكررة في المكان والزمان اللذين ورد ذكرهما في النص، وأن هذا التجدد دائم دون ملاحظة نهاية، ما لم تدل قرينة عقلية أو لفظية أو نصٌّ صريح عليها، ومن الملاحظ أنه لا توجد قرينة عقلية أو لفظية تدل على انقطاع هذا الاستمرار في الزمن، ولا يوجد نصٌّ صريح على هذا الانقطاع، وهنا يأتي السؤال المشروع: ما الأحداث التي أراد لها النص أن تكون موصوفة بدوام التجدد والاستمرار في الزمان والمكان المحددين؟ الحدث الأول البيت الذي يصير شظايا، وهنا تبدأ المأساة التي سيكون لها ما بعدها؛ لأن البيت هو المأوى، وإذا انهار المأوى فإن القادم أسوأ؛ لأن العراء هو النتيجة الحتمية، وهو ما سوف يأتي في الحدث الثاني وهو ركض الولد بين ظلامين، وهنا يمكن أن نستنتج أن هذا الركض هو ركض الهالع الذي لا يجد طريقا للخلاص؛ فهو يركض بين ظلامين، أي أنه يركض محاطا بظلامين من اليمين ومن اليسار، وقد يحتمل التأويل أنه يركض بين ظلامين أي يفر من ظلام إلى ظلام، ومعنى هذا أن لا خلاص لهذا الولد؛ فهو يخرج من ظلام راكضا ليدخل في ظلام آخر، وهي حالة تشبه العبثية في الحياة؛ فهو هالك لا محالة، إن لم يهلك في الظلام الأول فسوف يهلك في الظلام الثاني، وهذا يعني أن حياته كلها لا نور فيها، أي لا خلاص لها من هذه المأساة التي يعيشها، وهذا يتناسب مع دلالة الاستمرار المفهومة من استخدام الفعل المضارع (يركض) خبرا للجملة الاسمية، أما الحدث الثالث فهو (يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة) واستخدام المضارع دون وجود قرينة عقلية أو لفظية تدل على انقطاع الاستمرار في الزمن يدل على التجدد الذي لا نهاية له، أي تجدد حدوث النسبة الحكمية في الجملة بمقتضى دلالة الفعل المضارع، مع إفادة تتابع تجدُّد الحدوث، أي أننا هنا أمام حالة من القتل المتجدد والمستمر، فإذا ربطنا بين هذه الحالة والحالة السابقة (ولد يركض) يمكن أن نستنتج أن النص أراد أن يوضح لنا أن هذا الولد الذي يركض بين ظلامين سوف تكون النهاية إلى المقبرة، وهذا يعني أن الحياة كانت في ظلام وأن هذا الظلام يقود حتما إلى المقبرة، وأن هذين الحدثين متجددان ومستمران ما لم يكن هناك صارف يصرفهما عن الاستمرار والتجدد، وهنا يمكن ترتيب الأحداث الواردة في النص من خلال ترتيب الجمل الثلاثة التي تحدثنا عنها، ففي البداية صار البيت شظايا، ثم يركض الولد بين ظلامين، ثم تُفْتَح المقبرة، وهو ترتيب منطقي للأحداث، وكذلك استخدام الفعل المضارع خبرا هنا هو استخدام منطقي كذلك؛ لأن الأحداث مترتبة على بعضها، ومن ثم فإن تجدد واستمرار مرتبط بتجدد واستمرار الحدث الذي هو مترتب عليه، أما الجمل الاسمية الأخرى الواردة في النص وليس خبرها جملة فعلية فهي خمس جمل (دمٌ في الطرقات – قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ – الغبارُ الذي جُنَّ واقفٌ في الفضاءِ كشجرةٍ – الشوارعُ مغلقةٌ – السماواتُ موصدةٌ) ويشير البلاغيون إلى أن “الجملة الخبرية الاسمية التي لا يكون خبرها جملة فعلية، تفيد بأصل وضعها الحكمَ بإثبات أو نفي نسبة المسند إلى المسند إليه فقط، دون إفادة حدوث ولا استمرار ولا تجدد، والأصل فيها التحدث بها عند إنشاء الجملة” (عبد الرحمن حسن حنبكة، البلاغة العربية: أسسها وعلومها وفنونها، ص 213) ومعنى ذلك أن هذه الجمل الخمسة التي خبرها ليس جملة فعلية فعلها مضارع لا تدل بأصل وضعها إلا على إثبات النسبة بين المسند والمسند إليه اللذين هما ركنا الجملة الاسمية دون إفادة التجدد والاستمرار، وهذا يعني أن دلالة هذه الجملة الثبات، وإذا عرفنا أنه لا يوجد قرينة عقلية أو لفظية تدل على إرادة الحال، أو الاستقبال، أو الاستمرار فإن الثبات هو الدلالة المهيمنة على أحداث هذه الجملة، ومن ثم يكون الدم الذي في الطرقات وجوده ثابت، وكذلك القناديل التي هي للقتل مرفوعة، والغبار الذي يملأ المكان كأنه شجرة، والشوارع المغلقة، والسماوات الموصدة، كلها حالات ثابتة، أي أنها علامات ثابتة لا تغيّر فيها.

فإذا انتقلنا إلى الجمل الفعلية الواردة في النص فسوف نجدها ثلاث عشرة جملة فعلية، هي (يصير شظايا – جُنَّ الغبارُ – مَرَّ الوطن – يتأخَّر الموت هذا المساء – لا يجيء – يظل الموتى …. – يئنُّون في طوابير القيامة – ليس في أرضنا قتلٌ – يركض بين ظلامين – اتركه – لا تلقنه المحبة – اتركه – يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة) تتنوع أفعالها من حيث الزمن، ومن حيث الإثبات والنفي والطلب، فمن حيث الزمن منها ثماني جمل فعلها مضارع، (يصير شظايا – يتأخَّر الموت هذا المساء – لا يجيء – يظل الموتى – يئنُّون في طوابير القيامة – يركض بين ظلامين – لا تلقنه المحبة – يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة) وثلاث جمل فعلها ماض (جُنَّ الغبار – مرَّ الوطن – ليس في أرضنا قتلٌ) وجملتان فعلهما أمر (اتركه – اتركه) ومعنى ذلك أن دلالة الفعل المضارع تسيطر على الدلالة في الجملة الفعلية، وإذا عرفنا أن الفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار فإننا نستنتج أن حالة التجدد والاستمرار للأحداث الواردة في الجمل الفعلية التي فعلها مضارع هي الحالة المهيمنة، وعندما نتأمل أحداث الجمل الفعلية التي فعلها مضارع والتي تحمل دلالة الاستمرار فسوف نجدها أحداثا مأساوية تحمل كل معاني التدمير؛ فالبيت يصير شظايا وهي دلالة على التدمير، والبيت دال على المأوى وقد صار شظايا وهذا يعني أن العراء هو الملاذ في هذه الحالة، والموتى يئنون وهي حالة سلبية أيضا، والولد يركض بين ظلامين، وهي حالة سلبية، وإذا بدا أنه من الممكن أن توجد حالة أو حدث له دلالة إيجابية إلى حد ما فإن النص يخلخل هذه الإيجابية بما يشكِّك في حدوثها، وقد بدا ذلك في جملة (يتأخر الموت هذا المساء) فإن تأخير الموت يحمل بصيصا من الإيجابية، ولكن النص لا يترك هذه الإيجابية تتمدد في النفس؛ إذ يستخدم حرف (قد) الدال على الاحتمالية التي تؤدي إلى التشكك وعدم اليقين؛ لأن الصور المهيمنة هي صور سلبية، ومن ثم فإن النفس تميل إلى الشك في إمكانية حدوث تأخُّر للموت، وعندما يأتي الفعل المضارع التالي حاملا إيجابية ما حتى مع استخدام الحرف (قد) فإنه يؤدي إلى سلبية أكبر وعذاب مقيم؛ إذ يقول النص (قد يتأخر الموت هذا المساء، وقد لا يجيء) فجملة (قد لا يجيء) من الممكن أن تدل على بصيص أمل، ولكن النص لا يترك المتلقي تكتمل معه هذه الحالة من الأمل؛ إذ يكون عدم مجيء الموت أشد وقعا من مجيئه، وفي هذه الحالة يتمنون أن يأتي الموت؛ لأنه أهون من غيابه؛ ذلك أن تأخر الموت أو عدم مجيئه سوف ينتج عنه أن يظل الموتى يئنُّون في طوابير القيامة، والموتى هنا بالمفهوم المجازي، أي الذين يعانون، ومن ثم يصبح الموت في هذه الحالة نوعا من الإنقاذ لهؤلاء الذين يئنون وتستمر معاناتهم، واستمرار المعاناة مفهوم من الفعل المضارع المستخدم في الجملة(يظل) إذا يقول النص (ليظل الموتى يئنون في طوابير القيامة) إنها حالة جدلية بين الموت والحياة فهنا يصبح الموت رغبة وأملا للخلاص على الرغم من كراهية النفس له.

أما من حيث الإثبات والنفي والطلب فقد وردت ثماني جمل مثبتة، وجملتان منفيتان (لا يجيء – ليس في أرضنا قتل) وثلاث جمل طلبية، واحدة نهي، مسبوقة بلا الناهية (لا تلقنه المحبة) وجملتان أمر، والجمل الفعلية نوعان: جمل فعلية فعلها تام يحتاج إلى فاعل، وهي عشر جمل فعلية (جُنَّ الغبارُ – مَرَّ الوطن – يتأخَّر الموت هذا المساء – لا يجيء – يئنُّون في طوابير القيامة – يركض بين ظلامين – اتركه – لا تلقنه المحبة – اتركه – يفتح للموت ثغرة في جدار المقبرة)، وجمل فعلية فعلها ناقص، أي تحتاج إلى اسم وخبر وهي ثلاث جمل (يصير شظايا – يظل الموتى …. – ليس في أرضنا قتلٌ) ومن خلال ذلك نستنتج أن الحركية هي ما تميز النص، وجاءت هذه الحركية من استخدام الجمل الفعلية بصورة لافتة، كما يمكن ملاحظة أن الجمل الفعلية المثبتة لها حضور طاغ على حساب الجمل الفعلية المنفية؛ إذ جاءت الجمل المثبتة ثماني مرات في حين وردت الجمل المنفية مرتين، وهذا يشير إلى أن الإثبات هو الحالة المسيطرة على النص في الجمل الفعلية، وأن النفي حالة طارئة، وإذا تأملنا الأحداث التي ورد فيها الإثبات فسوف نجدها أحداثا مأساوية تحمل كل معاني التدمير.

لقد نجح النص من خلال البناء اللغوي في توصيف الحالة التي أراد توصيفها، وإنتاج الدلالة، والكشف عن الرؤية الفكرية المتخفية وراء شبكة العلاقات اللغوية التي نسجها الشاعر بعناية فائقة، واقتصاد واضح، كأنها لغة مقطَّرة، كل كلمة تؤدي المراد منها بدقة بالغة.


التشكيل اللغوي وإنتاج الدلالة.. قراءة في قصيدة «قناديلُ للقتلِ مرفوعةٌ» للشاعر وليد الزوكاني (1)

قصيدة قناديلُ للقتل مرفوعةٌ

الدكتور محمد سعيد شحاتة، شاعر وناقد وأكاديمي مصري حاصل على ليسانس لغة عربية في كلية دار العلوم – جامعة القاهرة، وماجستير ودكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي. صدر له إثنان وعشرون كتابًا في النقد الأدبي والتحقيق، واثنا عشر ديوانًا شعرياً.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً