عندما يجوع الأطفال

عندما يجوع الأطفال

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان البلجيكي جان بابتيست لوديويك مايس

تفضّلي يا سيّدتي” قالها مشيرًا بيده للسيّدة بالجلوس على أحد الكرسيّين أمام مكتبه في عيادته الصّغيرة.

دخلت السّيدة حاملةً طفلها الرّضيع، ثمّ تبعتها امرأة تقاربها في العمر، و لحقت بهما امرأة ثانيةٌ في مقتبل العمر ولم تسمح له العجوزان اللتان لحقتا بالموكب أن يغلق الباب قبل أن تتكدّسا مع الباقيات في الغرفة ولكن بتكدّسٍ منتظمٍ، ثلاثةٌ إلى اليمين و اثنتان إلى اليسار

تفضّلن” أعادها مصحّحًا عبارته الأولى بينما كانت عيناه تزدادان اتّساعًا وهو يحتار من يدعو لأن يجلس وأين؟

-“أفضّل البقاء مع والدة الطّفل بدايةً إلّا إذا كانت تريد أن يرافقها أحدٌ ما”.. قالها بهدوء تفاديًا لأن يقع في مرمى سهام أحد الفريقين الذين لم ينجح بعد في تحديد انتماءاتهما.

هي تريد أن نرافقها، فهذا حفيدي، ووالده يريد أن يعرف ما به أيضًا”، أجابت العجوز التي تلبس المعطف الأحمر بلونه الفاقع.. “زيحي يا بنت لاقعد شوي”.. أضافت وهي تلقي بوزنها الثّقيل على الكرسيّ المسكين، إلقاءها لتلك النّظرة التّهديديّة للوالدة التي لم تكن معاناتها أقلّ من الكرسيّ.

-“لا مشكلة يا دكتور”.. أردفت الوالدة وهي تشيح نظرها عن نظرة العجوز الحمراء الحادّة.

اجلسي يا ابنتي ” قالت لها العجوز الثانية بعطفٍ وهي تشير إلى الكرسيّ المقابل.

-“يا حكيم قاصدين الله وقاصدينك”.. بادرته إحدى الصّبيّتين المرافقتين اللّتين لم تجدا من لزوم لتبرير وجودهما ضمن أعضاء الوفد الكريم.

نحن نقوم بواجبنا أمّا الشّافي فهو الله” أجاب متمِّمًا أصول لياقات الكلام وإن كان قد استشفّ بوادر لقاء صعبٍ مع عائلة تباشر الكلام بوضع الطّبيب في خانة من عليه القيام بمعجزةٍ، دلالةً على خطورة الحالة التّي يستشيرونه بشأنها، و حالات كهذه عادةً ما تكون خارج أطر العلاجات المستطاعة، ولكنّ الطّفل كان طبيعيّ الشّكل، زهريّ اللّون، يغفو هانئًا بين يدي والدته، حالته لا تتناسب والتوتّر الذي يخيّم على عيادته في تلك اللحظة.

الأسئلة التمهيديّة الأساسيّة كانت سريعةً وكافيةً؛ ليعرف أنّ الحضور هم أمّ الطفل وأختها ووالدتها، ترافقهم والدة زوجها وأخته، والجدّتان بنات الخالات من أطراف سهل البقاع، هو الابن الثّالث لوالدةٍ فقدت ابنيها الأوّلين بُعيد ولادتيهما بقليل.

و كم عمر صغيرِك اليوم؟

لقد أتمّ الشّهر الكامل من العمر، وقد نصحنا طبيب الأطفال بزيارتك، لعلّ ذلك يسمح بتفادي تكرار ما حصل مع أخويه”.. أجابته الخالة الشّابة، وهي تعطيه رسالةً مكتوبةً، وجّهها له طبيب العائلة عند تحويله للمريض، هذا إن كان فعلًا يعاني من مرضٍ ما.

إذًا طفلك بخيرٍ حتّى الآن الحمد لله، ولكن زميلي الطّبيب يريد أن أقيّم احتمالات تكرار الحالة”.. قالها متوجّهًا إلى الوالدة وهو يطالع الرّسالة التي كتبها له صديقه القديم، شارحًا فيها بالتفصيل وضع الطّفلين السّابقين الذين وصلا إلى غرفة الطّوارئ وقد فارقا الحياة، ولم يكن هناك من علاجٍ مستطاع، والعائلة رفضت إجراء فحوصات تشريحيّة.

كانت تلك الرّسالة بروتوكوليّةً بعض الشّيء، فصديقه هاتفه منذ يومين شارحًا له الحالة وختم قائلًا “الطّفل الأوّل صنّفته في خانة ال SIDS“.. متلازمة الموت الفجائيّ عند الأطفال، والأهل لم يرضوا بإجراء فحوصاتٍ إضافيّة، ولكن عند تكرار الحالة وجَبَ أن أشكّ بحالة استقلابيّة وراثيّةٍ… و الباقي عليك

-حسنًا لماذا لا تخبريني ماذا حصل مع طفليك يا سيّدتي، وبعدها أقوم بفحص الصّغير؟.. قالها وهو يتأهّب للطّباعة على لوحة المفاتيح، ولم يدرك خطأه إلّا عندما أتاه جواب سؤاله مضاعفًا أربع مرّات، ومن أربعة جبهات مختلفةٍ، لم تكن الوالدة على أيٍّ منها، كانت عاصفةً كلاميّةً عشوائيّةً كافية لتضعضع أفكاره، وكان صديقه نبّهه على فرادة أفراد تلك العائلة!

  -“سيّداتي، حبّذا لو أسمع أوّلًا رواية الوالدة، وبعدها أنا أكيد أنّ لكلّ منكنّ معلومةً مهمّةً تضيفها لاحقًا“.

كان الهدوء الذي تلى تعليقه مريبًا، ولكنّه لم يكن حصل بعد على المعلومة اللازمة.

-“أدري أنّ هذه الذّكريات مؤلمةٌ يا سيّدتي، ولكنّني أحتاج منك أن تسترجعي منها قدر المستطاع لكي أستطيع رؤية الحالة بوضوح.. حاولي أن تخبريني ماذا حدث مع طفلك الأوّل يوم ذهبتم به إلى غرفة الطّوارئ؟.. سأل الوالدة بهدوء وهو ينظر إليها تحديدًا.

ترقرقت دمعةٌ صغيرةٌ في طرف عين الأمّ، وحبست أُخرًى برباطة جأش ثم قالت: 

-“يوسف، ابني الأوّل، كان طفلًا جميلًا وهادئًا، بالكاد أسمع صوته، كنت أوقظه لأُرضعه كلّ ثلاثة أو أربع ساعات، ألاعبه بعدها قليلًا وأغسله، ثمّ أعيده لينام، نام تلك الليلة بكاملها هادئًا، وعند الصّباح كان لا يزال هادئًا جدًّا في مهده، مستكينًا، ولكنّ لونه كان باهتًا يميل إلى الزّراق، حاولت جاهدةً إيقاظه لإرضاعه ولكنّه لم يستيقظ، أيقظت والده وهرعنا به إلى المستشفى، ولكنّهم لم يستطيعوا فعل شيء

كان صوتها هادئًا متّزنًا وإن كان يخفي ارتجافًا حزينًا.

صيبة عين يا حكيم، الله ينجّينا من صيبة العين”.. أضافت العمّة لاطمةً خدّها.

ولم يستيقظ ويصرخ ليطلب الطّعام ليلتها؟” أكمل سؤاله ناظرًا إلى الوالدة من جديد.

كان طفلًا هادئًا جدًّا، وكانت تلك ليلته الأربعون، والنّساء في الضّيعة أخبرنني أنّه يجب أن أفطم طفلي ليلًا عندما يبلغ أربعين يومًا من العمر“.

وهذا ما حدث مع ابنك الثاني يا سيّدتي؟”.. أكمل سائلًا.

صحيح يا دكتور، وفي اليوم الأربعين أيضًا، وكأنّها لعنةٌ ترافقنا في العائلة

إذًا ليست المرّة الأولى التي يحدث هذا الأمر؟

بالإذن يا دكتور”.. قالت العجوز التي تقف خلف الوالدة.. “ابنتان من بنات أخواتي رزقن بأطفالٍ صبيان وأصابهم ما أصاب أحفادي بعد ولادتهم ببضعة أسابيع

” هل تؤمن بالقرينة يا دكتور؟”.. سألته صاحبة المعطف الأحمر وهي تقطّب جبينها مصطنعةً وقار الحكمة ومهابة السّنين، بينما كانت تعقد يديها فوق بطنها المكوّر أمامها وتلاعب إبهاميها بحركةٍ دائريّةٍ.

تبسّم وهو ينظر إلى تلك السّيّدة في عينيها، طبعًا.. هو يعرف القرينة، منذ طفولته قرأ كتب توفيق يوسف عوّاد وسلام الرّاسي، وأحبّ أبطالها وغرائبهم، ولم يبخل على معرفته الخاصّة فأغناها بكنوز الثقافة الشّعبيّة.

-رد من فوره: أنا أومن بالله عزّ وجلّ، ولا شيء سواه، هل تؤمنين بشيء غير الله ياسيّدتي؟

لم يعجبها جوابه فتجاهلته، وأكملت بعد أن تنحنحت: “هذه الفتاة لا تختلف عن باقي فتيات عائلتها، جميعهنّ تغلبهنّ قرينتهنّ مرّة أو مرّتين، حذّرت ابني، ولكنّه لم يسمع رأيي، أحبّها و ها نحن هنا.” 

رويدك يا سيّدتي، فكلّ الأمور تعمل لخير الذين يتّقون الرّبّ”.. أجاب مبسمًا وهو يحاول تقويم مسار فلسفة العجوز المتشائمة، “أخبريني يا سيّدتي، في أيّة وضعيّةٍ تضجعين ابنك عند النّوم؟”.. أكمل متوجّهًا بسؤاله إلى الوالدة.

على ظهره أو على جانبه يا دكتور كما علّمتنا السيّدة في دورة الإرشاد في المستوصف، وذلك تفاديًا للاختناق”.. كان جواب الوالدة صائبًا و مطمئنًا له.

لم يجد أيّة شائبةٍ لدى إجرائه الفحص السّريريّ للطّفل، كان رضيعًا نشيطًا مبتسمًا قويّ العصب ممتلئ الجسم.

وهل أجريتم فحص التّقصّي الوراثيّ عند الولادة للطّفلين ولهذا الطّفل؟” سأل الوالدة وهو ينزع أطراف السّمّاعة عن أذنيه.

لشو يا دكتور؟ ما عنّا شي بالعيلة”.. بادرته العجوز الحمراء بحدّة.

طبعًا يا سيّدتي عائلتكم خير وبركة الحمد لله، ولكن ألا تريدين أن تتفادي ما حدث سابقًا، وأن تري أحفادك يكبرون أمام عينيك؟”.. أجابها مهدِّئًا ومبتسمًا.

الله يبارك فيك يا دكتور”.. أجابت المرأة بهدوء وكأنّ حمده لله فرض هدنةً بروتوكوليّةً، وأكملت بحزمٍ فيه بعضٌ من التّهديد: “ولهذا نحن أحضرنا هذا الطّفل إليك”

هم عرضوا إجراء هذا الفحص علينا في المستشفى، ولكنّهم قالوا أنّه ليس فحصًا إلزاميًّا، ولا تغطّيه أيّة جهة ضامنة، وعلينا دفع ثمنه من جيبنا، والحالة المادّيّة كما تعلم يادكتور” أضافت الوالدة وهي تعيد ترتيب ثياب طفلها بعد أن انتهى من فحصه.

لكنّه ليس فحصًا مكلفًا، ويجب إجراؤه عند كلّ طفل حديث الولادة

شو بيّن معك يا حكيم؟”.. سألته العجوز الثّانية بلهفة.

سيّدتي هذا الطّفل، حفظه الله، سليمٌ ولا تشوبه شائبةٌ” لاحظ انفراج أسارير المجموعة بعد هذه العبارة البسيطة.. “ولكن هناك أمراضًا وراثيّةٌ لا تظهر عند الفحص السّريريّ، وهي قد تكون خطأً في كهرباء القلب، أو خللًا استقلابيًّا في استخدام مخزون السّكر، أو مخزون الدّهنيّات، وقد ينتج عن هذين الأخيرين موتٌ فجائيٌّ عند البقاء أكثر من أربع أو خمس ساعات دون تغذية، وأظنّ أن هذا ما حدث مع طفليك وسائر أطفال العائلة، عندما تفطمونهم عن الرّضاعة ليلًا

هل تقصد أنّ ابني سيصيبه ما أصاب إخوته؟” سألته والخوف واضحٌ في صوتها.

لا يا سيّدتي، واحتمال أن يكون ابنك مصابًا بالحالة عينها لا يتخطّى نسبة الخمسة والعشرين بالمئة، دعينا نجري فحوصاتنا، بالأخصّ فحص التقصّي الوراثي، ونرى بعدها

و ماذا أفعل بانتظار النّتيجة؟

أوّلًا يجب أن تسارعي لاستشارة طبيب قلب أطفال؛ ليؤكّد لنا أن لا مشكلة في كهرباء القلب، وبانتظار النتائج، عليك أن تقومي بإرضاع الطّفل كل ثلاثة أو أربع ساعات على الأكثر بما فيها ساعات الليل

ألن تعطيه أي دواء للحماية؟

لا حاجة لأيّ دواء حاليًّا يا سيّدتي، و الاحتياط الوحيد هو تفادي هبوط السّكّر

هل تعني يا دكتور أن علاج أولادي ربّما كان مجرّد وجبة غذاء؟ أتعني أنّني خسرتهم لهذا السبب البسيط؟

نظر إلى الوالدة الشّابة و قد ضمّت رضيعها بشدّة أكبر وكأنّها تخشى أن تنتزعه براثنُ مجهولٍ آخر من يديها.. هي لا زالت تمسك بخيوط الحياة ولن تسمح لها بالانسياب على غفلةٍ من بين أصابعها.

أنهى كتابة وصفة الفحوصات المطلوبة، وأعطاها للوالدة وهو يقول مطمئنًا: “لم تخسريهم لسببٍ بسيطٍ يا سيّدتي، خسرتيهم لتربحي حياة هذا الطّفل وإخوته القادمين”.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s