فارس

فارس

محمد عطية محمود

اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو

انتظام احتكاك النعلين – مع اقترابهما – ببلاط الشارع في السكون الناهض لتوه من رقدة ليلية غبشتها برودة الخريف الزاحفة.. صوت النحنحة، التالية لهذا الوقع، ثم الدندنة، لم يثيرا انتباهي بما يكفي لأن أقوم من مكاني من خلف البنك الرخامي..

لعله صوت مخمور، أو..، أو..

ذلك ما دار بخلدي؛ فكم من ماخور أو مقهى مندس بين دهاليز البيوت القديمة، المتوارية خلف صف البنايات العالية المواجهة التي تري البحر من علٍ، كواجهة شريطية للحي العتيق.. كم منها يلفظ مرتاديه عند انبلاج سرسوب ضوء الصباح؛ ليلطشهم هواء البحر، ويفعل بهم الكثير.. ثم أن هموم البشر كثيرة؛ فربما كان عابر سبيل، أو باحثًا عن لقمة عيش.. يسعى لها بصيد البحر، أو عمل بورش صناعة المراكب المجاورة، والممتدة بعده في اتجاه القصر الملكي.. تزيِّن واجهاتها صور زاهية لعروس البحر، ومغاويره.

***

كلما فكرت في التبكير بفتح البوابة.. سيظل يقرصني من أذني ذاك الصباح البعيد، حين باغتتني امرأة، كأنما انشقت عنها الأرض؛ لتكون في لحظة وسط طرقة الدخول، وأنا أقف متخليًا عن نقطة كموني، موليًا ظهري للبوابة من الداخل، متجهًا بنظري نحو الساحة الخضراء المحفوفة بأشجار الورد القصيرة التي يتوسطها حمام السباحة الدائري.. يحجزني عنها الإطار الرخامي المطعم قلبه بقطع الجرانيت البارزة، المتباينة الألوان، وإذ بها بقميص نومها الخفيف، المنحسر عن أغلب جسدها الممتليء، وبشرتها الغامقة، بشعرها المهوش، ووجهها المصطبغ بحمرة غير طبيعية، ونظرات شبقية زائدة مصطنعة تنسال من عينيها الحمراوين المنتفختين، وجزَّات من أسنانها على شفتيها الغليظتين، مقترنة بزخم رائحتها الزنخة، وكادت تحتضنني من الخلف..

صعقتني المفاجأة، وكأنني مسَّني مسٌ من الشيطان؛ فارتج جسدي، وضاع تركيزي، وكدت أجري مذعورا نحو الداخل، تاركا مكان خدمتي، إلا أن بائع الجرائد الذي أتى مبكرا بحصة الإدارة أنقذني، وجذبها معه نحو الخارج – بتحكمه الواثق – قائلًا في سخط بالغ: 

  • هيَّ العالم ناقصة مصائب..

***

على أثر طرقات متوالية – بحس من يألف المكان – فتحت البوابة على كيان ضخم يبتلع فراغ ما بين الأعمدة والحلية والسلالم الرخامية.. يبلغ ذراعاه المشمران حتى أعلى زنديه الواشيين عن قوة غير عادية، الفوانيس النحاسية التي تظل مصابيحها مضاءة حتى طلوع الشمس.

بهدوء عجيب امتلأ وجهه بابتسامة واثقة.. اهتز معها شاربه الكث الرمادي، وبألفة من يعهد المكان، شد طاقية الصيادين المفلطحة حائلة اللون إلى خلف رأسه، ومسح يديه في صديريته القصيرة المقلمة، وهو يلج متلفتا، قائلاً:

  • نهارك أبيض.. لكن أين عم خميس؟!

لم أكن قابلت عم خميس، الذي قيل لي أنه فاجأته أزمة صحية؛ فلزم بيته، وجاءوا بي بدلا منه، منذ ما يزيد عن الشهرين. لم أرد، فاركًا جفنيَّ المثقلين بآثار نوم مجهد متقطع لم تبارحهما بعد؛ فأكمل: 

  • أنت لا تعرفني.. يظهر أنك جديد هنا.. عمك فارس.

لمح في عينيىَّ تساؤلًا ودهشة، لم يسئ فهمهما؛ فضحك كاشفًا عن أسنان كبيرة ناصعة البياض:

  • لا تستغرب.. أنا اسمي الحقيقي أحمد.. (أبو أحمدات) بجد..

ثم تابع بخيلاء وثقة:   

  • لكن من لا يعرف سندباد؟!    

 أجبته محايدًا، في حين لم يغادرني استغرابي: 

  • أهلا بك يا ريس.

سحب كرسي بحر صغيرًا من خلف الحاجز.. فرده وقرفص عليه قبالتي يدندن، بأغنية سيد درويش ناظرًا نحو الشارع الخاوي من خلال الضلفة المفتوحة للباب، وهو يفرد ثنيات بنطاله، الذي كان مشمورًا حتى قرب عظام ركبتيه الضخمتين: 

  • صبح الصباح.. فتَّاح يا عليم.. والجيب ما فيهش ولا مليم..

تأملته، بعجب يزداد، ودهشة توقظ أجفاني من بقايا تراخيها، لكنني وللعجب الشديد، وخزني تأثيرها، آنست فيه روحًا شفافة على الرغم من قسوة ملامحه، وأثر المشيب القاسي على شعر رأسه وفوديه وشاربه، وتملكتني رغبة في إطلاق سراح طلاسم يوم جديد.

حكى، بفخرٍ، عن حراسته الأمينة لورشة صناعة المراكب المجاورة، واضطلاعه بأمور كثيرة.. تشوين الأخشاب، توفير الإضاءة ليلا، تأمين الخطوط الفاصلة مع المجاورين عن اليمين وعن الشمال، تأديب العيال المتشردين الذين يحاولون الاختباء بسرقاتهم في الورشة ليلا، أو معاقرة الخمر وشرب الحشيش، وأحيانا جلب الساقطات الرخيصات، وكيف يرى بأم عينيه شياطين الإنس والجن على الشاطيء المليء بالأسرار والأخطار.. أحيانا يجاهر بما يراه، وغالباً ما يصمت طالما بعد الخطر عن منطقة أكل عيشه، وإن لم يمنعه ذلك أن يكون متيقظًا.

سافرت معه على أجنحة حكيه، عندما حلّق به عائدًا نحو شبابه الباكر، الذي ركب فيه البحر عاملًا على إحدى سفن البضاعة، جابت به البلاد، وتمتع – على حد تعبيره – إلا أن حظه العاثر أوقعه في سكة الخلافات والمنازعات مع زميل له على المركب، كان يهوى حياكة المكائد والوقيعة مع الرؤساء؛ فرماه (الفارس) – بعد مشادة عنيفة – من فوق المركب في عرض البحر، إلا أنهم أنقذوه، بينما طرد هو من عمله الذي كان لا يزال (ظهورات).

قام من مقعده فجأة، رافعًا ذراعيه الهائلين في الهواء، مستعيدًا ومستحضرًا مشهد حمله لزميل العهد القديم، مستعرضًا عضلاته التي مازالت فتية، ثم قعد، وزفر:

  • كان زماني الآن.. ريس بحر بحق وحقيقي.. 

***

لعله لامس شوقًا قديمًا، في نفسي التي تاقت يومًا إلى العمل في البحر، واختراق حاجز وحدتي المقيتة مع أحلام صغيرة لا تتعدى أوهام الحكايات الأولى للحب والغرام، المعتادة على تخلل ذاتي، وارتياد مناطق مظلمة من الخيال المضني، ومنَّتني بعدها بتحقيق حلم أن أكون ضابطًا بحريًا أجوب العالم، وأصاحب الشقراوات، وآتي بإحداهن زوجة، وربما اتخذت من بلدها موطنا جديدا لي!

***

حطت حكاياته على أرض المقهى.. يستعيد فيها جزءًا من سيرة أمجاد “حميدو الفارس” والفتونة الحقيقية التي لامس أطرافًا منها في صباه وبواكير شبابه، وفتوات “القباري”، و”البياصة”، و”غيط العنب”؛ لينتفض مرة أخرى متمثلًا مشاهد الضرب بالنبوت، وحمل الكراسي والدكك الخشبية على الأسنان، ويقول: 

  • كانوا يتنافسون على فعل ذلك في الأفراح، تعلموها من شيخ كبير بالقباري كان اسمه “النعماني الكبير”.. بدأت من حمل العصا باتزان فوق قصبة الأنف، وعلى حافة الأسنان التحتانية، ثم حمل الكرسى بنفس الطريقة، وتلاها تحميل أكثر من كرسي، حتى أتى المعلم الأكبر بحمل دكة خشبية كاملة على أسنانه القوية.. صدّق بالله .. الفتوات كانوا يرهبون الناس في الأفراح؛ فكانوا يعملون لهم ألف حساب، حتى في غير الأفراح.. أما النساء فكان لهن وضع آخر.. كن يستترن خلف ضلف النوافذ، ويتفرجن على استحياء، قلَّ أن تجده في أيامنا هذه. كنت أرقبهن وأراقب هذه المهرجانات، وأنا مازلت طفلًا صغيرًا لم تبلغ سني العاشرة، لكنها ذاكرة العيال، وحبي للفتونة الحقة، التي تأتي بالحقوق، وتجعل للإنسان هيبة، ويا سلام على “الشيخ أمين”، ومواويله التي كانت تطربنا وتشجينا. 

ووضع يده على أذنه، هاتفًا بصوت أجش:

  • ياااليييييييييييييييل.. الله يرحمك يا شيخ أمين.. كانت هذه لزمته، حتى لما كبر، وتعوَّد الجلوس تحت تمثال محمد علي باشا في المنشية، يتذكر ويعيد مواويله الجميلة عن الغدر والغدارين والغزالة التي اشتكت للنبي الغالي عليه الصلاة والسلام.

جلس واعتدل ليلتقط أنفاسه، وليحكي عن راوي المقهى العجوز، الصياد القديم، الذي أغوته جنية البحر، وحين أطلقت سراحه لم يقرب البحر مرة أخرى، وعاد راويًا للحكايات والأساطير التي لا تنقطع عن البحر وأسراره، وما جاوره من يابسة متشبعة بروحه وعبق ملحه ويوده، حتى إذا استرسل في حكيه توقف ومصمص شفتيه قائلًا في حسرة:

  • أنا أيضًا اصطادتني جنية.. لكن من دم ولحم.. أيووه يا جدعان؟!.. يا ويله الذي يوعد بالغرام.

وصمت فاركًا أصابع يديه الضخمتين في بعضهما.. صفق بهما، ثم  وضعهما بين فخذيه أسيانًا… أخرجني من شرودي، هازًّا كتفي:

  • تعرف يا كابتن؟.. الشغل مع الحيوانات أرحم.. تعرف أنت حديقة الحيوان؟

هززت رأسي، أبتلع آثاري الغرقى في سديم الذكرى؛ فواصل:

  • تعرف الأسود والنمور هذه المتوحشة.. التعامل معها أرحم وأشفع من الحياة مع البشر، وأبناء (حوا) وآدم.. تعرف أنا عملت فترة حارسًا لبيت الأسود، وكنت أطعمهم بيدي هذه –  قبل ما أتزوج أم العيال –  وربنا الشاهد على صدق كلامي أكرمني بسبب الست الطيبة الغلبانة أمي يرحمها الله الغفور، كنت أجري عليها بعد ما تنام الحيوانات وأسلِّم المفتاح أخر النهار، وأطعمها وأراعيها.. دعواتها هي التي كانت تخرجني إلى بر السلامة، مهما ضاقت بي الأمور..

ومد يديه المفلطحتين، متمتمًا لها بالدعاء والفاتحة، واغرورقت عيناه بالدموع..

غادرت مكاني، ووقفت إلى جواره أربت على كتفه العريض، أحمل في نفسي عجبًا لهذا الكيان الذي تهاوى أمامي فجأة، لكنه باغتني، هامَّاً برأسه، وعاد ضاحكًا، وهو يجفف دموعه في كم سترته.. حكي، وحكى، وأزبد، لكنني ما لبثت أن ركبني ثقل مبهم، واستطعمت طعمًا آخر للحكايات مختلطا بشجون رغبة همدت في سماع المزيد.. 

ضحك كثيرًا، مداريًا ارتفاع سيول كلامه، لامحًا فتور ملامحي.. 

همَّ بالمغادرة، وقد انطفأ بريق نظرته، عاقدًا يديه خلف ظهره، منكسًا رأسه في مواجهة الشمس التي افترشت الرصيف أمام ممر الدخول وهو يتمتم بحروف اسمه مقطعة، منغمة بنغم شجي.. “فـ.. ا.. ر.. س”!.

5 آراء على “فارس

  1. الله عليك.. حملتني قصتك بعيييدا.. لعوالم الحلم والواقع البعيد القريب.. شكرا لمنحي جناحين.

    إعجاب

    1. تحياتي وتقديري صديقتي المبدعة.. تسعدني كلمات إطراءك، وقراءتك الواعية للنص.. دام إبداعك

      إعجاب

اترك تعليقًا على حنان عبد القادر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.