قراءة في رواية «مريم» لشريف محي الدين

قراءة في رواية «مريم» لشريف محي الدين

محمود عبد الصمد زكريا

حينما يختار الشاعر أو الأديب اسماً ما؛ ليوظفه في منجزه الابداعي؛ فإنما يختاره بعناية فائقة ليستفيد منه كدال له دلالته التي ينشدها لخدمة منجزه؛ حيث يفتح هذا الاسم ويمد فضاءاً دلالياً مرتبطاً به؛ ويقصده المبدع – مع سبق الإصرار والترصد – وهناك بلا شك أسماء لا يقف 

توظيفها عند حد الاستفادة من معناها (كوسيم وجميلة وما شابه..)؛ لكنها اسماء تستدعي من الذاكرة وتستحضر من الذهن أحداثاً وتواريخ وقيماً ومعاني – سواء بالسلب أو بالإيجاب – حيث تتباهى هذه الأسماء بخصوصيات تحفظها لها الذاكرة الإنسانية؛ ولا تستطيع أن تغفلها لها بمجرد ذكرها.

وقد أجاد الشعراء كثيرا في استخدام هذه الخصيصة الفنية من خلال توظيف الاسماء التراثية والاسطورية مستفيدين من المثيولوجيا لخدمة منجزهم الشعري في كل زمان ومكان من العالم.

وبالنظر إلى المطروح الابداعي بشكل عام في معظم أجناسه الأدبية والفنية؛ سنجد أنه بالرغم من قلة أو ندرة الأعمال التي تتخذ من اسم بطلها المركزي أو الأساسي عنواناً للعمل الابداعي؛ إلاَّ أنها تبدو دائماً كأهم وأميز الأعمال الإبداعية التي أنجزت شهرة لأصحابها في حركة وتاريخ الفنون والآداب؛ بل لعلها تعد محطات تطويرية أو مفصلية في تغيير وتطوير المفاهيم المرتبطة بالجنس الفني أو الأدبي الذي انجزت من خلاله..

فإذا ذكرنا الملاحم مثلاً كجنس أدبي فلا شك سوف تتباهى (جلجامش) التي اتخذت من اسم بطلها عنوانا لها؛ و(الأوديسة) نسبة إلى أودسيوس بطلها.. والملحمة – كما هو معروف – رواية شعرية؛ أي انها تجمع بين جنسين أدبيين؛ وتتمحور حول بطل أساسي لتنجز أحداثَ حقبةٍ تاريخية ما مليئة بالأحداث؛ وغالباً ما تقص حكاية شعب من الشعوب في بداية تاريخه؛ وتحكي عن تحرك جماعات بأكملها وبنائها للأمة والمجتمع؛ وقد تدخل الأسطورة في نسيج الملحمة ولكن لا تتداخل الملحمة مع الأسطورة؛ فالملحمة شئ والأسطورة شئ آخر والفرق الجوهري بينهما أن أبطال الأسطورة من الآلهة أما أبطال الملحمة فمن البشر.. لذا فإن الملحمة عادة ما تكون غنية بالفانتازيا والسحر والقوى الخارقة إلى غير ذلك. 

وكم من عمل ابداعي فني تم انجازه من خلال احداث الإلياذة؛ وغيرها؛ متخذاً من اسم أحد ابطالها عنواناً له.. وحتى إذا اتخذ العمل الفني من اسم المكان عنوانه فسوف تتباهي اسماء الابطال الشخوص أكثر مما يتباهى اسم المكان؛ فإذا ذكرنا (طروادة) على سبيل المثال قفز إلى السطح مباشرة اسماء (أخيل وأجامنون وباريس وهيلانة و هيكتور) وإذا ذكرنا (اسبرطة) فسوف تتباهى اسماء أخرى.. وحتى الملاحم التي لم تتخذ من اسماء ابطالها عناوين لها فقد رسخت لاسماء أبطالها خصوصيات حفظتها لهم الذاكرة الانسانية؛ وراح المبدعون يستخدمونها كرموز في أعمالهم بعد ذلك؛ فما زالت وستظل اسماء أبطال (الرميانا؛ والمهابهارتا) تعمل بخصوصياتها في أعمال مبدعي الهند واليابان..

وإذا انتقلنا إلى الأوبرات العالمية؛ فلاشك ستزهو (عايدة) و(وسالومي) على باقي الأوبرات، فإذا التفتنا إلى المسرح الشعري اختال شكسبير ب (روميو وجوليت – هاملت – عطيل الملك – ماكبث – انطونيو وكليوباترا – سيمبلين -.. الخ)، وشمخ سوفوكليس ب (أوديب ملكاً – انتيجون.. الخ).. وأسرع أحمد شوقي ب (مجنون ليلى – وقمبيز – مصرع كليوباترا)، وتقدم صلاح عبد الصبور ب (بمأساة الحلاج) وغيرها الكثير.

وهل خلَّد اسم سيرفانتس سوى روايته الوحيدة (دون كيشوت) التي تتخذ من اسم بطلها عنواناً لها؛ وهي الرواية التي غيرت مفاهيم الرواية في العالم؟! حيث تعد رواية “دون كيشوت” من أكثر أعمال الأدب العالمي رواجًا والأكثر شعبية في التاريخ، كما نالت هذه الرواية الزاخرة بأعمال البطولة مرتبة أفضل رواية من بين روايات أفضل “مئة كتاب في العالم”.

وكم من رواية ما هي في حقيقة الأمر إلا سيرة حياة بطلها مثل (عنترة بن شداد) لمحمد فريد ابو حديد؛ أو (فارس بني حمدان) أو (فارس بني شيبان) وغيرها.

أمَّا عن السير الشعبية؛ فتبدو هذه الخصيصة كتقنية لازمة لها لأنها تحكي سيرة حياة بطل بالفعل تتمحور حوله احداثها فسوف نجد: سيرة الأميرة ذات الهمة – والزير سالم – وسيف بن ذي يزن – وسيرة بني هلال).

ومن السيرة الهلالية تتفرع قصص كثيرة مثل قصة الأمير أبو زيد الهلالي وقصص أخته شيحة المشهورة بالدهاء والاحتيال، وسيرة الأمير دياب بن غانم الهلالي، وقصة زهرة ومرعي. وغيرها من السير المتراصة التي تشكل في مجموعها ما يعرف بسيرة بني هلال. والسير الشعبية هي من أهم مصادر الثقافة في أرياف البلاد العربية، وخصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار نسب الأمية المرتفعة. ويسمى المهتم بالسيرة الهلالية بالمضروب بالسيرة. ومنهم الشاعر الشعبي عبد الرحمن الأبنودي. هذه القصة الغنية بالشخصيات والأحداث والمواقف، تضفي على الأدب الشعبي لونًا خاصًا يمثل الحياة الاجتماعية والفكرية التي كان يعيشها الإنسان العربي في تلك الفترة من الزمن.

وكلها – كما أسلفت – أعمال إبداعية تعد مراحل مفصلية في تطوير حركة الفنون والآداب.

ترى هل كان/ شريف محي الدين مدركاً لسحرية هذه الخصيصة الفنية حين عمد هو الآخر مع سبق الاصرار والترصد إلى اختيار اسم بطلة روايته (مريم) عنواناً لها؟!

الاجابة بالتأكيد: نعم.. وهو اختيار به ما به من الذكاء والخبث في آنٍ معاً يتآزران في الظاهر والمخفي لبلورة رؤية ورأي هذا الروائي للواقع العربي المعاصر؛ خاصةً بعد ثورتي مصر الأخيرتين.. فكيف كان ذلك؟

من البديهي أولاً أن الشخصية في الرواية هي التي تجذب القارئ أو المستمع لها، وللوصول إلى الاختيار الصحيح لا بد وأن تكون الشخصيات ذات أبعاد ثلاثية مثل باقي شخصيات الحياة: أي أشخاص لها مخاوف وآمال، ونقاط ضعف ونقاط قوة، ولها هدف أو أكثر في الحياة..وقد تجلت كل هذه الصفات واضحة في شخوص هذه الرواية الأساسيين مثل مريم وأدهم وعمر وجاسر..

أما البطل: وهي الشخصية المحورية في العمل الأدبي، فشخصيته دائماً ما تكون مرنة قادرة على التغير.. وهو ما وفرة المؤلف بجدارة لشخصية مريم…

أمَّا عن الحبكة وهي سير أحداث القصة ناحية الحل. فيوجد نمطان لأحداث الحبكة:

أولهما: الحبكة النمطية: وفيها تسير الأحداث بالشكل المتعارف عليها من البداية الطبيعية للأحداث ثم التسلسل الطبيعي في حدوث الأزمة ثم تصاعدها ومحاولة حلها.. وهو النوع الذي استخدمه شريف محي الدين لهذه الرواية غير أنه لم يقدم حلولاً بقدر ما أثار من أسئلة؛ وأرى أنه كا موفقاً في ذلك حيث المؤلف غير مُطالب – كما أرى – بتقديم حلول..

والحبكة المركبة: التي تبدأ الأحداث فيها بالنهاية، ثم يتم استعراض الأحداث التي أدت إليها.. أي يبدأ الكاتب بالعقدة ثم يحاول حلها.. وهو النوع الذي لم يستخدمه مؤلفنا أو لم يختاره لروايته؛ وعلى كل حال فإن هذا النوع نادر جداً أو غير موجود ربما في الروايات العربية كلها..

أمّا عن المحمول أو الموضوع بعد اتفاقنا أن الشكل هو رواية فهو الرسالة أو الدرس الذي يحاول الكاتب أن يلقنه للقارئ. ويُكشف الستار عن هذه القيم من خلال العقبات التي تواجهها شخصيات الرواية محاولين تخطي هذه العقبات من أجل إحراز الهدف، ويعتبر الموضوع هو أساس القصة أو الرواية والغرض منها وبدون الهدف ستصبح الرواية تافهة؛ وسوف نرى كيف نجح كاتبنا في اختيار الواقع السياسي والاجتماعي الآني الأكثر طزاجة كموضوع لروايته.

أمَّا عن عنصري الزمان والمكان فسوف نوضح كيف كان اختيارهما من أهم عناصر نجاح هذه الرواية..

إشكالية عنوان

مريم.. اذن هذا هو عنوان رواية الأديب/ شريف محي الدين التي بين يدي الآن..هذا العنوان/ الاسم؛ الذي يفتح فضاءاً دلالياً شاسعاً حين يستدعي إلى الذهن من الذاكرة وعلى الفور السيدة البتول/ مريم العذراء ابنة عمران عليهما السلام؛ والذي اقترن به نبي الله عيسي بن مريم فتسمى به في محكم التنزيل (القرآن).. مريم التي كان ميلادها معجزة “فلما وضعتها قالت؛ إني وضعتها أنثى؛ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى؛ وإني سميتها مريم؛ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم”.. وولادتها معجزةً “قالت أنى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أك بغيا؛ قال كذلك قال ربك هو علىَ هينٌ”.. مريم التي طهرها المولى عز وجل واصطفاها على نساء العالمين: “يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين”.. مريم التي اتهمت هي وابنها عليهما السلام بالألوهية: “يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله”.. إلى آخر ما يفتحه هذا الاسم الطاهر ويمده من فضاء دلالي روحي؛ مقدس؛ ومن ثم ارتباط هذا الاسم/ العنوان بالارض المقدسة (فلسطين)/ الوطن المحتل/ لب القضية العربية المعاصرة على المستوى السياسي/ القومي/ العروبي.. لب الصراع العربي الاسرائيلي الذي تتمحور حوله كل القضايا العربية.

فمن هي مريم شريف محي الدين مفتاح وعتبة الدخول إلى عالمه الروائي الأكثر طزاجة؛ وما هي أوجه الشبه بينها وبين ما يستدعيه هذا الاسم الى الذهن من الذاكرة؛ لا أقول العربية بل الانسانية في كل شاملٍ ومتحد.. “مريم.. أيتها الصبيةُ المتمردة.. أريد منك تعريفاً محدداً لهويتك”، هذا السؤال لا أطرحه أنا ولكن يطحه المؤلف نفسه على لسان أحد شخوص روايته ص 36، إنها: “مجرد فتاة عربية؛ كانت ثمرة حب لأب فلسطيني مناضل وأم سكندرية”. هي إذن فلسطينية سكندرية؛ هذا هو السطح؛ غير أن العمق ينبئ بالمعادل الموضوعي:

“هل أنتِ مجرد أنثى؟

أم أنتِ مدينة كاملة من الغموض والسحر؟

هل أنتِ بدايتي المفقودة؟

أم نهايتي الحزينة؟

عدم.. ألمٌ 

صمتٌ.. أم بكاءْ” 

ها هنا يكمن ذكاء وخبث كاتبنا في آن معاً.. إنها تلك الفتاة الفلسطينية الجميلة؛ اللعوب التي لعبت على كل الحبال وتلاعبت بكل القلوب:

لنسمتع إلى هذا الحوار بين علياء كاظم زوجة أدهم؛ ورئيس تحرير المجلة:

  • هذه الفتاة المستهترة لابد من طردها من المجلة فوراً
  • لا تنسي أنني رئيس التحرير؛ وكونك زوجة رئيس مجلس الادارة لا يعطيك حق التحكم في الموظفين.
  • وأين هو رئيس مجلس الادارة هذا؟ صديقك غائب عن بيته منذ عدة أيام.
  • جئت هنا لتبحثي عن زوجل؛ أم جئت لتطردي مريم؟
  • إنها فتاة لعوب؛ لابد انها تقيم علاقة معك أنت أيضاً.
  • ماذا تقولين؟
  • لا تحسب أنني غافلة عما يحدث.

هذه إذن هي مريم “أنثى تحترف فن المراوغة ” ص153، والتي تعادل موضوعيا (فلسطين) كما تلمح الرواية دون تصريح؛ فالكاتب يكتب ويخبئ فيما يكتب – كما تعلمون – أو هو المسكوت عنه؛ الذي على القارئ ان يكتشفه ليقف على رؤية ورأي المؤلف من ناحية ويفوز بلذة الكشف من ناحية أخرى.

وهكذا إذن يرسم شريف محي الدين ملامح بطلته؛ بل كل ابطال روايته ليس من خلال الوصف الجسدي – كما عهدنا عند معظم الروائيين – ولكن من خلال حركة ومواقف وسلوكيات هؤلاء الابطال عبر الاحداث؛ من خلال السرد الروائي المجسد للصراع المتنامي/ المتشابك والمتشعب عبر الشخوص؛ مما يعني ان كاتبنا إنما يثعنى بالملامح الفكرية والنفسية فهي الأساس؛ وما الملامح الجسدية إلاَّ مجرد عوامل مساعدة؛ ما يخلص بالرواية في نهاية الأمر لتكون سياسية؛ واقعية؛ اجتماعية بامتياز؛ وهو ما يبرر ابتعادها عن الفانتازيا والخيال والعبث بقدر ما يقربها من من التماس مع الواقع واشتباكها بالمجتمعي سياسيا وفكريا واقتصاديا.. وهو ما نجح – في تقديري – شريف محي الدين في انتاجه بامتياز فذ حين اختار (مجلة ألوان) مسرحاً لأحداث روايته؛ فجعله مسرحاً إعلامياً؛ وجعل من مجلس إدارة هذه المجلة (السكندرية) شريحةً أو سلخةً مصغرة للواقع العربي ككل.

وإذا كانت فلسطين – الأرض المحتلة – والقضية الفلسطينية؛ مناط غرام جميع الدول؛ والبؤرة التي تتمحور حولها كل الصراعات منذ البيان المشؤوم.

” هل نسيت هرتز ذلك الأب الروحي للصهيونية العالمية؟ هل نسيت أنه في الأساس مسرحي بارع؛ وأنه لولا موهبته الفذة في القدرة على التخييل وبناء الأحداث لما كانت هناك دولة اسرائيل؟ ” ص 22، فإن مريم هي مناط غرام الجميع وبؤرة الصراع التي تتمحور حولها كل أحداث الرواية.. “اهي قصة حب؛ أم قصة وطن؛ ام أنها قصة الحياة نفسها؟” ص149.

ان شريف محي الدين حين يعمد لرسم شخوص روايته مركزاً على الملامح الفكرية والنفسية والدفوع العاطفية الخداعة تحديداً من خلال حوار بارع قادر على بلورة صور متحركة ككادرات سينمائية تنجز حركة وسلوكيات شخوص روايته عبر صراع درامي متنامي لا يبرأ؛ بل هو يعمد في خفاء إلى الإيحاء بأن الشخص يعادل موضوعياً الوطن..

فهل اختار (مجلة ألوان) السكنرية لتعادل موضوعيا الوطن العربي ككل باعتباره أولاً سكندرياً عاشقاً لمدينته؛ وثانياً وهو الأهم باعتبار الاسكندري هي المدينة الكزموبوليتانية التي تستوعب بسمتها المتفرّدة هذه فكرته لتكون مسرحاً للأحداث والصراع؟!

أم لتكون معادلاً موضوعياً لمصر على وجه التحديد؛ والصراع المصري الاسرائيلي/ الحماسي – ان صح التعبير – خصوصاً بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وما تلاها من أحداث يعرفها الجميع.. سؤال مطروح تميل قناعاتنا بالاجابة عنه: بنعم.. حيث كان لثورتي مصر الأخيرتين نصيب كبير في أحداث الرواية؛ وركن ركين بها.. وهو ايضاً الذي دعى بشريف محي الدين إلى التعريج على الواقع الاجتماعي المعاصر لمصر؛ والاشارة باصبع الاتهام للكثير من الأنظمة به خصوصاً نظام التعليم حيث استطاعت هذه الفتاة ان تحصل على الشهادات الجامعية بمؤهلات هي أبعد ما تكون عن العلم.. أيضاً منظومة الاقتصاد حيث نرى كيف تحول هذا الطبيب الصيدلي من مجال عمله إلى مجال آخر لا يعرف عنه شيء ودون دراسة؛ وكيف أنه حقق نجاحاً وثروة؛ ونرى ايضا كيف يمارس مدير تحرير المجلة مهنته بروتينة غير قابلة للابتكار.. لكن الأهم من كل ذلك – رغم أهميته – هو كيف تنجح هذه الفتاة/ مريم – تلك البعيدة كل البعد عن كل الصفات المرمية – في مد حبال الوهم لتطوق بها قلوب وأعناق الرجال وتتلاعب بهم في حين تضعف أمام شخصية (جاسر عرفات)، والتى تعادل موضوعياً – كما أرى – حماس وليس كما يمكن أن يتشابه على البعض شخصية (ياسر عرفات) كما يوحي بذلك اسمها. وهنا وقفة هامة؛ بل هي أيضاً من أهم عناصر نجاح هذه الرواية – كما أرى – حيث هنا تكمن ذروة الأحداث.. أو ما يمكن أن نطلق عليه: “الحبكة الثانية”، وهي اللحظة التي يكتشف فيهاالقارئ طبيعة العقدة المقدمة في الرواية (الصراع) وعلاقتها بحياته، ويُطلق عليها – ولنتفق مع ما قالته الكاتبة “فيرجينيا وولف” – “لحظة الكينونة” وفيها تتضح جميع العلاقات في الرواية بين الخير والشر، وقد لا يعرف البطل كيفية حل هذه العقدة لكن كل شيء وكل معلومة تتضح أمامه في هذه المرحلة من الرواية، وهو عين ما حدث لأدهم في هذه الذروة:

“حين أمسكت المسدس وصوبته إلى رأس جاسر؛ صحتِ بي:

  • أرجوك لا تفعل
  • إنه لا يستحق سوى الموت
  • إذا كنت تحبني بحق أرجوك لا تفعل
  • لماذا تدافعين عن هذا الحقير؟
  • من وجهة نظرك أنت هو كذلك؛ ولكنه من وجهة نظر أخرى
  •      ….
  • مناضل؛ بطل
  • انه ارهابي خائن
  • بصرف النظر عن اختلافاتنا؛ أرجوك دعه ولا تسمح لنفسك بالوقوع في خطيئة قتله” 
  • نظرت إلى جاسر عرفات وهو ممداً على الأرض مصوباً نظارت عينيه إلى ذراعي الذي لم أعد أشعر به رغم استمرار تدفق الدم منه؛ ثم ألقيت بالمسدس الذي معي في وجهه؛ وانصرفت خارجاً ” ص 145.. هكذا؛ رغم ارتكاب جاسر جريمة القتل تنجح مريم في الحصول على العفو له وإنقاذ حياته؛ أو لنقل هكذا يأتي العفو من المصري عن الحماسي رغم ارتكاب الحماسي جريمة قتل المصري.. ماذا يريد أن يقول لنا/ شريف محي الدين؟

إن عنصراً هاماً من عناصر نجاح هذه الرواية أيضاً يأتي من عدم تشعب أحداثها؛ فالرواية تفتقد إلى عنصر الفنية لتشعب أحداثها وراح مؤلفها إلى الاسهاب في تفاصيل هذه الاحداث المتشعبة؛ وأرى أن شريف محي الدين قد نجا من الوقوع في هذا الشرك المغري لفن الرواية الذي يسمح بطبيعة قماشته العريضة لذلك.

هل مريم جاسوس حماسي مدسوس لمصر؟! – هل الرواية في نهاية الأمر رواية جاسوسية؟ هل تعادل شخصية عمر (رئيس مجلس الادارة) شخصية مصر؛ أم أن شخصية أدهم هي التي تنجز ذلك؛ أم انهما معاً؟ – هل تشير شخصية الطبيب الصيدلي إلى أي أزمة أو كارثة أو هوّه على المستوى الاقتصادي المصري؟ – هل نجح شريف محي الدين في الاشارة بإصبع الاتهام إلى الديموقراطية المزيفة؟ – هل ثمة ملامح فكرية وقناعات ناصرية تحديداً مترسخة لدى المؤلف وتساهم في تشكيل رأيه ورؤيته؟ وأخيراً: هي هي رواية تاريخية أم سياسية أم واقعية.. أم كل ذلك في آن معاً؟.. جملة من الأسئلة تسبح في فضاء القراءة؛ فهل قرأتم هذه الرواية؛ وهل عاشرتموها معاشرةً نصيَّة مستغورةً؟

خلاصة رؤيتي أن راوية (مريم) قد أنجزت عناصر نجاحها من خلال مهارة الأديب/ شريف محي الدين على مجموعة من الاختيارات بعناية شديدة ووعي وإدراك أشد؛ لعل أول هذه الاختيارات هو اختيار اسم بطلة الرواية عنواناً لها؛ يليه براعة اختيار مدينة الاسكندرية كمكان لها لما لهذه المدينة من خصوصية كزموبوليتانية؛ ثم اختيار (مجلة رؤى) كمسرح للأحداث، ثم اختيار زمن الرواية بعد ثورتي مصر الأخيرتين.. أضف إلى ذلك مهارة وحرفية المؤلف في عملية تضفير السياسي بالمجتمعي الاقتصادي في الواقع العربي المعاصر.. وعدم تشعب الاحداث والاسهاب في التفاصيل المملة؛ والوصول إلى ذروة رائعة تعد حبكة ثانية لروايته؛ كما أن الحوار الذي اتكأ شريف عليه في رسم ملامح شخوص روايته النفسية والفكرية كان بطلاً حقيقياً في هذه الرواية.. وقد اتسم سرده بسمات الشاعرية فابتعد بقارئه عن اللغة الجامدة الرسمية التي من شأنها أن تحد من عمل خياله أثناء القراءة، وبعد.. أعتقد أنني اتفق قلباً وقالباً مع ما كتبه الكاتب والناقد العربي/ غريب عسقلاني عن شريف محي الدين بعد أن قرأ هذه الرواية؛ وقد وضع شريف هذه السطور على ظهر غلاف روايته بذكاء لتكون عتبة الخروج حيث قال: “شريف محي الدين كاتب يشعل جذوة الأسئلة القابعة فيك؛ والتي حتماً تؤرقك كما تؤرقه؛ فلا تملك إلا الانحياز لآلآمه”. إنما المتعة الحقيقية في القراءة هي متعة الفوز بلذة الاكتشاف؛ والقدرة على الاجابة عن الأسئلة التي تفتقها القراءة.. لذا فإنني أدعوكم مخلصاً لقراءة هذه الرواية الهامة المواكبة لأحداث عصرها؛ وأضمن لكم بدايةً متعة جماليات السرد عند هذا الروائي الذي ينجز سرده بشاعرية تسمو بمستوى اللغة حتى لتصل إلى انجاز مقاطع شعرية كاملة؛ وبعد.. كانت هذه مجرد اطلالة سريعة على عمل يستحق دراسة هي الأكثر استغواراً ومعايشةً ارجو أن أوفق لإنجازها.

3 آراء على “قراءة في رواية «مريم» لشريف محي الدين

  1. ويظل الشكر موصولاً لأسرة تحرير حانة الشعراء مع مزيد من الاحترام والتقدير

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.