قلب كبير

قلب كبير

د. أمل بشير

اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو

بعيون طفلة اسدلت خصلات شعرها ليداعبها الهواء وتفرح ذراته وهي تنثر عطرها في كل مكان، حدقت للبحر الواسع، وعندما لمحها تسابقت أمواجه لتقبل قدميها، تناثرت ذرات مائه لتصافحها، لتلمس خديها، واستعارت زرقته بياضا من فستانها، فكان عبابه الأبيض، واعارتها تلك الزرقة قليلا، فتلونت عيناها.

غارت الشمس فمنحتها بعضا من ضياء، وتبرع الورد بحماره ليكسو شفتيها المرمريتين، 

فضحكت، ومدت يديها لتعانق الجميع، وتخبرهم كم تحبهم….

هكذا أحست حين وقفت أمام النيل الرائع، حيث تحب أن تقضي لحظات تسافر معها لأبعد ما يمكن أن يحملها خيالها ليفصلها عن الواقع بكل صعوباته فتترك كل ما يحزن أو يؤلم على ضفافه وتعود حرة خفيفة من كل الهموم.

هو نفس المكان حيث اعتادت المجيء مع والدها وهي صغيرة. وفعلت هي بعدها مرارا بصحبة كل من وضعته الحياة في دفترها وعلقت صورته في حبل ذكرياتها. لتغيب الوجوه وتتغير ويبقى ذلك الخالد كما هو ويبقى ذلك الاحساس بالدفء والحب يغمر كل ذرة منها.

افاقت من تلك اللحظة التي سرقتها من تلك الساقية التي كانت تدور مربوطة إليها منذ سنوات.. أصابها التعب والاعياء وكست الشيخوخة مشاعرها التي استهلكتها في الحزن أكثر منها في الفرح فاشتعل القلب شيبا وعجزت عن الوقوف مجددا وفقدت بصرها فلم تعد ترى سوى ذلك النفق الضيق.

فرت من عينها دمعة عانقت خديها وغادرتها على عجل. تذكرت ضحى تلك الفتاة اليافعة التي ماتت منذ ساعات بين يديها. كانت كلمات تلك الممرضة تتردد كالصدى في اذنيها حين اخبرتها أن المريضة “باست” وهي الكلمة المشتقة من الكلمة الإنجليزية passed away ، إنها قد ماتت!

رغم أن الموت كان رفيقا لها في أيامها ويحيط بها من كل جانب. إلا أنه بقي شبحا يطارد مشاعرها فيحرمها من كل لحظة متعة ليطبق بظلامه على احاسيسها ويغمرها بكابته. كانت الفتاة مريضتها لسنوات حتى شعرت ان علاقة ما تربطهما سوى تلك العلاقة المهنية.

هي تذكر اول مرة عاينت فيها تلك الفتاة منذ أربع سنوات.. ضحى ذات العشرين عاما فتاة قمحية اللون جميلة الوجه والروح. لها ابتسامة تسرق نبضات القلوب. مرحة متفائلة مؤمنة بقضاء الله.

تذكر جيدا حين اخبرتها انها تعاني اعتلالا جينيا أصاب قلبها بالعطب. فقد ولدت بقلب كبير يالهذه الأقدار كم هي عجيبة! من قد يتصور أن القلب الكبير حقيقة هو علة تودي بحياة من يملكه. ونحن نحيا حياتنا نطلق قول “قلبه كبير” جزافا، ظنا مننا انه كلما اتسع القلب كان هناك مساحة أكبر للمشاعر الجميلة والتسامح.

كانت ضحى ذات قلب كبير اصطلاحا ولفظا تحمل من المحبة والتسامح ما لم يحتمله قلبها الكبير فتوقف عن أداء وظيفته التي خلقه الله من أجلها الا وهي ضخ الدم وإرساله للرئتين لتقوم بأكسجته وتنقيته من الغاز السام ثم تعيده مؤكسجا مستعدا لتغذية أعضاء الجسد ومد خلاياه بالاوكسجين ليخفق القلب فيضخه ويوزعه بمهارة تدل على إعجاز الخالق. فدقات القلب محسوبة ان زادت فشل في أداء وظيفته وان قل كذلك فشل. وينطبق ذلك على حجم تلك العضلة أيضا فإن زاد حجمها عن المعدل الطبيعي وتوسعت اعتلت وفشلت وأدت لوفاة صاحب القلب الكبير.

عانت تلك الفتاة لسنوات دخلت وخرجت خلالها من المشفى إلى أن انتهت معاناتها بموتها لتضع كلمة النهاية على كل المعاناة. معاناة احتملتها بصدر واسع يناسب حجم ذلك القلب المريض. وابتسامة لطالما ضخت الأمل في قلوب سواها ممن يعرفها أو يراها. لم تخف من ذلك الموت المحتوم ولم تطلب من الدنيا مزيدا من الحياة.

لم تسأل تلك الساعة المحددة ولو قليلا من الوقت الإضافي. ترجلت عن المسرح وهي تعلم أن المخرج أعلم منها بأهمية وحجم دورها في مسرحية الحياة. وكلها ثقة أنه أيضا خبأ لها ما هو أجمل وابقى بقربه.

فوداعا يا صاحبة القلب الكبير سيبقى ما تركته من محبة موجودا دوما وان غبت.

نظرت في ساعتها فخطت خطوات للخلف وودعت حبيبها بنظرة كان يعرف معناها دون الحاجة لأي كلمات أو جمل. ارتدت حذاءها، ووضعت رداءها الأبيض، غادرت، فقد انتهت استراحتها. غادرت ووعد اللقاء يتجدد في كل يوم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s