الاستغناء

الاستغناء

نبيلة غنيم

اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر

علَّمتها أمها فنوناً جمة، أولها فن الصمت والاستماع، وثانيها فن الاستغناء وهو فن لا يَقدر عليه قادر، مِرَانٌ كبير مرت به لتتقن هذا الفن القاسي.

أما الصفة التى لم تزل ملتصقة بأفكارها وأفعالها فهي ” البقاء على الفطرة” فكانت تقول: “حينما يحيا الإنسان بفطرته سليمة دون عبث الفلسفات الدخيلة، فإنه يحيا حياة طيبة حتى لو تكاثرت عليه الهموم“.

كانت دائما تحافظ علي طفولة جوهرها، ولا تدنسه بحكايات الكبار وحوادثهم.

تتعايش مع أجوائها المأتمية الغائمة بالحزن، أيامها مالحة بطعم الدموع ورائحة الحسرة، دموعها عزيزة، برغم فوران قلبها بالدموع حالما ينهش الحزن كبدها. كافحت ذاتها وروضتها، هادنت أيامها بخَلق حياة افتراضية تحياها سراً مع حالها، ربما كانت تُفضي ببعضٍ منها علي استحياء لقريبة وحيدة.

لم تزر السعادة قلبها يوما، ولكنها لم تستسلم لهذا القدر الذي يحد من أفراحها، فقد كانت تتحايل علي اللحظات الهادئة لتجلب السعادة جلباً إلى حياتها فقيرة البهجة لتجعلها محتملة، كثيراً ما كانت تُخفي تعاستها ببسمة أتقنت رسمها جيداً. وجهها متسامحاً دوما لدرجة أن جاراتها يحسبنها أسعد سيدات الأرض؛ فيحسدنها ولا يعرفن كم هي أتعسهن.

هي وردة تفتحت وأينعت في براح من قحط المشاعر، بلا أم تحضن أو أب يحنو

طرقات الشيخوخة تدق بعنف وجهها الجميل في باكورة شبابها، فمنذ موت والديها واحداً تلو الآخر وهي تحافظ علي نوعٍ من الحداد الدائم عليهما حتى كاد سحر أنوثتها يختفي خلف تعاستها.

كانت تعشق اللون الأبيض وترى أنه يُماثل النقاء والطهارة والأخلاقيات العالية، تحمل سلة التهذيب فوق رأسها ليتناول منها كل من حولها وردها وأزهارها ويتزين بها الجميع.

في غفلة من الأيام الكئيبة تقدم لخطبتها رجلٌ وسيم راقٍ، ذو بشرة بيضاء قد طهتها الشمس وجعلتها مشتعلة دائما باللون الأحمر.

يحمل في جوفه صفتان متناقضتان “الطيبة والرأفة الزائدة مع التسلط والعصبية الزائدة ” هو عاطفي بالقَدْرِ الذي يجعل القلوب تميل إليه بسرعة البرق، وحازم بالقدر الذي يجعل العيون جاحظة أمام نظرته النارية حين يأمر وينهي!

تَعَوَّدَ علي إصدار الأوامر، ولا يستطيع أحد أيا كان موقعه أن يأمره. مهنته أكسبته نضج الشخصية وصلابة الرأي والتحكم فيمن حوله

يخشى إظهار مشاعره السخية وعواطفه الجياشة، يرسم علي وجهه الجميل وجه طاغية..

تراه كل النساء بطل أسطوري ممن حكى سيرتهم الأقدمين، ويراه الرجال إمامهم فيعملون له ألف حساب.

تزوجته بلا مقدمات ولا دقات قلبية أو زيارات ولقاءات كباقي الفتيات، تبكى حالها وهوانها علي أهلها، كان عقد الزواج بمثابة عقد ملكية، وكأنها شيء سهل بيعه وشرائه، لم يسألها أحد عن رأيها فيمن ستتزوجه، فلم يكن الزواج إلا أمراً من أخيها الأكبر وإعلام لها فقط.

يومها شعرتْ بأنها كفرخ صغير مبلل لا يهمه إلا الخلاص، فكان الخلاص من الرمضاء للنار، وهنا جاء دور استخدام فن الاستغناء، وأولها الاستغناء عن عاطفتها النابتة في أرضية قلبها لذلك الفتى الذي هام بها عشقاً ولم يستطع الباءة ليتزوجها.

تطبق عينيها علي وسن انتابها، ترى نفسها في عالمها الذي رسمته، يتأرجح النوم في رأسها بدوار ممتع، تقتنع أنه لا بأس من الاستغناء، وتَقَبُل الواقع.

4 آراء على “الاستغناء

  1. شكرا لاهتمامكم وتفاعلكم.. لم أتعمد اغفال الاسم يبدو انه خطأ من قبلي

    Liked by 1 person

  2. القصة تعتمد على الحكي الممتد مما يجعل الزمن مترهلا فيها إلى حد ما، فهي تلجأ لاختصار الاحداث وتتاليها دون القدرة على التفاعل مع الزمن بتذويبه داخل اللقطة القصصية التي لا تحتمل كل تلك التفاصيل الا باستخدام حيل السرد من استرجاع أو استباق

    إعجاب

    1. شكراً لك على تفاعلك ومساهمتك بهذا الرأي النقدي البناء، وتمنينا لو ذكرت الاسم لمزيد من التفاعل، تقبل تحياتنا على قراءتك واهتمامك.

      إعجاب

اترك تعليقًا على محمد عطية محمود / كاتب مصري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.