الحديقة في الفكر والأدب

الحديقة في الفكر والأدب

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

عزيزي القارئ:

من منا لم تكن لديه هوايات غريبة في طفولته؟ ربما استمرت معه للآن، وربما اختفت وحل غيرها مكانها؟

من منا لم يتمنَ لو حافظ على بعض تلك الهوايات ونماها وعمقها حتى صارت من مكونات شخصيته؟

أنا مثلك عزيزي القارئ، منذ وقت بعيد كانت لدي هواية تمنيت لو استمرت معي، لكنها اختفت مثل كثير من الهوايات التي تختفي بالتقادم، وكثير منها بالفعل كان نافعا مفيدا في وقته، والبعض منها نتمنى بعد رحيله في غياهب النسيان أن لو كان استمر يرافقنا، آه.. حديث شيق قد يطول، وربما أفردت لك معه مساحات قادمة من الوقت والحكاية.

من تلك الهوايات التي كنت أعدها كذلك عزيزي القارئ، هواية عمل ملخصاتي الخاصة لكل ما أقرأ من كتب ومقالات ودراسات وغير ذلك، فكانت تغنيني بوجه عام عن إعادة قراءة الكتاب كاملا مرة أخرى، فيكفي أن أتصفحها لأسترجع الموجود بين دفتيه، خاصة وكانت معظم تلك الكتب مستعارة، وكان لزاما عليّ أن أردها للمكتبة في وقت محدد.

منذ أيام وبفضل الكورونا وما أحاطته بنا من عزلة إلزامية، قررت أن أرتب بعض الأوراق والقصاصات الكثيرة التي تمتلئ بها حقائبي وأدراجي، وفي قاع أحد الأدراج تعثرت أصابعي بدفتر قديم مصفر الأوراق، مكتوب على غلافه: ملخصات، لا يمكنني أن أصف لك كم الدهشة و الحنين الذي ملأ كياني، تلمسته لمسة المحب – ونحن في عيد الحب – وقلبت صفحاته بحنان شديد – فهذا اسمي وصفتي – خوفا عليها أن تجرح أو تتلف، ولدهشتي، وجدت جانبا من كتاب قرأته من زمن بعيد، كنت شرعت في تلخيصه، لكن للأسف لم أتمه، اسمح لي عزيزي القارئ أن أصحبك معي في تلك الرحلة السريعة مع غيض من فيض هذا الكتاب.

وفي رحلتنا سأمر بك على الحديقة، نعم، بأشجارها ومعانيها، ودورها الذي لعبته في خيال البشر وآدابهم وفلسفاتهم، سآخذك معي في جولة مع كتاب حديقة النبي، لجبران خليل جبران. 

من المؤكد أن كتاب النبي الذي صدر عام “1923”هو الأشهر من بين ما ألف جبران في حياته، فقد ترجم إلى خمسين لغة، وضع جبران فيه خلاصة تجاربه ومعارفه الحياتية، وآرائه في الحب والزواج والبيت والحرية والقانون والأخلاق والجمال والرحمة، وضمنه ما مر به من آلام لن يفهمها ويستشعرها إلا من هيأ لذلك إحساسه وفكره وموضوعيته، فقد استمد جبران من تجاربه ومعارفه وآلامه ما استطاع أن يربط به علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الإنسان بالله، وخلص إلى أن هنالك وحدة للوجود، وبأن الحب هو جوهر الحياة، ويعد هذا الكتاب بحق هو نقطة التحول في حياة جبران الفكرية.

لعل لنا وقفة أخرى مع كتاب النبي عزيزي القارئ، لكني وعدتك أن آخذك اليوم في رحلة مع قصاصاتي التي وجدتها صدفة؛ فشجعتني للكتابة إليك في تلك اللحظة، فتعال معي نسير بين أشجار الحديقة، ومعانيها كما ورد في مقدمة الترجمة التي قدمها الدكتور ثروت عكاشة لكتاب حديقة النبي لجبران خليل جبران.

اختار جبران الحديقة رمزا لعلاقة الإنسان مع الطبيعة، تلهمه روحه الشرقية وهو يستند على عوامل التطور التاريخي في التعبير والتصور، فقد لعبت الحديقة دورا فعالا في عقائد البشر وتمثل ذلك في آدابهم وفنونهم، فبوذا تلقى الوحي وهو يجلس تحت الشجرة، والمسيح ولد تحت جذع النخلة، والنبي محمد أخذ البيعة من أنصاره تحت الشجرة، لذا دخلت حياة الناس تباركها عقائدهم، وترمز لما يتوقون إليه من متع وآمال.

حدائق سميراميس في بابل، إنها الحدائق المعلقة، التي جمع الملوك فيها كل النباتات التي أخرجتها الأرض تكريما لعشتروت إلهة الخصوبة، وفي ملحمة جلجامش يستقبل الإله “شماس” الأبطال في حديقته ذات الأشجار الزاهية بفاكهتها، والفاكهة كانت ترمز للأحجار الكريمة.

ورغم تطور الجماعات الإنسانية ومحاولتها الاتصال بغيرها فلم يغير ذلك من مكانة الحديقة، ولم يمس اتصالها بالعقائد، وقد أصبحت رمزا للدين والدنيا معا، فملوك بابل أنفسهم الذين اتخذوا من حديقتهم رمزا لتكريم إلهة الخصوبة، رأوا فيها رمزا أيضا للسيطرة والفتح، فسرى في اعتقاد الناس أن امتلاك الحديقة معناه امتلاك الكون.

وقدماء الصريين كانوا يؤمنون أن الحياة الأولى انبثقت من العدم، فخرج “آتوم” – خالق الكون – من الماء ليجلس على برعم زهرة اللوتس بعد أن لفظه اليم فأظلته الشجرة، وكانت إيزيس قد عطرت الحديقة وزينتها بكل محبة، لذا أحاطت الحدائق قصور المصريين وامتدت أمام بيوت الخلد – مقابرهم – فزينوا جدرانها بالزخارف والنقوش، وتناثرت الحدائق في معابد الآلهة حيث تنبت أشجار البخور التي تأتي من بلاد بونت “الصومال حاليا”.

وفي عقيدتهم أن الـ “با” – وهي الروح التي تسكن مع الميت في قبره – تهيم على هيئة طائر وتستقر فوق الأشجار وتشرب من ماء البحيرة، لذا انتشرت الحدائق وازدهرت على ضفاف النيل، وفي تل العمارنة، وبين جنبات المعابد والقصور، تتوسطها حياض الماء وتحف بها أشجار السرو والنخيل.

وتمثلت في الغزل المصري القديم أزهار الحدائق وجمالها كما في تلك المناجاة: “إيه أيتها الأزهار، منك يخفق قلبي، وبين ذراعيك تلين إرادتي، ومن رؤيتك تستمد عيناي الضياء”

وقيل على لسان شجرة: “إني أزهى أشجار الحديقة، أظلل الحبيبين عندما يسعيان إلى ظلي وهما يسكران بخمر العشق”.

وانتقلت الحديقة من الفراعنة إلى الإغريق في شكل حديقة مسورة مقدسة، لكنها لم تصادف لديهم تقبلا، فقد أغرموا بالعقل والفلسفة، فكانت فلسفة الرواقيين صوفية زاهدة رأوا في الحديقة ملاذ الدنيا الباهرة البراقة فنددوا بها وأنكروها.

(الرواقية: مدرسة فلسفية أسسها زينون سنة 200 قبل الميلاد، وقامت على أن الحقيقة مادية تسودها قوة توجهها هي الله، وما دامت الطبيعة تسير وفق العقل، فمن الحكمة أن يسير الإنسان وفق الطبيعة، وقد كان زينون يعلم مريديه في رواق، وإليه نسبت الرواقية.)

وفي اليونان، استخدمت كلمة حديقة مكان كلمة مدرسة، فقد كان كبار أساتذة الفلسفة الإغريق يتخذون من حدائق دورهم مكانا يلقنون فيه تلامذتهم الحكمة، وهكذا أطلق على مدرسة “أبيقور” اسم حديقة أبيقور، لكنها كانت صورة ممسوخة للحديقة، حيث كانت رمزا للذة الحسية لا لانطلاق الروح.

(أبيقور فيلسوف يوناني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت فلسفته تدور حول إسعاد الذات بالمتعة العقلية التي يعدها الخير الأوحد، وأساسها لذة التأمل التي لا يعقبها ألم.)

وعندما فتح الرومان بلاد الإغريق نقلوا عنهم الحديقة إلى روما، وتوجوا بها التلال وعاد إليها طابعها الديني في ظل “الكابيتولينوس” كما كان الحال في ظل “البارثنون” وفي معابد طيبة، ووجد الرومان في الحديقة متسعا للتعبير عن عقائدهم وأساطيرهم، فأنشئوا فيها الكهف الذي قضى فيه “جوبيتر” كبير الآلهة السنتين الأوليين من حياته، كما أكثروا فيها إقامة التماثيل والأركان المتصلة بآلهتهم، وتفننوا في تنسيقها وأعادوا لها صلتها بالعقائد.

وتركوا ضفتي الغدير للحوريات “الناياد” رمز الرشاقة والجمال، وعندما كان صاحب الحديقة يتناول الطعام والشراب في “المُنْية” التي تتوسط الحديقة، كان يتملكه إحساس بأنه يشارك الألهة اللهو والمتاع، وهكذا أصبحت الحديقة لديهم رمزا للجمال والحياة، إلا أن هذه الحديقة اندثرت حين تقلصت امبراطورية الرومان، وبادت خرافة “البحيرة الرومانية” التي كانوا يطلقونها على البحر المتوسط، لكن الحديقة لم تندثر في العالم.

وفي فارس، ظلت الحديقة على ازدهارها في مملكة الساسانيين، حيث اعتنوا بتنسيقها وتنظيمها كرمز لوحدة الإنسان مع الطبيعة، وأصبحت لحدائقهم قوة السحر في النفوس، اختفت التماثيل، واتجهت الحدائق للتعبير عن حب الحياة والاستمتاع بملذاتها.

انقسمت الحدائق في فارس لأربعة أقسام متساوية تفصل بينها قناتين متقاطعتين، وعند نقطة تقاطعهما تقام نافورة يجلس إليها كسرى ورفاقه الذي أصبح في نظر الناس سيد الحديقة وباعث الحياة فيها، فهو يمثل الخصوبة وقوة الخلق في الطبيعة.

ونظرا لقسوة الشتاء على الحديقة، فكر كسرى في طريقة لحمايتها، فابتكر الصناع أساليبهم لنقلها داخل القصور فرسموها على السجاجيد، وكانت الصلة بين الملك والحديقة كبيرة حتى اعتقد ملوك الفرس أن ملكا بلا حديقة مجرد من كل سلطان.

عزيزي القارئ.. أزعم أني قد أطلت عليك، فإلى لقاء قادم، نستكمل رحلتنا معا في الحدائق عند المسلمين كما لخصتها من مقدمة كتاب حديقة النبي في قصاصاتي الورقية.

رأيان على “الحديقة في الفكر والأدب

  1. جميل أن يفسح الإنسان لنفسه فسحة لرحلةٍ فلاش باك مع ذكرياته يسترجع خلالها الكثير من مشاعر البهجة وتجديد الفوز بلذة اكتشافات جديدة ربَّما لم يفز بها في حينها ، خصوصاً مع قراءاته التي شكلت الكثير من ملامح ثقافته ومعرفته حيث يتأكد له أن حاضره ما هو إلاَّ الإبن الشرعي والامتداد الطبيعي لماضيه ، وهو المتكئ الذي سينطلق منه إلى مستقبل أكثر وعياً وإدراكاً .
    أحييكِ يا صديقتي المبدعة /الاستاذة / حنان عبد القادر ، وأدعوكِ مخلصاً إلى الإكثار من هذه التأملات ، وأشد على يديك بحرارة .

    إعجاب

    1. أستاذي الكريم.. أشكر توقفك للقراءة وحسن متابعتك لما أكتب ولكل ما ينشر على الحانة.. وأشكر رأيك في مقالتي وأتمنى أن أستطيع نقل ما أود من فكر فيما سأتبعه لها من مقالات.. وأرجو ألا تمل من المتابعة فرأيك يستنار به.
      تحيات ومودة دائمة لك أيها الشاعر الناقد المثابر.

      إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.