تجليات الذات الشاعرة – قراءة في قصيدة «امرأة غير صالحة للحب» للشاعرة أماني منصور

تجليات الذات الشاعرة – قراءة في قصيدة «امرأة غير صالحة للحب» للشاعرة أماني منصور

د. محمد سعيد شحاتة

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

يعدُّ العنوان عتبة الولوج الأولى إلى عالم النص؛ فهو ذو دلالة خاصة ومثيرة بالنسبة للعمل الأدبي ومتلقي هذا العمل في الوقت نفسه؛ فالعنوان يثير في المتلقي هاجس التوغل في كنه العمل الأدبي ومحاولة اكتشاف أسراره ودسائسه، والسباحة بين عوالمه الداخلية، وبالتالي فإن رصد العنوان وتفكيكه يكشف عن دلالات الخطاب وأسراره، ومن هنا يكتسب العنوان أهميته المائزة من حيث كونه نصا قصيرا أما العمل الأدبي فهو النص الطويل، وانطلاقا من هذا المنظور سوف نتوقف أمام العنوان كأحد العلامات الدالة على فهم النص.

يتكون العنوان من جملة اسمية حذف مبتدأها (امرأة غير صالحة للحب) والتقدير (أنا – هذه) فإذا اعتبرنا المحذوف (أنا) فإن ذهن المتلقي ينصرف مباشرة إلى الأنا الشاعرة، وكأن القصيدة تشكيل سير ذاتي يؤرخ للذات الشاعرة، ويصف ملامح هويتها، وأنها غير صالحة للحب، وإذا اعتبرنا المحذوف (هذه) فإن العنوان يقدِّم بذلك توصيفا للمرأة غير الصالحة للحب، وفي جميع الأحوال فإن الأدب ليس تدوينا سيريا للشخصية الإبداعية، وليس وثيقة اجتماعية، وإن كان يمتاح من نفس الأديب ويستند على معاناته الحياتية في رصد حركة النفس، وتموجات اللاشعور.

قلنا إن العنوان يتكون من جملة اسمية، ومن الناحية الفكرية يتكون من طرفين، الأول هو الذات الشاعرة (أنا/هذه امرأة) والطرف الثاني الموضوع (غير صالحة للحب) ومن الملاحظ أن الطرف الأول (أنا/هذه امرأة) قد جاء مثبتا، أما الطرف الثاني (غير صالحة للحب) فقد جاء منفيا، ومن ثم فإننا أمام إثبات لوجود الذات الشاعرة من حيث كونها وجودا ماديا متشكلا، فهي امرأة بكل الأوصاف الأنثوية، ولكنها غير صالحة للحب، أي أنها من حيث تكوينها الأنثوي – جسدا وشعورا – لا ينقصها شيء، ولكنها لا تصلح للحب،  مما يدفعنا إلى التساؤل عن عدم صلاحيتها للحب، فيقدم النص إجابة عن هذا التساؤل الذي نكتشف من خلاله أن ما تدعيه بعدم صلاحيتها للحب هو أهم ما يجعلها صالحة للحب، وهذا يدفعنا إلى القول بأن النص مراوغ للمتلقي لتتبع عناصره حتى النهاية؛ إذ تقول (وأنا امرأة لا تجيد البوح … لا تعرف صبرا … ولا تجيد حيل النساء.. امرأة لا تعرف كيف تقول أحبك.. خرساء فقدت قدرتها على التعبير…) وهذه هي مبررات عدم صلاحيتها للحب، ولكنها تقدم المقابل لذلك إذ تقول (أشتاق فأشتري صوفا.. أغزل الشوق وشاحا علّني أهديه له عشية العيد . أغار .. يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار من كل نظرة لم تكن لي.. من ابتسامة على شفتيه لست بظلها.. من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي .. أنا امرأة لا تتقن لغة المجاز.. لكني أجيد الاختباء بين الكلمات .. أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات .. حين يئن القلب من فرط الوجد( وهنا نجد أنفسنا أمام امرأة تجيد الحب، ولكن بطريقة مختلفة، وهو ما يشير إلى أن الحب من وجهة نظر الذات الشاعرة نوعان، وهي لا تصلح لواحد من هذين النوعين، وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن نوع الحب الذي هي غير صالحة له لنكتشف أنها فعلا غير صالحة للحب الذي لا يحترم كبرياء الأنثى، ولا ينظر إليها على أنها كيان إنساني مستقل، وتحتاج إلى العزف على أوتار الروح كي تستطيع البوح بمكنون نفسها، ومن ثم لجأت إلى الليل تطلب منه أن يعلمها كيف تبوح (أخبرني كيف أبوح..؟ علمني كيف أناجيه..؟ كيف أصوغ العشق لغة تبلُغُه..؟) وهذا ما يجعلها صالحة للحب من وجهة نظرها.

وإذا نظرنا إلى التكييف البلاغي للعنوان فسوف نجده جملة خبرية ابتدائية، وهذا يعني أنها تقدم لنا خبرا يستند على أن المتلقي خالي الذهن، ولذلك جاء الخبر/العنوان خاليا من أية مؤكدات، كما أننا نلاحظ أن الطرف الأول من طرفيْ العنوان الدال على الذات الشاعرة محذوف (أنا/هذه) وأما الخبر الدال عليه (امرأة) فقد جاء نكرة مما يدل على أن الذات غائبة لحساب الموضوع، وإذا حضرت لفظيا فإنها تحضر في شكل نكرة (امرأة) دالة على العموم، وكأن ما يشغل الذات الشاعرة ليس نفسها وإنما يشغلها الموضوع الذي يسيطر عليها، ويملأ نفسها لدرجة أنها تغيب ليحضر الموضوع على المستوى اللفظي (غير صالحة للحب) وعلى المستوى الدلالي كذلك، وهو ما سوف ينعكس على حركة المعنى في النص.

حركة المعنى وإنتاج الدلالة

لقد اختزل العنوان الدلالة المضمونية للقصيدة؛ ذلك أن القصيدة تتكئ على الطرفين اللذين وردا في العنوان (الذات الشاعرة – الموضوع) ناسجة حولهما كل المحمولات الدلالية، ومتخذة من العنوان مفتاحا سحريا للولوج إلى عالم النص، مخبئة فيه دلالات النص الكبرى.

  • 1 –

يا ليل..                

هل تسامرني..؟                   

وحدي أسير على شاطئك 

خاوية مني

لا ظل يؤنس وحشتي

ولا قمر ينير.. 

يبدأ المقطع الأول بالنداء لليل، ولكنه ليس نداء بالمفهوم الحقيقي، وإنما نداء الغرض منه التمني أن يستمع إليها الليل ويتآلف معها ومع ما تريد، ثم يأتي الأسلوب الإنشائي الثاني مباشرة (هل تسامرني) وهو أيضا دال على التمني، فهي تنادي الليل وتتمنى أن يسامرها؛ لأنها لم تجد من يسامرها (وحدي أسير على شاطئك) وهي صورة متوارثة للمحب الذي يعاني غربة الاشتياق، ولكنها هنا تتحول عند الشاعرة إلى ما يشبه الصورة الفلسفية عندما تقول (خاوية مني)  فقد سُلبت إرادتها وأصبحت غير قادرة على التحكم في نفسها وذابت نفسها ولم تعد ترى سوى الموضوع الذي تحدثنا عنه في العنوان/الحب، وهو الطرف الآخر من طرفي القضية/الذات الشاعرة والحب، لتنتقل بعد ذلك إلى العالم الخارجي (لا ظل يؤنس وحشتي ولا قمر ينير) ومن ثم فإن هذا المقطع من القصيدة يعد تأسيسا للرؤية التي سيطرحها النص، وتنساب في حركته وتموجات تضاريسه لتصل إلى النهاية، وقد قرنت الشاعرة بين عالمها (خاوية مني) والعالم الخارجي (لاظل يؤنس وحشتي ولا قمر ينير) لتكشف من خلال ذلك عن وحشتها في عالم الليل المظلم الذي لا يوجد فيه قمر ينير لها الطريق؛ لتهتدي في سيرها على شاطئه وحيدة، ثم يبدأ النص في الانفتاح تدريجيا على عوالم الشاعرة راصدا تجليات الذات في بوحها المملوء شجنا ولوعة واشتياقا، وتبرر في الوقت نفسه أسباب طلبها من الليل أن يسامرها بعد أن غاب المسامر.

  • 2 –

أحببت يا ليل والدروب بعيدة.. 

وأنا امرأة لا تجيد البوح 

هناك..

في الأفق البعيد تركت قلبي 

لا الدروب تطوى ولا المسافة تلين.. 

أنا امرأة غير صالحة للحب.. 

لا تعرف صبرا 

ولا تجيد حيل النساء.. 

لكني أتوق لذاك النور 

امرأة لا تعرف كيف تقول أحبك.. 

خرساء فقدت قدرتها على التعبير

يبدأ المقطع الثاني بالإقرار بالحب، ولكن مع هذا الإقرار تتجلى مجموعة من الظلال المصاحبة (الدروب بعيدة – وأنا امرأة لا تجيد البوح) وهذان الملمحان سوف يشكلان متكأ للدلالة في المقطع بأسره، وتنسج الشاعرة من خلالهما بعضا من ملامح الذات (في الأفق البعيد تركت قلبي .. لا الدروب تطوى ولا المسافة تلين) وهنا أول ملمح من ملامح الاستحالة/استحالة اللقاء، ومن ثم سبب من أسباب المعاناة إلى جانب أنها امرأة لا تعرف الصبر وفي الوقت نفسه لا تجيد حيل النساء، ولا تجيد التعبير عن حبها، ولكنها تواقة إلى ذلك النور/الحب، هي مجموعة من المتلازمات في الذات الشاعرة تؤدي إلى المعاناة الحتمية، فإذا كانت لا تجيد التعبير فكيف سيعرف الطرف الآخر بحبها، وإذا كانت الدروب بعيدة والمسافة لا تلين فكيف يكون اللقاء، فلا هي تجيد التعبير ولا المسافة تلين والدروب بعيدة، كلها مجموعة من التعقيدات تراها الشاعرة مفضية بالضرورة إلى شيء واحد، وهو أنها امرأة غير صالحة للحب رغم توقها لذلك النور/الحب وشوقها إلى ممارسته، ثم تزداد الدلالة انفتاحا في المقطع الثالث فتحيلنا إلى نظيراتها من النساء المحبات عبر التاريخ اللاتي أحببن وانتظرن عودة المحبوب.

  • 3 – 

أشتاق..

فأشتري صوفا.. 

أغزل الشوق وشاحا 

علّني أهديه له عشية العيد .

 أغار

 يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار 

من كل نظرة لم تكن لي.. 

من ابتسامة على شفتيه لست بظلها.. 

من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي

أنا أمرأة لا تتقن لغة المجاز.. 

لكني أجيد الاختباء بين الكلمات 

أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات 

حين يئن القلب من فرط الوجد

يبدأ المقطع بإحالتنا إلى بينلوبي زوجة أوديسيوس، أو عوليس في الأساطير الرومانية التي ظلت وفية لزوجها ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها، خاصة بعد وصول أغلب المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها، وكانت بينلوبي تتعلل بأنها عندما تنتهي من نسج القميص سوف تتزوج، وهنا يشير المقطع إلى وفاء الذات الشاعرة للمحبوب رغم البعد بينهما، وينقسم المقطع إلى ثلاثة أقسام، ففي القسم الأول يتحدث النص عن لحظة الشوق، فعندما تشتاق تشتري صوفا لتغزل الشوق وشاحا (أشتاق.. فأشتري صوفا.. أغزل الشوق وشاحا علّني أهديه له عشية العيد) ويسيطر على هذا القسم الأفعال المضارعة الدالة على التجدد والاستمرار، وهو ما يتناسب مع الحالة الشعورية؛ إذ اشتمل القسم على أربعة أفعال في أربعة سطور هي مكونات هذا القسم (أشتاق – أشتري – أغزل – أهديه) فالشوق حالة شعورية متجددة وليست ثابتة، وكذلك الغزل/أغزل، أما الفعل (أشتري) فكان من الممكن مجيئه ماضيا وهو ما يتناسب مع الموقف؛ فهي حين اشتاقت اشترت صوفا، ولكن لأن حالة الشوق متجددة ومستمرة فإن الشراء سيستمر ويتجدد كذلك؛ لأن ما تشتريه في كل مرة ينتهي بسبب طول الانتظار فتعود للشراء مرة أخرى، وهكذا فإن الفعل (أشتري) يأتي دالا على تجدد الشوق، وطول مدة البعد مما يؤدي إلى العودة إلى الغزل/أغزل مرة بعد مرة، ثم تأتي الأمنية في نهاية هذا القسم (علني) واستخدام الأداة (لعل) بدلا من (ليت) ليدل على أن اللقاء ليس مستحيلا من وجهة نظر الذات الشاعرة؛ لأن (ليت) تدل على التمني لشيء مستحيل الحدوث، أما (لعل) فإنها تدل على الترجي لشيء ممكن الحدوث، ومن ثم فإن أمل الذات الشاعرة في اللقاء بعد طول البعد أمل ممكن التحقق، ثم يأتي القسم الثاني من هذا المقطع ليتحدث عن الغيرة، وهي أهم صفة في المرأة المحبة (أغار .. يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار من كل نظرة لم تكن لي..  من ابتسامة على شفتيه لست بظلها..  من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي) ففي البداية تقر بأن صفتها الأساسية أنها لا تخبره بأنها تغار، وهي بذلك تتسق مع صفة الأنثى بعامة التي تتسم بالكبرياء، كما تتسق مع ما قررته في المقطع الثاني بأنها امرأة لا تجيد البوح، ولكن غيرتها تعتصرها داخليا، ونلاحظ استمرار سيطرة الأفعال المضارعة على هذا القسم أيضا (أغار – يمنعني – لم تكن – يهمس) وهو ما يتناسب مع استمرار الحالة الشعورية التي تعد امتدادا لحالة الشوق المهيمنة على القسم الأول من المقطع، ولكننا نلاحظ وجود فعل ماض (رافقه) ليتناسب مع حالة الحبيب البعيد، ثم يأتي القسم الثالث من المقطع لتعود الذات الشاعرة إلى نفسها فتتحدث عن ملامحها النفسية (أنا امرأة لا تتقن لغة المجاز..  لكني أجيد الاختباء بين الكلمات .. أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات .. حين يئن القلب من فرط الوجد) فتقرر ما سبق أن قررته صراحة أو إيحاء، فهي امرأة لا تعرف غير الكلمات الصريحة المعبرة بدقة (أنا امرأة لا تتقن لغة المجاز) فعندما تحب تقول ذلك صراحة، ولكنها أيضا يمنعها كبرياؤها من البوح، وهنا يبدأ التناقض فكيف تستطيع البوح بالحب وهي امرأة لا تجيد البوح؟! أو كما عبَّرت في المقطع الأول (امرأة لا تعرف كيف تقول أحبك..  خرساء فقدت قدرتها على التعبير) وكيف تحافظ على كبريائها وهي امرأة تشتاق وتغار حتى النخاع؟! أو كما عبَّرت بقولها (أغار من كل نظرة لم تكن لي.. من ابتسامة على شفتيه لست بظلها.. من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي) وهنا يأتي قولها (لكني أجيد الاختباء بين الكلمات .. أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات .. حين يئن القلب من فرط الوجد) وهذا يعني أن علينا البحث بين كلماتها لمعرفة شعورها الحقيقي وشوقها وغيرتها، ثم يأتي المقطع الرابع لتندفع الذات الشاعرة نحو الليل لتحدِّثه بأمنياتها.

  • 4 –

يا ليل.. 

اطو المسافة بيننا 

افرد بساط الحلم نورا يوصلني إليه 

وشوش النجمات ترسم قلبين 

تعانقا في سمائك 

علّه يدركها..

علّه يعي انشطار الروح في الغياب 

علّه يرى الدمعات المخبأة.. 

يسمع أنين البسمات.

على شاطئ خاوٍ إلا مني.. 

أبكي بصمت

تشاركني موجة مهاجرة 

دمعات عشقه يضنيها انشطار الروح 

ونهنهات الصمت، 

فتبكي..

يبدأ المقطع بنداء الليل (يا ليل …) ثم تتوالى أساليب الأمر الدالة على التمني (اطوِ – افردْ – وشوشْ) لتشتمل على ثلاث رغبات مختلفة، ولكنها تصبُّ في مجرى واحد، وهو الرغبة في القرب من الحبيب، ومعرفته بما تعانيه من آلام البعد وتمزقات الشوق، وتتوالى الأمنيات الدالة من خلال نوع آخر من الجمل التي تبدأ بأداة الترجي (لعل) لتحوِّل الدلالة من دائرة الاستبعاد/استحالة الحدوث إلى دائرة الممكن/إمكانية الحدوث؛ إذ استبعدت استخدام الأداة (ليت) الدالة على استحالة حدوث الشيء، ولجأت إلى استخدام الأداة (لعل) الدالة على إمكانية حدوث الشيء على الرغم من أن ما تطلبه من الليل مستحيل الحدوث واقعا فعليا (وشوش النجمات ترسم قلبين تعانقا في سمائك علّه يدركها.. علّه يعي انشطار الروح في الغياب .. علّه يرى الدمعات المخبأة.. يسمع أنين البسمات) ثم يأتي الجزء الثاني من المقطع لتعود الذات الشاعرة إلى نفسها مرة أخرى لتتحدث عن وحدتها التي كانت بدأت بها المقطع الأول (على شاطئ خاوٍ إلا مني.. أبكي بصمت .. تشاركني موجة مهاجرة .. دمعات عشقه يضنيها انشطار الروح .. ونهنهات الصمت، فتبكي) وتمثل فكرة بُعْد الحبيب ووحدتها فكرة مركزية في القصيدة؛ إذ لا تفتأ تكررها عبر القصيدة كاملة من خلال نوافذ مختلفة وبأساليب متعددة، لتشكِّل بذلك الهمَّ الأكبر للذات الشاعرة، ففي المقطع الأول قالت (وحدي أسير على شاطئك خاوية مني .. لا ظل يؤنس وحشتي ولا قمر ينير) وفي المقطع الثاني قالت (أحببت يا ليل والدروب بعيدة) لتعود تؤكد على فكرة الوحدة وابتعاد المحبوب، وفي المقطع الثالث قالت (أشتاق.. فأشتري صوفا.. أغزل الشوق وشاحا علّني أهديه له عشية العيد) وإحالتها على فكرة الغزل/أغزل تحيلنا على بُعْد المسافة بينها وبين المحبوب، ومن ثم فإن فكرة الغياب وما يترتب عليه من معاناة تمثل بؤرة الرؤية في النص، وقد عبَّرت عن ذلك صراحة في قولها (علّه يعي انشطار الروح في الغياب) ثم تنفتح القصيدة في المقطع الخامس على البوح الذي قالت الذات الشاعرة إنها لا تجيده، ولكن المقطع يثبت أن قولها مجرد ثرثرة عاشق يحاول مواراة ألمه وادعاء تماسكه، لتصل بنا القصيدة في المقطع الخامس فينهار التماسك، وتقع الذات الشاعرة فيما ادعت عدم قدرتها عليه، أو رغبتها فيه؛ فقد قالت في المقطع الثالث (أغار ..  يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار من كل نظرة لم تكن لي..  من ابتسامة على شفتيه لست بظلها..  من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي) وفي المقطع الثاني قالت (وأنا امرأة لا تجيد البوح .. امرأة لا تعرف كيف تقول أحبك..  خرساء فقدت قدرتها على التعبير) ولكنها تأتي في المقطع الخامس لتقع في إغراءات البوح بالحب، وتشكو الألم والمعاناة.

  • 5 –

هناك..

في قلب البحر حورية تغتسل 

تبكي وجع الغياب.. 

علَّ غناها يبلغ قلب حبيبها 

فيعود

وددت لو أني استطعت الغناء

في مدى الصمت أدركت عذابي.. 

رحت أرسم حروفه نقوشا على جدار الروح

فلا كلمات تليق بالوجد 

حين ينوء به القلب

.. فقط صمت 

وضمة حبيب

يبدأ المقطع بالإشارة للبعيد مما يجعل المتلقي يشعر أن الحديث عن شخصية أخرى غير الذات الشاعرة، فتتحدث عن الذات الشاعرة بصيغة الغياب، وهو ما يتناسب مع فكرة الغياب؛ ليكون الغياب على المستويين اللفظي والدلالي، فتتعمق صورة الألم وملامح المعاناة (هناك.. في قلب البحر حورية تغتسل .. تبكي وجع الغياب.. علَّ غناها يبلغ قلب حبيبها فيعود) ولكنها تعود إلى نفسها فتتحدث بصورة الأنا/الحضور (وددتُ لو أني استطعتُ الغناء ..في مدى الصمت أدركتُ عذابي..  رحتُ أرسم حروفه نقوشا على جدار الروح) وهو ما يعرف في البلاغة باسم أسلوب الالتفات، وسوف نتحدث عن ذلك لاحقا، ومن الملاحظ الحضور المكثف للذات الشاعرة من خلال الضمائر الدالة عليها (وددتُ – أني – استطعتُ – أدركتُ – عذابي – رحتُ – أرسم/أنا) في محاولة من الذات الشاعرة لتثبيت وجودها أمام تيار الغياب الجارف، لتنتقل في نهاية المقطع إلى ما يشبه التسليم بعجز اللغة عن التعبير عن معاناتها (فلا كلمات تليق بالوجد حين ينوء به القلب.. فقط صمت.. وضمة حبيب) لينتهي المقطع بذلك معبِّرا عن حالة التيه وفقدان التوازن وعجز اللغة عن التعبير؛ ليفتح المجال بذلك أمام المقطع الأخير الذي يعود فيه النص إلى مناجاة الليل كما بدأ، فيجعل المحمولات الدلالية للقصيدة كلها واقعة بين قوسين/البداية والنهاية، وكلا القوسين يمسك بهما الليل بدلالاته المتعددة، وبين البداية والنهاية تتجلى معاناة الذات الشاعرة، وبوحها، وشوقها إلى المحبوب، وغيرتها وانفعالاتها المتنوعة.

  • 6 –

يا ليل.. 

هل تسامرني..؟ 

أخبرني كيف أبوح..؟ 

كيف أكتفي بصمتي وداخلي بركان..؟!

علمني كيف أناجيه..؟ 

كيف أصوغ العشق لغة تبلُغُه..؟ 

علمني..

كيف أكون امرأة صالحة للحب….؟

تعود الذات الشاعرة إلى ما بدأت به النص بمناجاة الليل أن يسامرها، فتتوالى الجمل الإنشائية الدالة على التمني متنوعة ما بين نداء واستفهام وأمر، وكلها تحمل غرضا واحدا، وإن تنوعت، وهو التمني، فتتمنى أن يسامرها الليل مستخدمة أسلوب الاستفهام (هل تسامرني) وهو تمنٍّ يحمل في طياته مرارة البعد ولوعة الاشتياق، ثم يأتي الأمر الممزوج بالاستفهام (أخبرني كيف أبوح؟) متناسقة مع طبيعتها التي لا تبوح فتطلب من الليل أن يعلمها كيفية البوح، ثم يأتي الاستفهام الدال على التعجب والاستنكار (كيف أكتفي بصمتي وداخلي بركان..؟!) كاشفة عن التناقض الذي تعيشه الذات الشاعرة بينها وبين نفسها؛ فهي تكتفي بالصمت، ولكنها تعاني من بركان داخلي، وهي كذلك تتناسق بهذا القول مع نفسها التي لا تعرف البوح، ولكنها هنا تنتقد هذه الصفة من خلال مجيئها في سياق التعجب والاستنكار فهي تتعجب من طبيعتها المتناقضة، وتستنكر هذه الطبيعة التي تحب ولكنها لا تعبر عن حبها وتكتفي بالصمت، ثم تنتقل إلى إغلاق المقطع وإنهاء المعاناة من خلال جمل صريحة تطلب من الليل أن يعلمها كيفية مناجاة الحبيب، أي تطلب منه أن يعلمها كيفية التخلص من طبيعتها التي سبَّبت لها كل هذه المعاناة، وهي الطبيعة التي لا تبوح، وتصل إلى النهاية فتختم النص بالجملة المفتاحية/العنوان (علمني..  كيف أكون امرأة صالحة للحب….؟) وهي تأكيد لما ورد في العنوان بطريق غير مباشرة، ففي العنوان قالت إنها (امرأة غير صالحة للحب) وفي الخاتمة تطلب من الليل أن يعلمها كيف تكون صالحة للحب، وبذلك تخبرنا أنها تريد أن تتخلى عن طبيعتها التي اتسمت بها، وشكلت ملامح شخصيتها، ولكن الحب استطاع أن يجعلها تثور على هذه الطبيعة وتتمنى أن تتغير؛ لتكون امرأة صالحة للحب.

لقد استطاعت حركة المعنى في النص الكشف عن تموجات الذات الشاعر وتقلباتها المختلفة بين المتناقضات التي هي من طبيعة الشخصية العاشقة؛ فهي تريد أن تتخفى عن الأنظار منكرة حبها أحيانا، وكاشفة عنه أحيانا، وشاكية من لوعة الشوق وألم الفراق أحيانا، ومتمنية تغيير ما هي عليه أحيانا، فهي تعبر بذلك عن الطبيعة العاشقة للنفس الإنسانية، وقد استطاع العنوان بدلالته المفتاحية الكشف عن المحمولات الدلالية للنص متناسقة في ذلك مع حركة المعنى التي عبَّرت عن الدلالة المتضمَّنة في العنوان.

الذات الشاعرة في مرآة نفسها

قدَّم النص صورة محدَّدة المعالم للذات الشاعرة، بحيث لا تخطئها العين، واحتلت صورة الذات الشاعرة النص كاملا فلا يخلو مقطع من مقاطعه دون وضع خط من خطوط تلك الملامح، فإذا وصل النص إلى نهايته اكتملت ملامح الذات الشاعرة، واستقرت في الذهن الرسالة التي أراد النص إيصالها.

1 – الصدق مع النفس: تتجلى الذات الشاعرة في مرآة نفسها صادقة، وباحثة عن الحب والأمان، وقد بدا ذلك منذ السطور الأولى في النص؛ إذ تقول (وحدي أسير على شاطئك .. خاوية مني .. لاظل يؤنس وحشتي .. ولا قمر ينير) فهي تصرِّح منذ البداية بمعاناتها، ولم تلجأ إلى الإنكار وأنها قادرة على التحمل، وسوف تمارس حياتها عادية، وتؤكد حضورها الفعلي من خلال الإقرار الصريح بحبها، وكذلك واقعها الذي يدمي قلبها (وحدي أسير – لا ظل يؤنس وحشتي – لا قمر ينير) ومع هذا الواقع المؤلم فإنها تقر بحبها، وتتوالى هذه الملامح الدالة على صدقها، فتعود إلى الحديث عن الفكرة نفسها في موضع آخر من النص (أحببت يا ليل والدروب بعيدة.. في الأفق البعيد تركت قلبي لا الدروب تطوى ولا المسافة تلين) فالطرفان (الحب – البعد) ما زالا يشكلان المشهد في الرؤية لدى الذات الشاعرة، فهي تحب ولكن المحبوب بعيد، ولقاؤهما صعب (الدروب بعيدة – في الأفق البعيد تركت قلبي) وتعود مرة أخرى إلى الفكرة نفسها ولكن بأسلوب آخر حين تناجي الليل (يا ليل.. اطو المسافة بيننا .. افرد بساط الحلم نورا يوصلني إليه) إن الصدق مع النفس وعدم المراوغة والتخفي خلف دلالات الألفاظ سمة بارزة في الذات الشاعرة، على الرغم من أنها صرَّحت أنها امرأة لا تعرف التصريح بالحب (امرأة لا تتقن المجاز، ولكنها تجيد الاختباء خلف الكلمات) وهنا تبدو متناقضة؛ إذ لا تعرف كيف تقول أحبك..  خرساء فقدت قدرتها على التعبير، ولكنها في الوقت نفسه تقرُّ بإجادتها الاختباء خلف الكلمات يعني أنها تتقن المجاز؛ لأن ذلك معناه أنها لا تصرِّح بمشاعرها وإنما تعبِّر بطريق غير مباشرة، إنها حالة الحب التي تتسم بها الذات الشاعرة تجعلها تثبت الشيء وعكسه في الوقت نفسه، ولكنها في جميع الأحوال صادقة مع نفسها في مشاعرها، ويدخل ضمن هذا الملح/الصدق مع النفس تصريحها بالغيرة، وتصريحها في الوقت نفسه بإخفاء غيرتها (أغار  يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار من كل نظرة لم تكن لي..  من ابتسامة على شفتيه لست بظلها..  من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي أنا أمرأة لا تتقن لغة المجاز.. لكني أجيد الاختباء بين الكلمات  أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات) فالجمل كاشفة بوضوح تام غيرتها الشديدة، وكاشفة كذلك عن كبريائها واعتزازها بنفسها؛ إذ تقرُّ بالحالتين معا متواليتين (أغار يمنعني كبريائي أن أخبره …) واستخدام الفعل المضارع في الحالتين الدال على التجدد والاستمرار يدل على أن حالة الغيرة متجدد ومستمرة، وكذلك منع كبريائها لها من التصريح بغيرتها، وهو تناسب بين الحالتين، وكأنها تريد أن تقول إن كبرياءها لم يتراجع ولو مرة واحدة أمام غيرتها الشديدة، ولم تفقد السيطرة على نفسها والتحكم فيها.

2 – الأمل: وقد تجلت الذات الشاعرة في أكثر من موضع في النص إيجابية يملؤها الأمل رغم ما صوره النص من عقبات متعددة ومتنوعة، ومن ذلك (أشتاق.. فأشتري صوفا.. أغزل الشوق وشاحا علّني أهديه له عشية العيد – أنا امرأة غير صالحة للحب..  لا تعرف صبرا ولا تجيد حيل النساء..  لكني أتوق لذاك النور – افرد بساط الحلم نورا يوصلني إليه وشوش النجمات ترسم قلبين تعانقا في سمائك .. علّه يدركها..  علّه يعي انشطار الروح في الغياب .. علّه يرى الدمعات المخبأة.. يسمع أنين البسمات على شاطئ خاوٍ إلا مني) فنحن أمام ثلاثة مشاهد دالة، فالمشهد الأول يصور الذات الشاعرة لحظة شوقها فنجد الأمل يملؤها باللقاء رغم البعد الشديد الذي يصوره المشهد من خلال استدعاء شخصية بينلوبي زوجة عوليس، ومن ثم استدعاء رحلة عوليس الطويلة التي استمرت عشر سنوات، ولكن بينلوبي لم تفقد الأمل في عودته إليها، وهنا نجد الذات الشاعرة في تعبيرها عن الشوق تلجأ إلى صنع وشاح للحبيب الغائب؛ لتهديه إليه عشية العيد/عودته، أما المشهد الثاني فإنه يصور الذات الشاعرة تائقة إلى النور/الحب رغم إقرارها أنها امرأة غير صالحة للحب، وفي المشهد الثالث تبدو الذات الشاعرة إيجابية تماما؛ إذ تطلب من الليل أن يطوي المسافة بينها وبين الحبيب، وأن يفرد بساط الحلم نورا يوصلها إليه، وأن يوشوش النجمات؛ لترسم قلبين تعانقا في السماء، كل ذلك لكي يرى الحبيب البعيد ما تشعر به (عله يدركها) وما تعاني منه (علّه يعي انشطار الروح في الغياب .. علّه يرى الدمعات المخبأة) فمع شوقها الجارف إليه تمتلئ بالأمل في تفهّم ما تعانيه وما تخفيه خلف ابتساماتها الظاهرية (يسمع أنين البسمات على شاطئ خاوٍ إلا مني) لقد كانت الذات الشاعرة إيجابية في كل حالاتها، وآملة في اللقاء بالمحبوب، وأن كل ما تفعله سوف يصل إليه.

الذات الشاعرة في مرآة المتلقي

1 – الحيرة: وتتجلى حيرة الذات الشاعرة في أكثر من موضع وبأكثر من شكل، فهي حائرة بين طبيعتها التي تشكلت منها شخصيتها، وطبيعة الإنسان العاشق الذي ينبغي أن يعبر عن حبه، فلا هي تستطيع أن تتخلى عن طبيعتها، ولا تقدر أن تكتم مشاعرها، وإن كانت قادرة على التعبير من خلال اختلاق المواقف والتعبير غير المباشر، ولكنها أيضا ترى أن ذلك غير كاف؛ فهو غير قادر على نقل المشاعر بصورتها المجردة، ودون مواربة حتى يستطيع المحبوب فهم ما تريد دون تأويل، وبخاصة أنها لا تجيد حيل النساء، فتقول معبرة عن هذه الحيرة من هذا الجانب الفكري (في الأفق البعيد تركت قلبي .. لا الدروب تطوى ولا المسافة تلين..  أنا امرأة غير صالحة للحب..  لا تعرف صبرا ولا تجيد حيل النساء..  لكني أتوق لذاك النور امرأة لا تعرف كيف تقول أحبك.. خرساء فقدت قدرتها على التعبير) فهي امرأة لا تعرف صبرا على التعبير عما تريد وهي لا تجيد حيل النساء، ولكنها في الوقت نفسه تتوق لذلك النور/الحب، وهي لا تعرف التصريح بالحب، ولم تعبِّر عنه صراحة، ولكنها تشتاق للمحبوب، وتحتاج إلى التعبير عن شوقها، هي حالة من الحيرة بين ما تريد وما طبعت عليه شخصيتها، وتتوالى المواقف الدالة على الحيرة من هذه الزاوية عبر النص بأكمله بحيث تشكل ملمحا من ملامح الذات الشاعرة، تقول (أغار  يمنعني كبريائي أن أخبره أني أغار من كل نظرة لم تكن لي..  من ابتسامة على شفتيه لست بظلها..  من كل نجم رافقه ولم يهمس له باسمي أنا أمرأة لا تتقن لغة المجاز.. لكني أجيد الاختباء بين الكلمات  أجيد رسم ابتسامة حين تراوغني الدمعات) فهي حائرة بين كبريائها الذي يمنعها أن تخبره عندما تغار وبين رغبتها في الإخبار، وبخاصة أنها امرأة لا تتقن لغة المجاز، أي أنها تتقن التصريح بالشيء مباشرة، ولكن كبرياءها يقف حائلا بين رغبتها في التصريح بالغيرة وانتصارها لكبريائها الذي يحكم شخصيتها ويتحكم في تصرفاتها.

2 – الشوق الجارف: وقد تجلى ذلك أكثر من مرة في النص، ويزداد الشوق مع ابتعاد المحبوب، ومن الواضح أنه في بلاد بعيدة، وقد عبَّر النص صراحة عن ذلك (أحببت يا ليل والدروب بعيدة – في الأفق البعيد تركت قلبي – لا الدروب تطوى ولا المسافة تلين – يا ليل اطو المسافة بيننا) ففي البداية ذكرت صراحة أن الدروب بعيدة، ثم ذكرت أنها تركت قلبها في الأفق البعيد، ثم عادت لتطلب من الليل أن يطوي المسافة بينهما، وهذا البعد المكاني استدعى الشوق الجارف؛ إذ إن ابتعاد المحبوب يلغي فرص محادثته وجها لوجه، وإرواء القلب من لقائه، وهنا يحضر لفظ الشوق صراحة (أشتاق.. فأشتري صوفا.. أغزل الشوق وشاحا علّني أهديه له عشية العيد) واستدعاء شخصية بينلوبي زوجة عوليس في هذا الموقف الدال على الشوق والانتظار يستدعي مباشرة ظلال هذا الحضور؛ إذ إن بينلوبي كانت تنتظر زوجها الغائب لفترات طويلة وتغزل ثوبا له تهديه إليه عندما يعود، مما يجعلنا نستشعر الموقف نفسه مع الذات الشاعرة التي ترى أن غياب المحبوب سيطول، ولذلك فإنها تشتري صوفا وتغزله وشاحا تهديه إليه عشية العيد، والعيد هنا قد يراد به لحظة العودة واللقاء التي تمثل عيدا بالنسبة لها.

الآخر في مرآة الذات الشاعرة 

بدت صورة الآخر/المحبوب في النص هلامية وغير واضحة المعالم إلى حد بعيد؛ فلم نستطع تصوُّر ملامح محددة له، ويبدو أن  فكرة غيابه على المستوى المضموني قد انعكست على غيابه على المستوى اللفظي، فالذات الشاعرة تحب شخصا غائبا لم يحدد النص ملامحه، وقد يكون هذا الشخص متخيلا وليس له وجود فعلي على الحقيقة، وقد حرص النص على إبراز هذه الهلامية للآخر/المحبوب في أكثر من موضع، فعلى الرغم من حضوره الدائم في حديث الذات عن نفسها إلا أننا لا نستطيع تصور ملامحه المادية والنفسية، فهل كان وجوده في النص إبرازا لملامح الذات الشاعرة؟ لأنها في الوقت الذي تثبت فيه وجود المحبوب يتجلى شوقها إليه، ورغبتها في التواصل معه، وهنا تبدو الذات الشاعرة إنسانة سوية على المستوى النفسي؛ فهي تحب وتشتاق وترغب في إقامة علاقة إنسانية مع الآخر أساسها إيجابي وهو المشاعر الصادقة، وهنا قد يبدو النص ردًّا على اتهامات للذات الشاعرة بالعزلة وعدم قدرتها على الحب، ومن ثم فإن رسم صورة المحبوب لم يكن إلا لإبراز إيجابية الذات الشاعرة (وحدي أسير على شاطئك – يمنعني كبريائي أن أخبره – علّه يدركها..  علّه يعي انشطار الروح في الغياب .. علّه يرى الدمعات المخبأة) كما أننا  لانستطيع معرفة موقف الآخر من الذات الشاعرة وهل كان يشتاق إليها كما تشتاق إليه؟ وهل كان يبادلها حبا بحب؟ وهل كان غيابه الماثل في حديث الذات الشاعرة عنه نتيجة كونه بعيدا مكانيا أو أنه بعيد نفسيا؟ كل هذه الأمور غير واضحة في حديث الذات الشاعرة عن الآخر/المحبوب، وكل ما ورد عنه كان في إطار شوق الذات الشاعرة إليه، ورغبتها في قربه.

رأي واحد على “تجليات الذات الشاعرة – قراءة في قصيدة «امرأة غير صالحة للحب» للشاعرة أماني منصور

  1. معاشرة نصية جيدة تستغور النص بمهارة كاشفة وتقف على أدق دقائقة .. تحية للناقد البصير وللشاعرة الأكثر بساطة وعمقاً .

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.