فقط لأني امرأة

فقط لأني امرأة

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الفرنسي ويليام بوغيرو

سعدت جدا بانطلاق حملة المطالبة بحق المرأة في الولاية عبر هاشتاج #الولاية_حقي الذي أطلقته #مؤسسة_المرأة_والذاكرة “Women and Memory Forum ، وقد دونت عبره مئات السيدات معاناتهن وتجاربهن، وآراءهن حول نص قانون الأحوال الشخصية والمقترحات الجديدة المقدمة لتعديله، وقد رأين إجحافه لهن ولحقوقهن، وينتقص من أهليتهن وإنسانيتهن، ويجور على أطفالهن وتسهيل الرعاية لهم والقيام على شؤونهم.

يقول المثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وكذا نحن صاحبات نون النسوة، نسمع بأن حرية المرأة وحقوقها مكفولة بالشرع والقانون ما يملأ الآذان، فإذا نزلنا أرض الواقع رأينا المعيدي يا سادة على حقيقته، والتجارب التي عاصرتها وعايشتها ورأيتها بأم عيني دليل كاف على ذلك، فالأعراف والعادات والتقاليد أصبحت أقوى من الشرائع، ومن يحاول رد الأمور لنصابها يجد نفسه يناطح الصخر، وخرج له من يحتالون عليها باسم القانون الذي لا تعرف من أين اشتقوه ولمصلحة من؟

 المرأة في مجتمعنا حين تتزوج تصبح شريكة للرجل في إعالة الأسرة – هذا في أفضل الظروف – لكن في كثير من الزيجات تجد نفسها العائل الرئيس فيها، فهي تعمل موظفة، وتقبض راتبها الذي ليس من حقها أن تمسكه في يدها أو تتشمم عبقه، فبمجرد قدومه يفرد جناحيه ويطير ليحط على محطات الإنفاق المرسومة مسبقا، ولا تجد المسكينة معها ما تستطيع أن تجدد به حذاءها الذي اهترأ في مشوار العمل كل يوم، ويا سلام لو كان عندها بعض إرث أو مدخرات وفرها لها أهلها، يظل الزوج يحوس ويلوص لما ينتزعها منها بحجة البيت محتاج، وكأنه يخشى أن تصبح ذات اكتفاء اقتصادي فتستغني عن حضرته، ثم هي مطالبة برعاية البيت ومن فيه، والحرص على إطعام أفواهه ونظافتهم وترتيبهم و.. و.. بلا مقابل غير التجاهل والتأفف والشكوى، وربما الإهانات التي لا تنتهي.

هذا، ناهيك عن الحمل والإنجاب وتبعاته، فهي تحمل وليدها وهنا، وتضعه كرها، وعليها أن تسعى لتجد له حاضنة ثم تسعى ليلتحق بالمدارس وتسهر الليل في الرعاية وتمضي النهار في العمل بوظيفتها لتؤمن له متطلباته، وما تبقى لها من جهد تدرسه فيها، كل ذلك وهي أمام القانون ليست ذات صفة، إذا أرادت التقديم للمدرسة أو النقل منها أو استخراج أي ورقة رسمية لا تستطيع، فالولاية التعليمية ليست لها إنما للوالد، وإذا أرادت أن تدخر لهم شيئا للغد، يمكنها فتح الحساب باسم الأبناء؛ لكنها لا يمكن أن تسحب منها إلا بموافقة الأب على الرغم من أنها هي مصدر هذا المال ولا دخل للأب فيه، لكن الولاية المالية للرجل فقط.

والصراحة، لن أتحدث هنا عن تجارب غيري التي رأيتها أو عشتها مع صويحباتها، لكني سأذكر بعضا مما عانيته بنفسي في تلك الطريق الشائكة، والتي للأسف توضع فيها المرأة فقط لأنها امرأة، فالأعراف والعادات والتقاليد أصبحت أقوى من الشرائع، 

رغم كوني امرأة جامعية مثقفة وناشطة اجتماعية وإعلامية، وكاتبة وأديبة، وفوق ذلك أعمل معلمة للمرحلة الثانوية، إلا أن ذلك لم يعطني الحق في تسيير أمور أولادي خاصة بعد انفصالي عن والدهم، فقد استخدمهم وسيلة لابتزازي والضغط علي، ورغم كون حضانتهم من حقي بالشرع والقانون، إلا أنه أيضا بالشرع والقانون لم يدفع لهم نفقة، ولم يكلف تعليمهم جنيها واحدا، وفي المقابل، لم أستطع إدخالهم المدرسة أو نقلهم منها أو استصدار أوراقهم الرسمية أو اصطحابهم للسفر إلا بموافقته لأنه الولي بحكم الشرع والقانون، والأم لا وجود لها ولا حق في أولادها غير تحمل مسؤوليتهم حتى يكبروا، فإن كبروا وخف حملهم واشتدت سواعدهم أخذهم الأب إلى حضانته ليقطف ثمرتهم على الجاهز.

ولما توفاه الله، كانت الكوارث أعظم، فهو لم يعد موجودا ليوقع على الأوراق الرسمية أو حتى يماطلني فيها، الآن عليّ أن أركض بالمحاكم شهورا لأثبت أني الأم وأني العائل الوحيد، وأن الجد والجدة متوفيان، وأن العم والعمة لا يريدان الأولاد، وأن… وأن…. فقط ليكون لي حق في رعايتهم وتحمل مسؤوليتهم، ثم تأتي مشاكل استخراج أوراقهم الرسمية، ليس لي الحق في استخراجها إلا بموافقة العصب أي العم، وهو ومزاجه، وافق أو لم يوافق، عنده وقت أو ما عنده، يريد أن يساعد أو لا يريد…. الخ.

ورغم أن الحق مثلا في الولاية التعليمية يؤول إلى الحاضنة بموجب القانون، إلا أن الأم – بموجب القانون أيضا ولا أجد لذلك تفسيرا منطقيا – لابد أن ترفع قضية لإثبات هذا الحق، وبالطبع هذا يعرضها لاستغلال بعض الرجال لمنعها من ذلك بدافع الانتقام أو نكاية فيها وفي صغارها.

ومهما علا صياحك في الأرجاء سيضيع سدى، لأن سعادتك أمهم، ولست العصب ولا تمتين لهذا العصب بصلة، لذلك ليس لك الحق في شيء، الأمر الوحيد الذي يثبت كونك على علاقة بهؤلاء الابناء أنه بالأوراق الرسمية مكتوب اسمك في خانة الأم.. وكل أم في بلادنا حالها يغم.

هذا غيض من فيض يا سادة يا كرام، والمسكوت عنه أعتى وأظلم، ورزؤه أعظم، فيكفيكم من المعاناة لمحة كما في المثل: “يكفي من الطست مغرفة”، واللبيب بالإشارة يصل لمعظم المعرفة.

 تحياتي لكن صاحبات حملة: #الولاية_حقي

وللحديث إن شاء الله في ذلك – بقية.

4 آراء على “فقط لأني امرأة

اترك تعليقًا على حنان عبد القادر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.