مرافيء للوجد والحنين

مرافيء للوجد والحنين

محمد عطية محمود

اللوحة: الفنان  الأكراني إيفان إيفازوفسكي

تتسلل خطواتك، مرهونة بنظراتك الوجلة، حول محيط الحوض الشرقي.. من خلف حاجزه المسلسلة قوائمه المعدنية المتمايلة المتناثرة، بحلقات متشابكة لا ينهي تواليها إلا تعلق آخرها بأحد القوائم.

تهبط نظراتك مع درجاته الخرسانية ـ بلا ساتر ـ المتشبعة بملح البحر، ولزوجة الشحم المختلطة بتراب الأرض من حولها، والرمال الخشنة المتطايرة من (رمّالة) المراشمة.. تدور مع البروزات المتوازية بجوانبه الثلاثة الثابتة.. تخترقها السلالم المعدنية، المتضمخة باللون الأخضر الطحلبي المنزلق؛ لتؤدي إلى الكتلة الأسفل منها…

كما تراءت لك في أسفارك الليلية، والتحمت بها، وجاهدت أنفاسك ومكامنك؛ كي لا تنزلق مع طحالبها، وتهوي إلى قرار الحوض الذي بدا لك ممتلئًا تسعى فيه رايات بيضاء مشرعة. تنحدر منك نحو الأرضية الموزعة فيها قواعد تحكم رسو ما تعطل من سفن ـ تخضع للإصلاح بين جنباته ـ واستقرار مياه البحر المحبوسة فيها إلى منسوب لا يزيد، بل يقل قرب الجفاف خلف حاجز ـ يمثل البعد الرابع للحوض ـ يفصل عنها فيض البحر الساكن، ومخلفات السفن الطافية.

هنا هبط جدك بمهارته الحاذقة، غواصًا يحمل بين رئتيه قلبا جسورا.. يدرك أسرار الحوض حال امتلائه.. يجوس في ثنايا القواعد ـ يمتلك وعيه مفتاح غرفة أسراره الغامضة ـ يصلح ما عجز الخبراء عن إصلاحه، رغم محدودية ما تلقاه من علم نظري مدروس، وتدليه من صعيد البلاد، لا يملك إلا مسبحته وعباءة أبيه، وما تيسر لقلبه من حفظ لكتاب الله… ثم يعتلي المدرجات.. روحا تبحث عن صفاء رحابة العالم من حوله. تنبعث منه وتحوطه ترانيمه وأذكاره، فلا تزل قدماه ولا تنزلق.

تجتاز الجسر الممتد فوق الحاجز.. تلفحك نسمات البحر مختلطة بعبق اليود الخالص.. تسحب عينيك المتواريتين خلف جفنين مثقلين، يلتمسان انفراجا، وقلب تعتريه ارتعاشة الانفلات من الوجل، نحو عرض البحر الثائر علي المدى، خلف أفق تختلط فيه سحابات الصفاء والرهبة.. تمنحك أطياف هدوء.. تسحب منك أطراف الرهبة الساكنة.. تقرب منك دفء صدر أبيك الذي غادر يوما ذات المرفأ؛ ليعانق أهوال البحر وأنوائه، وعواصف محيطات عاتية بأطرافه البعيدة، بحثًا عن انبساط العيش، والتماسًا لصفاء قد يتحقق.. تهزك حكاياته عن البحر وأنوائه، وصفاء صيرورته إذا ارتاح وانبسط، وتمثلت عجائب حكمته البالغة.. تغزوك أطياف يوم صحبك فيه – صبيًا كنت لا تدرك معنى ارتياد البحر – ليريك الوجه الآخر لعالمه الذي كنت تجهله، ودنياه المختزلة في غرفة بجوف سفينة تطل علي الأمواج والأنواء بـ (قمرة) مستديرة يرى منها الصفاء والأنواء في مكمنه. وعهد بك إلى سلم السفينة الراقدة في حضن مرفأها تهدهدها الأمواج، ويشدها المرفأ بحباله الهائلة.. ومال رأسك إلى جانب صدره؛ كي تتحاشى اهتزاز خطواتك.. تضمك ذراعه الحانية.. 

يأتيك صوته.. يخترق وشيش البحر، وارتياب النفس.. يتهادى متملكًا مسامعك، وكأن الأصوات انفضت من حولك إلا صوته يهتف “يـــا… قـــوة الله…”.

يتسرب إلى نفسك أمن.. تتشبث قدماك برصيف البحر العالي عن سطح مياهه؛ فتأنس روحك إلى انبساط لم تعهده.. تغوص عيناك في أغواره رويدًا؛ فتبدو لك رمال قاعه الناصعة متألقة.. تحجبها للحظات أسراب أسماك تسعى في طياته.

4 آراء على “مرافيء للوجد والحنين

  1. كل التقدير والامتنان للموقع المتميز .. شرف لنصوصي أن تنشر هنا

    إعجاب

اترك تعليقًا على mhmoudabdelsamedzakariagmailcom إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.