نبيلة غنيم
اللوحة: الفنان السوري طلال معلا
في أول خطوات عمله كمصمم رقصات.. يتمرد على بيئته العشوائية.. يخرج من وسط البرك والمستنقعات.. يخلع رداء الفقر.. يعتريه جنون الشهرة.. ارتبطت بدايته باسم فرقة ناشئة ذاع صيتها.. ثم انفصل عنها لاعتقاده أنه يستحق منزلة أعلى.. ويستحق التفرد.
قوى مجهولة تدفعه لابتكار تقاليع جديدة.. ليصبح نموذجا لجيلٍ هش لا ينتمي لقيم بعينها.. هو يعلم أنه سيزرع نموذجه في بيئة خصبة..
وبجهل أطلق تقاليعه الماجنة في تصميم الرقصات.. والملبس وتصفيف الشعر وكل ما هو ظاهري.. بلا جوهر.
منحه الله موهبة دأب على تنميتها للخروج من مستنقع الفقر المُهلك.
صعد سريعا إلى العالم المبتَغَى ولمع نجمه وتعجب الكثير من صعوده بهذه الكيفية.. فمنهم المؤيد ومنهم المعارض.. وفي النهاية الكل يتصارع من أجله.. ليلمع نجمه أكثر.
كان يرى أن هيئته تقف حائلا أمام صعوده كنجم ينظر إليه الجميع بعين الاحترام.. تصالح مع صورته التي في المرآة.. بعد أن كان يبصق عليها.. حينما كان يرى بشرته السمراء وسحنته الممقوتة ونحافته التي تبرز عظامه كمن خرج من قضاء عقوبة عذاب مهينة..
ومع الثراء السريع توجه إلى بيوت التجميل وصالات الرياضة البدنية لترميم ما أفسده الفقر.. صاحب العديد من مصممي الأزياء ليرشدوه لأحدث الصيحات.. لكنه بالغ في الأمر وصار ينافس ملابس النساء في شفافيتها وعريها.. جعل من نفسه أسطورة يتبناها الشباب ممن أهانت الحياة نفوسهم فأصابتها بالهشاشة.. والمتطلعين لشهوة الثراء والشهرة دون علم أو جهد..
نسي ماضيه كله إلا الجميلة “نجوى” ابنة بيئته التي طالما حلم بها وهام بطيفها في خياله.. كانت نجوى ملكة حارتهم. فثيابها الرخيصة تتفخم حين ترتديها بقالبها السَوِيّ الممشوق وعيونها الساحرة وشخصيتها القوية الواثقة.. وجمالها الوحشي..
يعرف أنها كانت تحتقره لهيئته الرثة ودمامة خلقته بما تحمل من ندبات – حدثت له في مشاجرات حارتهم- علاوة على فقره المدقع الذي جعلها أكثر ازدراءً له.
يعرف أحلامها بالرفاهية.. وها هو الآن في سماء الشهرة.. تمطر السماء على رأسه الملايين.. يعلم أنها ستتناسى نظرتها له وتقييمها لكيانه.. فهو اليوم من هو..
تقدم لزواجها.. فقبلت الملايين..
صارت تشجعه على ما يقدمه من ابتذال وتحطيم الذوق العام ليأتي لها بالمال وحسب.. فلم يكن لها فكر أو وجهة نظر غير الثراء.
وما إن تملّكها وصار سيدها المُنعم.. حتى راح يتطلع إلى الأعلى.. يتقرب ممن تتقرب منه ويدور في فلك الجميلات.. عربد بكل ما يملك من قوة بين الخليلات.. أغدق عليهن وجمعهن ليثبت لنفسه أنه طاول “هارون الرشيد” في شهرته وإحاطته بالنساء.. وقد تضخمت ذاته وتصور أنه الوحيد في ساحة الرجال وساحة الفن بل ساحة الدنيا بأسرها.. وتضخم شعور التفرد بداخله.
وجدت نجوى نفسها تائهة في بحر شهرته.. فاتسعت أحلامها.. وعادت نظرتها الأصلية له.. بعدما جمعت من خلفه ثروة تُمكنها من الإفلات من قيده إذا أرادت..
قرأت النهم في عيون الرجال حولها.. فراحت تُلهب شوق هذا.. وتذيب قلب ذاك.. وتتمرغ في كافة ملذات الحياة.. مُمزقةٌ ثوب الحياء من أجل زيادة الثروة.
وتستمر بهما الحياة وكلٍ منهما يبادر الآخر بازدراء صامت!