‎المنفلت

‎المنفلت

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين

يدخل إلى المصحة وهو يصرخ بأعلى صوته متَّهِما الجميع باضطهاده والسعي لإيذائه، يمسك به اثنان من أفراد عائلته حتى لا يتصرف بعنف وعدوانية ويؤذي نفسه ومحيطه، يحاول الانفلات من قبضتهما دون جدوى.

كان قد تبوَّل على نفسه، يتلفظ بمصطلحات خادشة للحياء ويتوعد الجميع بالانتقام لنفسه ممن تآمروا عليه، يقوم بحركات لا إرادية والتعابير على وجهه لم تجعل مجالا للشك أنه يعاني من نوبة عصبية أو اضطراب نفسي حاد على الرغم من أنه يبدو انسانا متعلِّمًا جديرا بالاحترام، وتدل هيئته على انتمائه لوسط اجتماعي مرموق.

قاده الفردان من عائلته وممرض إلى قاعة المراقبة حيث قام طبيب المداومة بحقنه بمهدِّئ قوّي، وتم اجراء التحاليل والفحوصات اللازمة في انتظار حضور اختصاصي الطب النفسي واخصائي أمراض الجهاز العصبي.

أراقب هذا المريض من بعيد، فلم يكن هناك داعٍ لتدخلي عن قرب؛ نظرا لعدم الحاجة لاختصاصي، كنت فقط أتابع باهتمام نقاش زملائي حوله في قاعة الاجتماعات

جعلتني حالته أحلّق بعيدًا متأملة في مكنون هذا العقل البشري الذي كان ولا يزال يحير الجميع من علماء وفلاسفة وباحثين

أصابني رهابٌ وأنا أتساءل: كيف لخلل في وظيفة الدماغ الذي لا يتعدّى معدل وزنه كيلوغرامًا ونصف أن يجرد الإنسان من إنسانيته؟

هذا العضو الرئيسي في الجهاز العصبي لدى الإنسان، والذي يتحكم في جميع الأنشطة وردود الفعل والاستجابة والوظائف وكل ما يحدث في الجسم، يجعله ميزة الإنسان عن غيره، رغم أنه يظل لغزاً كبيراً خاصةً عندما يعرِّف البعض العقل بالروح، لأن العقل لا إدراك له بلا روح، وبعضهم يجعله هو القلب، لأن محل العقل القلب

وظل التساؤل حول علاقة العقل بالدماغ مطروحا حيث اعتبر البعض العقل شيئا معنويا، بينما يدعي البعض بأن العقل هو الدماغ، أومن الممكن اختزاله بالظواهر الفيزيائية مثل النشاط العصبي. مهما اختلفت النظريات والآراء؛ فإن وظيفة العقل ترتكز على ثلاث قواعد، وهي الأفكار والذاكرة ثم الخيال.

اتخذ مفهوم العقل في المجال الديني مناحي متعددة، تشير في غالبيتها إلى أنه أداة العلم والمعرفة، والتمييز بين الأشياء، والواقي من الوقوع في المهالك وقبيح القول والفعل؛ لأن العاقل يعرف به الضار من النافع والخير من الشر. والبعض الآخر يجعله غريزة إنسانية تعرف بها العلوم والمدارك

حضر طبيب الأمراض النفسية ووصف للمريض بعض الأدوية المهدئة مؤقتا إلى حين إجراء فحص بالرنين المغناطيسي على الدماغ مع تحليل السائل الدماغي-النخاعي، لأنه – وبتأكيد من أخصائي أمراض الجهاز العصبي – يبدو أن الأمر ليس نفسيا محضا ولا بد أن سببا عضويا وراء هذه الحالة، خاصةً وأن أقرباء المريض أكَّدوا أنه لم تكن له سوابق مرضية معينة سابقاً.

ظهرت نتائج التحاليل والأشعة وتبيَّن أنه يعاني من التهاب الدماغ، وهو أحد المضاعفات العصبية لفيروس كورونا، لا تتعدي نسبتها إجمالا حوالي %8 وقد تسبق الأعراض الأخرى للمرض خاصة التنفسية منها، وتترجم بعض أعراضها بظواهر نفسية كالهلوسة، فقد القدرة على الحركة الإرادية والتركيز، والارتباك.

تطلَّبت حالته علاجا مناعيا عن طريق حقنه بمضادات الأجسام، إضافة إلى المضادات الحيوية وغيرها من الأدوية، صار يعود يوما بعد يوم إلى طبيعته إلى أن غادر المشفى صحيحا معافى، ومازلت كلما أذكره، أقف مشدوهة أمام هذا الإعجاز الخلقي؛ العقل البشري.

اترك رد