الملامح الملحمية في حكايات الأزرق لنجلاء خليل

الملامح الملحمية في حكايات الأزرق لنجلاء خليل

محمود عبد الصمد زكريا

في ديباجتها لمجموعتها الثالثة (حكاياتُ الأزرق) والتي هي الجزء الأول من كتابها (لالئ) الصادر عن دار العماد للنشر والتوزيع بعناية المشرف العام الأستاذ الشاعر الكبير عماد علي قطري، عام 2017م.. 

تلوِّحُ الكاتبة المبدعة نجلاء خليل بوعي شديد حرصاً منها على تهيئة المتلقي تهيئة صحيحة لاستقبال بثها الإبداعي على موجةٍ صحيحة تضمن له رؤية أكثر وضوحاً، وتعايشاً أكثر حميمية لحكايتها النجلاوية العشقيَّة بتأسيسين هامين سوف تتكئ عليهما هذه الحكايات.. 

التأسيس الأول

 أن هذه الحكايات ستتشح بوشاحٍ أسطوري أو أنها ستستىظل بظلال اسطورية مما يحيل إلى أن الحكايات ليست عادية، ولن تنمح نفسها بشكل مجاني مباشرٍ أو تقريري، وكأنها تقول لهذا القارئ: إذا دُعيت يا قارئي العزيز إلى حكايات الأزرق فعليكَ أن تستحضر خيالك معك، فثمة مُناخٌ فنتازي سحري ستدخل إليه، وعليك أن تكون مستعداً للسباحة فوق أمواج التخييل على لُجة الأزرق الفسيح بلا شطوط، ولا تنخدع بما قد يرِنُ في أذنيك من عزف صوتي أو ما يتشياْ أمام ناظريك من مشهد ية تغويك فالأهم هو ضرورة استغوارك لهذه العوالم والتحليق في سماواتها:

غجريةٌ أنا، فلا تهتم بضحيج خلاخيلي..

حين أمتزجُ بالألوان أبدو كقوس قُزح 

وقت المطر. 

أي أنك لن تجد لي لوناً واحداً تركن إليه في تلقيك لأنني سأتشظى و:

أستعير حكايا شهرزاد..

وأسافرُ في الأساطيرِ 

أنتقي الأزرق والأصفر والأحمر والأخضر، فأبدو كوردةٍ 

فلا تجففني في كتابك..

أو أبدو كياقوتةٍ تعلقني مع تمائمك. “حكايات الأزرق ص 11”

أي لا تحاول أن تحددني، فتخنقني، وتضيعني.. 

تقول الدكتورة ثريا العسيلي: 

“لآلئ نجلاء خليل تقودنا إلى مسالك وطرق متنوعة ثرية بالقصص والحكايات الموحية، والأماكن والعوالم المشوقة المثيرة للدهشة وللمتعة والواعدة بقراءة مدهشة” 

وتقولُ:”هي تعدنا أن ستأخذنا إلى حكايات شهرزاد وأن ستسافر بنا إلى الأساطير” 

 وهذا هو التأسيس الأول الذي يفضي بانسيابية مدهشةٍ إلى التأسيس الثاني الذي يُصر على التذكير بالوضعية القبلية للمرأة الشرقية أو العربية في ظل بطريركية الرجل وسلطته الأبوية التي ما زالت تعلق بها رواسب تهميش المرأة:

هاربةٌ أنا من وحشية القبيلة 

ايها الذي من أجله كسرتُ قوافي قصائده 

لملم عمري في يدك كسبحةِ زاهدٍ 

أحبك في كل حين. “حكايا الأزرق ص 11”

أمَّا عن التأسيس الأول فهويشي بشكل ما إلى أننا سنكون مع هذه الحكايات بين يدي خطاب إبداعي فنتازي سحري، ممسوس بروح الملحمة التي هي قصيد روائي، بطله الفرد الذي تتمحور حوله الأحداث هو الذات المبدعة نجلاء خليل، لكنها ستكون مسحة ملحمية رومانسية وهذا ما يخصصها على غرار ملحمة الرمايانا الهندية مثلاً، فإذا كانت الملحمة عادة ما يكون لها مغزى قومي واضح؛ ووازع ديني فذ؛ ومعني إنساني فخم.. فقد تكتفي شاعرتنا من الصبغة الملحمية بالمعنى الإنساني الفخم.

ألم تكن الرماينا الهندية ملحمة عاطفية ذات معنى إنساني فخم؟! 

وأميل شخصيّا ً لأن أتعامل معها من منطلق أنها أعمال رمزية، كما أنصح بذلك..

يقول ليزلي وايت: “إن السلوك غير الرمزي عند الإنسان العاقل؛ هو سلوك المرء من حيث هو حيوان… أمَّا السلوك الرمزي فهو سلوك ذلك الشخص نفسه من حيث هو إنسان… فالرمز هو الذي يحوّل الإنسان من مجرد حيوان فحسب إلي حيوان آدمي”.

(د/ احمد أبو زيد الواقع ولأسطورة سلسلة الدراسات الشعبية الهيئة العامة لقصور الثقافة ص 158)

فإذا كان أبوللو قد رأي الفتاة (دافنيه) الجميلة فأحبها وطاردها حتى ابتهلت الفتاة إلي الآلهة لتخلصها فانقلبت إلي شجرة غار؛ فإن أبوللو كلمة مذكرة تعني الشمس، بينما دافنيه كلمة مؤنثة تعني الفجر.

وبذلك تكون المطاردة هنا هي رمز لتتبع الشمس الدائم للفجر.” (نفسه).

أمَّا عن التأسيس الثاني، فهو المنوط بالتأكيد على أنثوية الخطاب الإبداعي، أو كما أسلفنا في قراءة سابقة على الخصوصية النسائية.. والتي ما زالت تؤكد على أن خطاب شاعرتنا يتوجه إلى الآخر الذي ارتقت دلالته هذه المرَّة من الآخر الرجل الحبيب، ثم الرجل الوطن إلى الآخر القارئ أو المتلقي أو الجمهور بشكل عام فهو كل هؤلاء في آنٍ معاً، وهو كل منهم على حده بحسب تبادل المقاعد في الحكايات حيناً يكون هذا وحيناً يكون ذاك وهكذا:

إليه..

صاحب حروفي ونبضي

نصوصٌ أرهقها الإحساس. “الإهداء ص 10”

يبدو أن صفة المُهم التي ألمحنا إليها من قبل قد بدت بشائرها تلوح في أفق منجز هذه الشاعرة لتخطو بها من كونها شاعرة فحسب إلى كونها شاعرة مهمة صاحبة مشروع شعري له خصوصيته التي تميزه وتفرَّده.

فإذا ما تجاوزنا هذا المُدخل أو تلك الديباجة مع الإهداء إلى المتن، فسوف نرصد رؤيةً شمولية من الخارج في لقطة توتالة مفادها أن مجمل (حكايات الأزرق) تدور حول:

 الملامح الملحمية للبحر والحبيب في حكايا الأزرق النجلاوية.

وعلامة أو آية ذلك الأولية تبرزها بداية عناوين معظم النصوص الحكايات:

  • حكاياتُ الأزرق
  • على أبواب البحر
  • كيف رآك البحرُ قبلي
  • رسالة إلى الأزرق
  • آخر ما قاله البحرُ لي
  • لحظة في الازرق
  • وهج االأزرق
  • البحر لي
  • شبيه البحر.

تسع عناوين صريحة من جملة ست عشرة عنواناً، تتعانق معها باقي العنوانين السبعة الأخرى بما تشي به من غرائبية أسطورية لتكمل النسيح الملحمي الرومانسي.

هل نحن بالفعل بين يدي رواية شعرية؟

إن ما يمكن أن نؤكده هو أننا بين يدي ملامح ملحمية بامتياز.

ألم تعرف الكتابة الأدبية طريقها للملاحم.. ووجدت الملاحم الأدبية مثل الاينيادة للشاعر اللاتيني فرجيليوس، والرمايانا لفالميكي، وفرساليا للشاعر لوكان والفردوس المفقود لميلتون وكذلك قصة القرون لهوجو “.. الخ (نفسه)

وإذا كنا قد طللنا بشكل شمولي من الخارج ورصدنا لقطة توتالة، تعالوا بنا لنقترب بالكاميرا – والكاميرا هنا هي عينُ القارئ – في محاولة لمراقبة علاقات وتحولات البحر والآخر وتمحورها حول الذات الشاعرة، أو دوران هذه الذات الشاعرة حولها في لُعبة هي أشبه بلُعبة الكراسي الموسيقية، فماذا عن البحر سواء صرحت الشاعرة بإسمه أو كنَّت عنه بالأزرق في كثير من المواضع، ولنتأمل هذه البداية:

  • على أبواب الخرافات 

أرتدي الأحلام 

والكهف الأزرق يذهلني.

الخرافات الأحلام الكهف الأزرق.. ألا يفتح هذا القاموس اللغوي الباب على مصراعيه لإمكانية مقاربة الخطاب للصفة الملحمية؟

وباعتبار الذات الشاعرة هي البطل الأسطوري للملحمة فهي تقدم ملامح ملحميتها من خلال حروف اسمها كبطاقة تعريف:

النونُ: نجومٌ تتلألأ 

الجيمُ: جمال يتحقق

اللام: لقاء يتجدد

(نجلا) في الحضرةِ دروشة 

الأزرق يخطفني 

والبحرُ الأزرق يشغلني.. “حكايات الأزرق ص 12”

إن هذه ال (واو) تعني أن الأزرق في حالة يكون هو الآخر الحبيب وليس هو البحر، ثم هو بعد ذلك البحر في حالة أخرى: والبحر الأزرق يشغلني.. وكلاهما حبيب.

إنه ليس محض انشغال، لكنه انجذاب في حقيقة الأمر بدليل تصريحها بكونها في حضرة البحر درويشة، وهو انجذاب يلا شطوط بدليل توهان الهمزة من الاسم رغم أنها ألف ممدودة وهمزتها ليست للقطع.. 

هذه إذن هي أولى العلاقات التي تصرح بها الذات بينها وبين البحر، وتستمر كاميرا المراقبة فى رصدها التعايشي الاستمتاعي حيث:

كان المشهدُ بحرا يغرقُ 

موجاً يغرقُ

وكانت هي: 

قلباً يسبحُ ضد التيار 

تخطفه حكاياتُ الأزرق. “نفسه ص13”

أيةُ مشهدية تلك التي ينجزها خطاب الشاعرة التي لا أخالها إلاَّ تكتب بالكاميرا وليس بالقلم، فتنتج كادرات تصويرية متحركة جديرة بامتياز لأن نطلق عليها سينمائية الشعر.

نعود لمرقبة علاقات الذات بالبحر، وسوف أعمدُ لعدم رصد المصاحبات اللفظية التي تدل عليه كالشواطئ والرمال والأمواج والأشرعة وغيرها وهي كثيرة ومتنوعة، رغبة مني في الاختزال وحتى افسح المجال لمشاركة القارئ:

  • لكنه البحرُ الذي نتعرى أمامه من الأسرار.
  • أُسلم نفسي للبحر
  • أكتب عن العشق، وعن الحبيب، وعن البحر.
  • يقيناً سينهض البحرُ فرحاً 
  • متشابهان أنا والبحر
  • ما حال البحر بعد أن تغادر 
  • ينهار البحرُ 
  • انا والبحرُ عاشقان
  • لن أكتب للبحار 
  • يخلع البحرُ شاطئه كي يطير
  • أكون أول امرأة عاد من أجلها البحرُ
  • ارى في البحرِ حياتي 
  • أسمع حكايات البحر 
  • بيني وبين البحر مسحورة أنا 
  • لا أسأل البحر عن الغرقى
  • أتلهى عنك بالبحر
  • أنت يا شبيه البحر
  • أيها البحر هل تفتح صدرك وتطويني
  • أيها السيد البحرُ أحبك
  • ايها البحر تشبه لون الأم
  • اتسلى بالنظر الى البحر “منتخبات من النصوص”

هكذا وردت لفظة البحر صريحة أكثر من عشرين مرة، فإذا وقفنا على ما يدل عليه فربما لن تخلو جملة من الخطاب منه.

رأيان على “الملامح الملحمية في حكايات الأزرق لنجلاء خليل

  1. ويظل الشكر موصولاً لحانة الشعراء وأسرة تحريرها والقائمين عليها مع وافر التقدير والاحترام .

    إعجاب

اترك تعليقًا على mhmoudabdelsamedzakariagmailcom إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.