مدير أعمال

مدير أعمال

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميريكي يعقوب لورانس

عندما التقيت صديقي “سامي”، بعد غيبة طويلة، وجدته ثائرًا، يحمل بيده “أجندة” بنّية اللون، بداخلها قلم جاف أزرق من نوع فاخر، فلمّا رآني، زجرني، قال وكدر يعتري وجهه الطفولي: ستهبط عليك ثروة من السماء، ثم رفع عينيه لأعلى، راح يمسح السماء بعينيه وأنا أتبع حركاته وسكناته، ثم غمغم بصوت جاهدت حتى فككت شفرته: لكنّك سوف تنساني بحياتك الجديدة، ستفعل كما فعل الآخرون. 

ثم استأنف حديثه بادئًا بلازمته التاريخية المعهودة عنه، ماعلينا: لقد عزمت أن أدوّن ملاحظاتي بشأن قادم أيامك، سأختار لك بعناية فريق عملك، مدير أعمالك، حتى “سكرتيرتك” الحسناء، سأضع شروطًا قاسية لها..

بل سأحدد بدقة موقع سكنك الجديد، شرد قليلًا وقال: حبّذا لو في مدينة جديدة أو في واحدة من تلك التجمّعات السكنية الفاخرة، التي سئمنا إعلاناتها اليومية في الفضائيات، على العموم سأترك لك اختيار المكان، اختيار الأثاث.

اقتنصت فرصة يلتقط فيها أنفاسه ورحّبت به: أهلًا بالغالي العزيز، أين كنت؟!، تختفي فترة طويلة، ثم تأتيني “بزعابيبك” القوية التي تخجل منها عواصف “أمشير”.

تجاهل تحيّتي ويدي الممدودة على آخرها له، وأكمل حديثه، بعد أن اكتست نبرة صوته بجدّ: أيضًا سأضع لك دستورًا تمشي عليه و لن تحيد عنه ما حييت، ثم صمت برهة، وقال: أقصد ما حييت أنت، فأظنك ستعمّر في الأرض، ستشيّعنا واحدًا بعد الآخر، حتى لن يبقى غيرك والنجم القطبي في السماء، يرقبك من عليائه، وتراقبه من مقامك، لكن.. ثم صَمًتَ طويلًا!!

فتركته في عالمه السرمدي، وانطلقت في طريقي، ألتصق بالحوائط والأسوار، وعيني ترمق السماء بقلق. 

نقطة ومن أول السطر

سخيف عنوان هذه القصة، لكنّي لم أجد غيره، فهو يعبّر عما مررت به، كذا مرّ على بالي حينما تذكّرت مقولة عجوز عرفتها من سنوات بعيدة جدًا، حين رأتني أقبل بصدر رحب على حياة تبدو ريّانة العود، تدفع بدفئها برودة قارصة، حينها أسرّت إليّ بكلمات ونبّهتني بضرورة أن أضعها حلقة بأذني: يا صغيري، لا تركن لنص ينتهي عند أول منعطف، ولا تأمن لقصة تنتهي بنقطة فاصلة ويبدأ من بعدها سطر جديد.

وكم من القصص كتبتها، أخرى عايشتها أو عشتها، غالبيتها ينتهي بنقطة حادة الأطراف، تدمي الأصابع، تترك وراءها جروحًا عميقة..

هكذا قصصي تبدو مبهجة في بداياتها، بينما نهايتها تنزوي في فضاء النص المقتضب، خاتمة مقلقة، مُقبضة للنفس، وإن كنت أعترف انها تحمل أحيانًا خلاصًا وتطهيرًا للروح.

ولا تزال ترنّ بأذني كلمات واحدة من بطلات قصصي، “هيام”، تلك التي عاتبتني كثيرًا من أن نصوصي موجزة، غارقة في الغموض، كانت تلوّح بيديها وهي تقف أمامي، ثم علا صوتها وتبدّل عتابها إلى لوم، خشيت أن يرتفع لمرتبة التقريع، فلُذت بحرفية الصنعة ووضعت نقطة جديدة، هذه المرة، لم يكن بعدها أسطر أخرى.

رأي واحد على “مدير أعمال

اترك تعليقًا على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.