أحمد فضل شبلول
اللوحة: الفنان الإسباني سوريا دياز
كانوا هنا..
وفجأةً رحلوا
لأننا نخافُ من ظلِّنا
فإنهم خرجوا
رأيتُهم ..
من غيرِ أن يردّدوا نشيدَهم
كانت عيونُهم عن الآفاقِ تنحسرُ
كانوا هنا ..
وفجأةً رحلوا
رأيتُهم يبسمون
لكنهم – مع الخيامِ – نازحون
البحرُ كان منزلا لدمعةِ الصغار
والنجمُ كان مَهبطًا لصيحةِ الكبار
والعمرُ كان طلقةً تفجّرُ المُنى
كانوا هنا ..
ولم أقلْ لهم: تفضلوا
ولم يقولوا لي
فالجوعُ يمضغ الكلام
والحزنُ يخطفُ النهار
والرملُ شاهدٌ على الإبادة
كانوا هنا ..
نسيتُ في ثيابِهم شجاعةَ الحروف
نسيتُ كلَّ كلمةٍ تُقالُ لحظةَ الوداع
نسيتُ عيني ..
في مسافاتِ الطريقِ تحت أقدامِهم
لكنهم ..
من داخل الخيام طالعون
كحبّةِ الكروم
كظلِّ برتقالةٍ تفوحُ فوق جثةِ الشهيد
كانوا هنا..
ولم أقل لهم: هلا
وفجأةً رحلوا
فمن يقومُ للبكاء؟
ومن يقدّمُ العزاء؟
الريحُ نبَّهتْ دمي
والبحرُ من مدامعي يفور
والليلُ لن يشاركَ الشموسَ مجدها
فمسرحُ المخيماتِ غُلّقت أبوابه
رأيتُهم ..
من غير أن يردّدوا نشيدهم
لكنهم ..
سيرجعون
كانوا هنا
بيروتُ تسكنهم
بيروتُ تسكننا
الفجرُ في دمِهم
الجبنُ في دمنا
الطفلُ – خلف الدمع – يسألُهم
الرملُ يسألُنا
دُكّتْ مساكنهم
شاهتْ منازلُنا
قامتْ مآتمهم
صلَّت مآذنُنا
الحبُّ يلفظهم
البحرُ يُغرقنا
كانوا هنا..
ولم أرَ الأحزانَ في دمائِهم
ولم أرَ الخضوعَ في جبينهم
ولم أرَ السكينة
لكنهم ..
وقبل أنْ يغادروا السفينة
سألتهم بيروت
قالوا: مساء الخير يا عرب
مساؤنا أمان
وليلنا لبنان
وفجأة ..
رحلوا
مبدع يا صديقي
إعجابإعجاب
شكرا جزيلا
إعجابإعجاب