نظرة خاطفة وراء الشيخوخة والموت

نظرة خاطفة وراء الشيخوخة والموت

د. جيفري سيمونز

اللوحة: الفنان الفرنسي ليون أوغستين ليرميت

بعد خمسين عاماً من تخرجي من كلية الطب دعتنا الأخيرة – أنا وعدد من زملائي الذين درسوا فيها – لما يشبه حفلاً للم شمل الطلاب السابقين، وعندما دخلت، أدهشني حقيقة أننا جميعًا قد تحولنا إلى كبار في السن. كان لدى الجميع تقريبًا شعر رمادي وبعضهم كان أصلعًا، وكان معظمهم أقصر قليلاً، وكان لدى جميعهم تقريبًا خطوط مجعدة. لا يهم ما إذا كان الخريج قد كان جراحًا أو أخصائي في علم الأمراض أو عمل في الأدغال البعيدة، فقد كنا جميعًا نسير على نفس الطبلة البيولوجية.

غالبًا ما تساءلت عما إذا كان قرع طبل الشيخوخة شكلاً من أشكال التقادم المخطط له من قبل صانعنا، تمامًا مثل ما يحصل مع صناعة السيارات وأجهزة الكمبيوتر الجديدة. هل يمكن ضبط بعض جيناتنا على التنشيط والتعطيل في أوقات وأماكن محددة؟ العديد من التغييرات التي خبرناها ودرسناها طوال حياتنا تؤكد ذلك.

نحن نعلم أن أجسامنا يتم التحكم فيها بواسطة العديد من مفاتيح التشغيل/ الإيقاف. فمستويات هرمون النمو تكون مرتفعة عند الأطفال وتتلاشى في السنوات اللاحقة. الهرمونات الجنسية (التستوستيرون والأستروجين) تبلغ ذروتها في بداية مرحلة البلوغ، ثم تنخفض في وقت لاحق من الحياة. ومع ذلك، فإن هذه التغييرات ليست بسيطة مثل مفاتيح التشغيل أو الإيقاف للأجهزة الكهربائية. كيف يمكن لجميع آليات “التنشيط وفق العمر” أو “التوقف وفق العمر” أن تتطور وتتناسق في نفس الوقت؟ الإجابة تظل لغزا. فلا التجربة والخطأ، ولا الطفرة الجينية يمكن أن تفسر ذلك.

تعتمد أنماط نمونا على عمليات منظمة ومحددة للغاية. كل التغييرات الجسدية، والعديد من التغيرات العقلية، متوقعة بشكل كبير. عندما نكون أطفالاً نكون وديعين كأطفال وليس بوداعة كبار السن. نصبح أكثر جاذبية عندما يحين وقت النضوج وإنجاب الأطفال. حتى البثور في وجوهنا تظهر في الوقت المحدد. هناك فترات للنمو والتكاثر وأخرى للضعف. وقد حدد العلماء اثنا عشر مرحلة في حياة الإنسان؛ وهي مرحلة ما قبل الولادة، الولادة، الطفولة، الطفولة المبكرة، الطفولة المتوسطة، الطفولة المتأخرة، المراهقة، الشباب، منتصف العمر، الكهولة، الشيخوخة، والموت. ولا يبدو أن أحدًا يمكن أن يتخطى هذه المراحل، أو يضيف خطوات جديدة، أو يزيلها من النظام.

وباستثناء خلايا الدم الحمراء التي تفقد حمضها النووي في وقت مبكر جدًا، توجد نسخ مكررة من مخططات الشخص داخل نواة كل خلية على حدة. ومع ذلك، تعرف الخلايا المختلفة أنها تتبع الإملاءات المحددة ذات الصلة بالعمل المخصص لها وبالموقع والوقت المحددين. لا تظهر خلايا القلب في الحلق أو تنبض بشكل غير متزامن، بل تتواصل هذه الخلايا وتنبض بانسجام تام. خلايا العظام تصنع العظام أو تصلحها، والخلايا الليمفاوية تقف متأهبة لحماية السم في العقد الليمفاوية، وخلايا الكبد تفعل ما يفعله الكبد. تعمل جميع الأنظمة معًا مثل أحجية الصور المقطوعة ثلاثية الأبعاد المتغيرة باستمرار، مع تريليونات من القطع المتحركة.

بطريقة ما يتغير جسدنا كله كل سبع سنوات ونصبح شخصًا جديدًا تمامًا، لكننا نبقى أنفسنا ونحافظ على شخصياتنا وملامحنا وكل ما فينا، ومع ذلك فكرة تغيرنا تبقى صحيحة. لكن كل نوع من الخلايا يتغير بمعدلات مختلفة. فخلايا الجلد تتغير أسرع بكثير من خلايا القلب. أما خلايا الدماغ (الخلايا العصبية) فتبقى بدون تغير طوال حياة الشخص، ولكن يمكن أن تتغير التشعبات بينها؛ بينما تموت خلايا المشيمة عند الولادة، وتبقى الخلايا البيضاء حوالي عام واحد، وخلايا الدم الحمراء حوالي أربعة أشهر، والصفائح الدموية لمدة عشرة أيام. وهكذا تستبدل أجزاء الجسم نفسها في أوقات مختلفة ومعدلات مختلفة. وعلى الرغم من التغير المستمر، يظل عدد خلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء في مجرى الدم ثابتًا. تعمل جميع الأنظمة البيولوجية كما لو تم التحكم بها بواسطة أجهزة دقيقة لضبط الوقت. يبدو أن جميع أجهزة ضبط الوقت هذه تحتوي على تاريخ “مثالي لإجراء التغير” مختومًا في الحمض النووي الخاص بكل خلية.

يعد فقدان أسناننا اللبنية مثالًا رائعًا على آلية الساعة البيولوجية والتقادم المخطط له. نبدأ بـ 20 سناً، نفقدها جميعًا وننمي 32 سناً دائمة بدلاً عنها. لماذا يحدث هذا؟ الأسباب ليست واضحة تمامًا، ولكن قد تكون أسنان الطفل هي المناسبة للحفاظ على تجويف الفم بالشكل المناسب، ولأن النظم الغذائية تتغير مع تقدمنا ​​في العمر، ومع حاجتنا لأسنان أكثر قوة. وكل الثدييات تقريباً تفعل ذلك بشكل ما.

نحن نزحف ونمشي ونتحدث في أعمار محددة. وهذه المراحل تحدث أيضًا بالترتيب. تنمو اللحى وشعر العانة في أوقات محدد؛ وعادة ما تحيض الفتيات في سن المراهقة وتتوقف الدورة الشهرية عند سن الخمسين. فمن النادر جدًا أن تنجب النساء أطفالًا في سن متأخرة. قد يفترض المرء أن القدرات الإنجابية قد توقفت لأسباب وجيهة للغاية. تحتوي بعض ساعاتنا الداخلية على منبهات غفوة؛ يمكن أن يتأثر البعض بظروف غير عادية مثل الحرب والمجاعة والظروف الجوية القاسية. بعض أجهزة ضبط الوقت مسؤولة عن الكائن الحي بأكمله، بينما يتحكم البعض الآخر في أدق التفاعلات الكيميائية.

تسمى أجهزة التوقيت لدينا التيلوميرات أو علامات الحمض النووي وتوجد في نهايات الكروموسومات. وحتى الآن لم يتم الكشف عن آلية عملها. يمكن مقارنة شكلها بالحمايات المعدنية أو البلاستيكية الموجودة في نهايات أربطة الحذاء، وهي مكدسة بالآلاف. لكن في كل مرة تنقسم الخلية يختفي عدد معين منها.

من غير المعروف ما إذا كانت هذه العلامات مجرد علامات (مثل علامات X في التقويم)، أو أنها تحدد بالفعل (جزئيًا أو كليًا) معدل التقادم، أو كلاهما. دائمًا ما تكون الخلايا الوليدة التالية أكبر سناً. قد يتجعد وجه الشخص قليلاً وقد تضعف أنسجة العضلات قليلاً، كل ذلك موقت في البرنامج. وبمرور الوقت تصبح العظام أكثر مسامية وتتكسر بسهولة، وتتدهور وظائف الكلى ببطء، وتقل وظائف الرئة ويقل تحمل التمرينات الرياضية، وتقل قدرة الذاكرة، وتفقد أجهزة المناعة قدرتها ببطء. كيف يتقدم إصبع القدم الأيمن بنفس معدل تقدم الأصبع الأيسر، وكيف تحدث تغيرات الجلد بالتوازي – وما إلى ذلك – ليس مفهومًا تمامًا. لكن من الواضح أن كل ذلك موقت بشكل دقيق ويتقدم ببطء نحو الزوال.

يبدأ الموت في الواقع عند الحمل، فمنذ لحظة الحمل يتم تمرير اتجاهات وفاة الشخص إلى كل خلية. وكما قال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي: “الموت ليس عكس الحياة، ولكنه جزء منها.”


*جيفري سيمونز طبيب ومؤلف لعدد من الكتب العلمية. حصل على بكالوريوس في علم الأحياء من جامعة إلينوي وحصل على دكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة إلينوي. متخصص في الطب الباطني وطب الكوارث.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.