لا.. ليس جسدي!

لا.. ليس جسدي!

هيام علي  

اللوحة: الفنانة الأميركية كريستين كامبريا

لست أنا وهذا الجسد ليس جسدي، ولدت من داخل رحم أم نقية تبغض الرذيلة، جدران البيت تؤيد كلامي هنا صورة الفاتحه منقوشة على الجدار بلون ذهبي ناصع، وهنا آية الكرسي، وهنا وهنا وهنا، البيت عتيق.

 سمعت أبي يقول: هذا البيت من زمن الزمن عاصر أجيالا وأجيالا، سئمت كلامه الذي يعاد كل يوم، وأمي لا تلتفت إليه فهى في عالمها الآخر، في رقبتها حبات المسبحه وفي صدرها ورقة مطوية على شكل مثلث مغطاه بقطعة قماش بداخلها طلاسم لاأفهمها. 

في يوم من الأيام أتت إلينا إمرأة خمسينية العمر ومعها فتاه تسحبها من يدها عيناها زائغتان كأنها تبحث عن شيء فقد منها، استقبلتهم أمي كالعادة وأطلقت البخور ثم أشارت إلي، فتحت لهم حجرة الجلوس دخلت أمي معهم، وبنظرة أخرى منها قمت بغلق الباب، أتلصص أترك لأذني العنان كي تسمع صرخات الفتاه وأمي يعلوا صوتها تردد آيات من القرآن ممتزجة ببعض الكلمات.

 ساعة كاملة وهم على هذا الحال، فجأة انفتح الباب وإذا بأمي أمامي تنهرني ككل مرة بأن لاأقف هنا وإلا ستصيبني لعنة في يوم ما، خرجت الفتاة تصحبها تلك المرأة وبهدوء أخرجت منديل أبيض به بعض النقود لأمي، كل يوم تراودني الكوابيس والأحلام المزعجة.

 أرى صورهم على الجدران عيون ترمقني يخترقون صدري، يتحسسون جسدي، أشعر بنشوة غريبة سرعان ما أستفيق على صداع يجتاح رأسي، نساء الحي كلما هممت بالخروج إلى الشارع أراهن يتهامسون فيما بينهن، ولا أسمع منهن سوى كلمة واحدة الكافرة بنت الكافرة!

لماذا؟ فأمي هي من تقوم بفك الأعمال والعكوسات والأسحار لهم، حينها كنت صغيرة في التاسعة من عمري، وعندما كبرت أفقت على كابوس مرعب، عندما كنت أرى أمي داخل نفس الحجرة تطلق البخور، واحدة تدخل وأخرى تخرج، وأبي ينظر في صمت على كرسيه المتحرك، منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا وأنا أرى أبي هكذا.

 بدأت أمي تعلمني أصول المهنة ويوما بعد يوم أصبحت ماهرة بل تفوقت عليها أيضا، بدأت أقرأ في كتب السحر السفلي والسحر الأسود، وغيرها من الأعمال أصبح بيتنا لا يخلو أبدا، قالت لي أمي يوماً: نحن نساعد هؤلاء كي تستقيم الحياة لهم ولنا، والجميع يستفيد.

قلت: هل تتذكرين تلك المرأة التي أتت إلينا البارحة التي كانت تحب شابا متزوجا من إبنة عمته؟

نعم أتذكرها ماذا بها؟

أنت تعلمين جيدا ماذا كانت تريد!

نعم أعلم، كانت تريد التفريق بين هذا الشاب وزوجته كي تتزوجه هي.

وهل هذا حلال ياأمي؟

نعم حلال يا ابنتي، لأن تلك المرأة تعشق هذا الشاب وإن لم تتزوجه في الحلال ربما فعلت معه الحرام، فنحن مجرد سبب كي يجتمعا معا، كل سؤال أسأله له جواب مقنع من أمي، النهار للوافدين من كل حدب وصوب، أما الليل فلهم تعاد صورهم كل ليلة على الجدران يأمروني وأنا أطيع كلما أطعت كلما أعطوني سرا من أسرارهم، صراع داخلي يميتني كل ليلة بين الخطأ والصواب، أتعرى وهم يشاهدون جسدي لا لا ليس جسدي، أقسم لكم بأنه ليس جسدي فأنا ولدت من رحم أمي نقيه هنا سمعت ضحكاتهم وهم يسخرون مني ومن أمي، ثم يقتربون أكثر فأكثر وأنا مسلوبة الإرادة ليس لي حيلة سوى الانصياع لهم، كل يوم يزداد وجهي شحوبا وجسدي ينحل يوما بعد يوم.

 كرهت أمي تمنيت أن تموت كي أستريح، استيقظت على صراخها اتجهت نحوها فإذا بها تنعي أبي، بموته مات كل شيء، لم يزورنا أحد ولم يعزينا أحد، هنا علمت بأن أمي على خطأ وأنها ملعونه في السماء وعلى الأرض، وأنا مثلها تماماً، خرجت إلى الشارع في الخفاء كي لايشاهدني أحد وينعتني بالكافرة بنت الكافرة، حتى حل المساء شعرت بالتعب، عدت إلي البيت وقبل اقترابي شاهدت ألسنة اللهب تخرج من البيت قضت عليه تماماً أرى أمامي كتل من الفحم، وأصوات تقول ماتوا الكفره!

رأي واحد على “لا.. ليس جسدي!

اترك تعليقًا على hamdoun إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.