الصمت

الصمت

هيام علي

اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو

هواء بارد يأتي محملا بهموم كثيرة، وغبار الأيام السالفة يمر على دلاية البيت محدثه صوتاً عالياً أيقظها من نومها، نهضت تحسست بقدميها الأرض، اصطدمت به أدخلتهما فيه، بدأت تخطوا خطوات ثقيلة حتى وصلت إلى الحمام، أضاءته.

 نظرت في المرآة تحسست بيدها ملامح وجهها، اقتربت، ابتسمت، ثم تجهمت، فتحت فمها رأته فارغا من الأسنان لم يتبقى سوى سنة واحدة تطل من فمها تضحك، تسخر منها ومما فعلته بها الأيام، تغضب، تثور عليها، تمد يدها، تمسك بها، تخلعها، تسيل الدماء من فمها، تلقي بها من النافذة، تغسل فمها لتعلن انتصارها الأخير، تمشط شعرها الطويل بالفرشاة، بياضه كسحابة صافية في نهار شتوي، تخرج من الحمام إلى ردهة البيت، الإضاءة خافته، الأولاد في كل مكان، على الأرض، الكرسي، وعلى سفرة الطعام، حملتهم وضعت كل واحده بجوار الأخرى، جلست أمامهم، نظرت إليهم نظرة صارمه، بادروها بنظرة استفهام!

أجابتهم بنظرة عتاب بأن يكفوا عن الشغب ويلتزموا الهدوء، بدأت الشمس ترسل أشعتها الذهبية لتعلن عن بدء يوم جديد ممل ككل يوم، قامت بتحضير طعام الإفطار، أمسكت بواحدة فتحت فمها وضعت فيه الطعام، سقط على الأرض، صفعتها حملتها خارج البيت حفرت لها حفرة صغيرة دفنتها فيها شعرت بالراحة،

 ارتدت ملابسها، فتحت الباب، وجدت إبنها يقوم بتقطيع بعض فروع الأشجار بالمقص، نادى عليها، لم تجيب، ذهبت إلى المقبرة جلست أمام لوحة رخامية منقوش عليها إسم زوجها وتاريخ الميلاد والوفاة، شردت بذهنها تذكرت حياتها معه عندما كان يأتي إلى البيت متجهما، تسأله عن السبب، يخبرها بأنه تم فصله من عمله بدون سبب، تخبره بأنه لا يوجد شيء بدون سبب، ينهرها.. تلوذ بالصمت، فهذه ليست أول مرة، يغلق عليه حجرته يمكث فيها أيام وأسابيع، في يوم دخلت عليه فإذا به يجلس على حافة السرير يمسك مسدسه يضعه في فمه، تصرخ لا لا انتظر، كانت الرصاصة أسرع منها لتنهي حياته، تفيق من غفوتها، تتذكر إبنها الذي هجرها بعد وفاة والده، تزوج وسافر بعدها غاب سنين طويلة، ثم عاد ليس له سوى هما واحدا: كيف يحتل هذا البيت؟

يأتي إليها على فترات متباعدة، يجلس قليلاً ثم يرحل، اليوم عندما رآها ترحل، دخل البيت مسرعا يبحث عن شيء في دولاب ملابسها، وجد الأوراق طواها أخفاها داخل ملابسه ثم خرج مسرعا، غابت عن البيت، بحث عنها لم يجدها، مكث فيه هو وزوجته، في صباح أحد الأيام، سمع صوت أقدام تسير في ردهة البيت، خرج يستطلع الأمر، فإذا بزوجته تفتح الباب تضع صندوقا كبيراً خارجه، سألها عما تفعله؟ أخبرته بأنه صندوق والدته وضعت فيه عرائسها التي كانت تحتفظ بهم في كل مكان، فهي ليست بحاجه إليهم.

اترك رد