اللوحة: الفنان السوري عادل داود كردي
وقف حكم المباراة ينظر يمينه ويساره، يستوثق من تواجد جميع المتبارين، أنهم يقفون على خط السباق لا يحيدون عنه، فتّش بأصابعه في نعال أحذيتنا الرياضية، عبث بأفواهنا خشية وجود أدوات حادة مما يجُرّم قانون اللعبة حملها..
لفّ حولنا دورة كاملة ثم أعقبها ثانية وثالثة حتى اطمأن قلبه ورضي، فرفع صافرته لفمه، ثم نفخ بكل عزم لديه, فانطلقنا كسيل عرم لا نُبقي وراءنا إلاّ سُحبًا من غبار، أسرعت يحدوني أمل الفوز كما أفعل دائمًا، لكن هذه المرة درست قدرات المتنافسين جيدًا .
لملمت شتات نفسي من الهزائم السابقة بعد أن وقفت على أسبابها، لُمت نفسي ويحقُ أن أفعل وكيف لا! وقد نلت المركز قبل الأخير، لذا أجهدتُ نفسي في تدريبات قاسية ليل نهار، انقطعت عن زيارة الأهل ومسامرة الأصدقاء، حتى قهوتي السوداء شديدة المرارة هجرتها مؤقتًا حتي لا أُفتن بها.
جريت بكل قوتي وقد أقسمت بيني وبين نفسي أن: تلك آخر مرة أنخرط في مباراة، لكنّي أيضًا أدرك أنّي أخلف وعدي فبيني وبين الالتزام بالعهد بونًا شاسعًا وفلاة يهلك دون عبورها كلُ حيُّ.
لا أعلم كم قطعت من مسافة!، لكنّي أدركت أني جريتُ مسافة كبيرة، قطعت خلالها شوارع المدينة وأزقّتها حتى انتهيت للطريق الصحراوي. درسُ تعلّمته من فشلي القديم: ألاّ أنظر خلفي، لذا بهذه المسابقة، لم ألتفتُ رغم صراخ وصل لسمعي، لن أتوقف لنجدة ملهوف، فتلبية الاستغاثة إعاقة، لذلك استغشيت ثيابي و وضعت أصابعي في أذنيّ تجنُّبًا لضعف بطبعي..
أثناء عدوي حلّت بيّ مساءات كثيرة، أبصرت الشمس تعلو وتهبط حتى استعصى عليّ الحساب والعدّ، بلي حذائي، فركلته، هرولت حافيّا فالمهمة جليلة.
أيام أو أشهر أو سنوات، لم أعد أهتم بالوقت، علمتُ أن مُدرّبي وافته المنية، أسفت لرحيله وتمتمت ببضع آيات على روحه، تذكّرت بعض مآثره معيّ، ذلك كله دون أن يصيبني كدر أو يخطر ببالي أن أتوقف، ظللت أجري حتى انتهيت لنقطة فاصلة تلتقي عندها السماء بالأرض، يختلط فيها الظلام بالنور، تمتلئ بعواء لم أميّزه أهو لذئاب جائعة أم جراء حزينة على غياب القمر من السماء!!
حيرة أصابتني هل أتوقف الآن؟! هل أصبت في سعييّ؟ شعرت بغبطة وراحة كبيرة، لكن وخز ضميري أيقظني: هل رضيت عن أدائك؟
قلت: نعم وأكثر، فعلت هذه المرة ما لم أفعله من قبل، بذلت من الجهد ما فاق طاقتي وغيري بكثير، فلما لا أرضى؟؟
ردّ عليّ هاجسي بصوت رخيم: لكنك لم تزل مكانك لم تتحرك!