وكان محطة رائعةً… للشعر الجميل!

وكان محطة رائعةً… للشعر الجميل!

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان السوري أحمد أبو زينة

عن الشعر العربي وعن الكويت وعني، رحل الشاعر والمؤرخ والأخ النبيل، “خالد سعود الزيد”… كان ذلك يوم الثاني عشر من أكتوبر من عام ألفين وواحد المنصرم.

لم يكن “أبو سعود” –يرحمه الله- عندي، شاعراً قرأته، أو رجلاً عرفته، أو معلماً جلست إليه، بل كان الرجل عندي فوق ذلك كله معنىً خصباً، وقلباً تعمره روح النهر، فما أكاد أتذكره، حتى تنهض صحراء روحي نخيلاً.

كان حضوره شديد التأثير في روحي وإن قامت بيننا المسافات، فهو كالمغناطيس، لا يحتاج إلى أن ينتقل حتى يؤثر، أو هو كالأب، يعمل فيك بصمته أكثر مما يعمل بكلامه. 

قلت له مرة، إنني أشعر أن بلداً ليس فيه “خالد سعود الزيد”، هو كالبلد الذي ليس فيه كتاب… كان رحمه الله عاصمة “كبيرة” من عواصم الثقافة الكويتية، اختار لها القدر أن ترحل والكويت عاصمة من عواصم الثقافة العربية للعام ألفين وواحد.

وعندما يذكر الشعر والتاريخ فسوف يتوقف النقد العربي عند محطة شهيرة للشعر الجميل والتأليف الرصين، اسمها “خالد سعود الزيد”، وسوف ترتفع عندها القامة الكويتية حين يفخر الناس بأعلامهم… وهو بذلك، وأنت –عزيزي القارئ-، في غنى عن كلام مثلي، بما أبدع فيه أصدقاء “خالد” ومحبوه من الأدباء والشعراء والمسئولين، ولكني هنا مُطلعك على ما لا يعرفه غيري من خبر أدبي كان بيني وبين “خالد سعود الزيد” رحمه الله وأنزله منازل الصالحين، ليجد عند ربه إن شاء الله داراً خيراً من دار، وأهلاً خيراً من أهل.

كان ذلك مساء الثالث والعشرين من إبريل عام 1993م… كنت قد فرغت لساعتي من قراءة ديوانه “بين واديكِ والقرى”.. طلبته على الهاتف وبادرته قبل أن أعرِّف نفسي: 

بين واديكَ والقرى    

قد جرى الحب أخضرا

روضة شاق لحنها    

وُقّعَ الطير، والورى

فأجاب: شوارب، فرِحت بسعادته صمتَ هنيهة.

وقال:

ليت لي مثل ريشه    

فأرى منك ما يرى

قد رأى منك شاعراً   

عرف الحب فانبرى

بادرته، هذا كلام يستحق التسجيل.. انتظر، فذاكرتي مثقوبة.. قال سجل واطلبني… 

انتهزت ما شغله بعض الوقت، سجلت على الترتيب، ثم كتبت بعدها:

إنني منك بلبلٌ 

شاقه الشدو في الذرا

هزه الشعر سلسلاً

في بنانيك، فاجترا

أحرف قد تطهرتْ

عند نبع ٍ تطهــــــرا

حين مسّتْ بصيرتي  

لست تدري بما جرى

أصبح الحرف في دمي        

عاشقاً هدّه السُّرى

وجد العمر مهرَها     

والأماني، فاشترى

عدت إلى طلبه على الهاتف، فبادرته بالأبيات فقال: إيه!! تأخرت في الاتصال حتى تتجنب المبارزة!!.. أجبت: طبعاً!! فما يكون لمثلي أن يبارز مثلك!! فقال على التو وحروفه تفيض سعادة: 

المعاني بها تفي  

قد تفجرن أنهُرا

فأجبته على الهاتف:

إنها النار سيدي 

أحرقتْ “قيسَ”.. ما درى

فأجاب:

كيف للنار أحرفٌ 

قد تقطرنَ سُكَّرا؟

تقطع صوتي.. أطالبه بأن نكتب، فذاكرتي هي ما عَلِمت..  قال: سجل واطلبني.. فسجلت، لاهثاً أو كاللاهث ثم كتبت:

كيف حلوى وسُكرٌ     

دون نار؟ أما ترى

نارُ “موسى” تباركتْ

نَارهُ إذ تَـنَـوّرا! 

مسَّ ما مسَّ من دجىً 

كان أعمى، فأبصرا

أخذه الطرب رحمه الله ما أخذه.. ثم عاد من صَمْتةٍ لم تطل، فقال اكتبْ.. فكتبت وهو يملي: 

عجباً من “شواربٍ”  

صرْنَ بالحلْقِ أَشْعَرَا

إن لي منك هاتفاً      

ومسَــــــــــاءً معَطَّـــــــــــرا

فأجبته على الفور:

سيدي.. ألف سيدي   

لستَ تدري بما جرى

من أمانيَّ ساعةٌ       

بين واديك والقرى!! 

ضحك وضحكت.. وفرحت وفرح.. ثم قال: اقرأ عليّ المكالمة كلها.. فقرأت النص حتى انتهيت إلى آخره.. ثم قال: والآن، لمن ينسب هذا النص؟ 

فقلت: إنه كالطفل الذي يولد في الطائرة.. يحمل جنسيتها، فقال ضاحكاً إذن فهو ابن وزارة المواصلات الكويتية!

رحم الله الشاعر خالد سعود الزيد وأنزله منازل الصالحين.

رأي واحد على “وكان محطة رائعةً… للشعر الجميل!

  1. مالهذا بالشعر بل هو هواء معطرا دون ان احرك شفتاي به اثلج صدري !
    مالهذا بالشعر انما هو آداب في الحديث نفتقر لمثلها في الحديث المعاصري ومضي بنا الزمان لمثله ماذا جري هل نسينا انشودا كنا نرددها بالامس القريب لفظي قرآني وجزاكم الله خيرا خالي العزيز علي هذا الإسراء

اترك رد