يوميات هناء في نيويورك.. مدينة الفن الذي لا يموت

يوميات هناء في نيويورك.. مدينة الفن الذي لا يموت

هناء غمراوي

اللوحة: «القبلة» للنمساوي غوستاف كليمنت

من بين كل الفنون المعروفة كان فن الرسم هو الأقل جذباً لاهتمامي منذ صغري؛ وقد كانت حصة الرسم في المرحلة الإعدادية من أثقل الحصص على قلبي. فقد كنت مولعة كثيراً بسماع الموسيقى على أنواعها. ومولعة بالقراءة ايضاً؛ قراءة الروايات وقراءة الشعر وحفظه. وهذا ما منحني كنزاً لغوياً أعتز به.

ولن آتي على ذكر أنواع الهوايات الأخرى كالرياضة مثلاً التي لم يكن لي معها أية مشكلة! الا فن الرسم فقد بقيت أتعامل معه كأحد الطلاسم ولمدة طويلة. وكم كنت أعجب من هؤلاء الرسامين الذين يستطيعون نقل الملامح من الوجوه ورسمها على الورق أو القماش في قوالب بشرية تكاد تنطق. ومع انني كنت أميل الى تعلم أي مهارة على سبيل الهواية (وقد جربت لفترة بسيطة ان أتعلم العزف على آلة موسيقية). فإنني لم أفكر في يوم من الأيام أن أمسك ريشة في يدي وأرسم حتى زهرة أو كوب ماء. 

ولكنني لاحظت أنني منذ فترة بدأت أهتم بهذا الفن وبخاصة بعدما بدأت أزور المتاحف العالمية وأكتشف ما تحويه من جمال، تلك الأعمال العالمية الخالدة. وكم وقفت طويلاً أمام لوحات غوستاف كليمت (١) وبخاصة لوحته المشهورة” القبلة” الموجودة في متحف بلفيدير (Belvedere) في فيينا. 

نعم بدأت مرحلة جديدة في نظرتي الى فن الرسم، بحيث صرت أطلق عليه لقب” الفن الصامت” فاللوحات تعبر عن نفسها بصمت، وتروي أحداثاً وأخباراً دونما حاجة الى أبجدية الكلمات، ولا إلى صوت الموسيقى.

مع وصول الجائحة الى معظم دول العالم تعطلت جميع المرافق الحياتية، فما بالك بالفنون! فقد أقفرت معظم المدن الكبرى في العالم. تلك المدن، التي كانت لا تنام وبخاصة مدينة نيويورك، التي زارها الوباء بقوة وكان عدد الضحايا يزداد كل يوم. فأقفلت المتاحف والمعارض والمسارح ودور السينما بما في ذلك المطاعم والمقاهي. فتحولت المدينة التي كانت تضج بالحياة الى مدينة اشباح…

ولكن هل يمكن أن يغيب الفن عن هذه المدينة إلى الأبد!.

ما إن أعلنت السلطات المحلية رفع الحظر المفروض حتى تدفقت جموع الفنانين وأغرقوا الشوارع والساحات. بدأت الحياة الطبيعية تعود إلى المدينة شيئا فشيئا. و بدأت فرق العازفين تشنف آذان زوار الحدائق العامة بالألحان العالمية الساحرة؛ في أستوريا بارك، سنترال بارك، واشنطن سكوير بارك (٢)… وفي كل مكان.

أما الحدث الأهم، الذي طغى على هذه التظاهرة الفنية في المدينة، فكان العرض الحي الذي قدمه متحف فان غوغ في مانهاتن؛ في الذكرى ال131 لوفاة هذا الفنان الهولندي الأصل(٣) والذي شكلت حياته المضطربة علامة فارقة في عالم فن الرسم في أوروبا والعالم. العرض كان تحت عنوان(الغوص في عالم فان غوغ) حيث قدم مجموعة من الفنانين عرضاً مميراً لروائع الفنان الهولندي، مستخدمين احدث ما توصلت اليه تكنولوجيا المرئيات الحديثة في عرض لوحات الفنان غوغ على جدران ثلاث قاعات داخل المتحف، الذي غصّ بجموع الوافدين من محبي هذا الفن الجميل. والذين افترشوا ارض المعرض بكل خشوع. أما الأطفال الذين رافقوا أهليهم فقد حرصوا على حمل اقلامهم ودفاتر الرسم الخاصة بهم ليشاركوا ذلك الفنان العظيم لوحاته الخالدة. بقدر ما تسمح لهم ذائقتهم الفنية البريئة بذلك. فقد كانت اللوحات المعروضة على الجدران وفي أرضية المتحف تتحرك مع الموسيقى؛ فتورق الأشجار، وتتفتح الأزهار، وينطلق القطار في رحلته المقررة…

دام العرض لمدة نصف ساعة متواصلة، ولكن أغلب الحاضرين احتفظوا بأماكنهم ولم يغادروا القاعة بعد نهاية العرض ليتمكنوا من متابعة عرض آخر، أو أكثر دون أن يضطروا للمغادرة وتكبد ثمن بطاقة جديدة … 

بعد متابعة عرضين متتاليين كان ينتهي كلٌ منهما بالأغنية الفرنسية الشهيرة التي تؤديها أديث بياف بكل روعة الإحساس (je ne regrette rien). غادرت مع ابنتي قاعة العرض وانا أفكر في هذا الانسان الذي امتدت حياته لسبع وثلاثين سنة فقط. قضاها في الفقر والاهمال حتى أثر وضعه المزري أن يسبب له اضطراباً عقليا في مرحلة من مراحل حياته. اليوم تحيي مدينة نيويورك أعماله اعترافاً بما قدمه للبشرية من فن عظيم…

شكراً نيويورك أنك أتحت لي فرصة مشاهدة أعمال فان غوغ الخالدة بتلك التقنيات الرائعة.

ولكن، هناك سؤال بقي يلازمني؛ هل قدر العظماء أن يموتوا فقراء.!


هوامش

‏١- Gustave Klimt؛ رسام نمساوي مشهور ولد سنة ١٨٦٢ في فيينا وتوفي سنة١٩١٨ في فيينا ايضاً.

٢- اسماء ثلاث حدائق عامة في مدينة نيويورك.

‏٣- Vincent Van Gog؛ رسام ولد في هولندا ٣٠ آذار (مارس) ١٨٥٣ وتوفي في فرنسا ٢٩ تموز(يوليو) ١٨٩٠

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s