اللوحة: الفنان الإيطالي دوبيليو بارنابي
بالفعل هناك قصة أكتبها، أعرف أحداثها أو أتخيّل وقوعها، أنغمس فيها حتى تستغرقني وترهقني ، فإن فرغت منها، عُدت مُنهك القوى خائر الفؤاد ، فأظل لفترة ألملم شتات نفسي.. ظننت لعهد كبير منذ أن ولجت عالم القص، أنّي امتلك نهجًا سرديًّا خاصًا بيّ يميّزني عن غيري، حتى صحوت على حقيقة مغايرة، لمَ لا تكون القصة هي التي تكتبني؟! من منّا الراوي ومن البطل؟
فكرة مرعبة أن تستيقظ على من يقول لك:هل تكتب قصة أم أن القصة هي التي تكتبك؟ فرحت أراجع كثير ممّا كتبت، قضيت ساعات طويلة قبيل أن أبدأ، تطهّرت من كل شائبة قد تؤثر على حُكمي، أقسمت بعد أن تعطّرت وارتديت أفضل ملابسي أنّي راغب في معرفة الحقيقة ولو كانت مرّة، ثم هبطتُ ببطء السلّم الحجري الملتوي والمتعرّج الذي يفصل بين واقعي وخيالي، ذلك المنخلعة بعض درجاته من أماكنها بفعل الزمن والبلى، كنت أتحسس الدرابزين الخشبي القديم ،لكبر سنّي، ولعلمي أنه متهالك ببعض جوانبه، السقوط حتمي ما لم آخذ حذري!
وعندما وصلت إلى الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة، ألقيت بنفسي غير عابئ بين أبطال قصصي، تنصّت عليهم في أحاديثهم، تسمّعت لوشاياتهم على بعضهم البعض، بل أجزم أنّي سمعتهم يتناوبون شتمي وسبّي علانية فيما بينهم ، وقد عذرتهم فيما ذهبوا إليه ، فلكم عَرّضت بهم وِسيَرهِم على الملأ، كما أصغيت لنجواهم وآلامهم النفسية العميقة، فعلت كل ذلك وأكثر، ظللت أعيد وأزيد في القراءة والتلصّص، حتى بلغ بيّ الجهد مبلغًا عظيمًا.
بنهاية آخر رشفة من فنجان قهوة أعددته بجوف الليل، وجدتني أمام شخص آخر، على خلاف ما أعرف عنّي، رأيتني غير ذلك الرجل الذي سار بطريق السرد لسنوات، تعثّرت بحفر كثيرة، توقّفت قبالة حادثة هنا أو هناك، سجّلت شاردة ودوّنت واردة.
صُغتُ من حكايات القوم من حولي قصصًا، لهثتُ ما وسعتني طاقتي وراء كل فكرة ولو كان صاحبها يعاني، وجدتني أمامي، غير أنّي لم أكن أنا القديم، ربما الشبه كبير وقائم، لعل كثيرين يخطئون في التمييز بيننا.
لكنها امرأة واحدة ضَحِكَت مع انتهائها من قراءة آخر قصصي التي بعثت بها إليها بالأمس، عندما التقيتها صبيحة اليوم، طَوَت الحكاية جانبًا، نزعت منظارها الطبي، ثم أخبرتني بما زلزل كياني: هناك قصة أنت تكتبها والحق أنك بارع فيها. لكن هناك أيضًا حكاية أخرى هي تكتبك وتلك أشد براعة، ثم سألتني: هل تعرف ذلك عنك؟!
رائع ذلك الحوار
إعجابإعجاب