يوميات هناء في نيويورك – السباحة على شواطئ الأطلسي (2)

يوميات هناء في نيويورك – السباحة على شواطئ الأطلسي (2)

هناء غمراوي

اللوحة: الفنان الأكراني إيفان إيفازوفسكي

نهار الجمعة المصادف في 30 من تموز(يوليو)، من السنة الثانية للجائحة كان يوما خاصا بامتياز. وخصوصيته لم تكن بالتأكيد، أنه كان أول أيام الرحلة الكشفية المقررة، والمخصصة للسباحة على شاطئ Cape May. وإنما لسبب آخر أهم بالتأكيد. رحلة هذا اليوم كانت قد تقررت بعد رحلة 4 تموز(يوليو) الماضية، التي تزامنت مع عيد استقلال أميركا، والتي كانت وجهتها شاطئاً آخر من ولاية نيوجرسي. 

رحلة اليوم، هي أيضا الى نيوجرسي ولكن وجهتنا هي مدينة بحرية وادعة، ومشهورة بعمارتها القديمة المبنية على الطراز الفيكتوري. وبشواطئها الرملية الجميلة، حيث يشكل أحدها مصباً لنهر Delaware المعروف في شمالي الولايات المتحدة والذي يشكل مجراه أحياناً حدوداً فاصلة بين بعض الولايات الشمالية، قبل أن يصل الى نيوجرسي وينتهي على أحد شواطئها المسمى (sunset beach) حيث يتشكل هناك أجمل غروب للشمس. مما يجعل سكان المناطق المجاورة يقصدون هذا الشاطئ ليتفرجوا على الغروب وليدونوا من خلال عدساتهم تلك اللحظة المميزة.

منذ الصباح الباكر بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي؛ أنا استعد لمغادرة نيويورك والبقاء خارج البيت لمدة ثلاثة أيام. وذلك تطلب مني بعض التحضيرات والاستعدادات الخاصة، سيما أنني قررت هذه المرة أن أخوض مغامرة التخييم مع باقي رفاق الرحلة. إضافة إلى أننا نلتزم بموعد محدد للقاء في Cape May التي تبعد عنا مئات الأميال. وذلك ما استدعى انطلاقنا في وقتٍ مبكر لموافاة رفاقنا هناك. وكنا نحتاج لأكثر من ثلاث ساعات من القيادة دون توقف للوصول الى الموعد.

تمام التاسعة صباحاً انطلقنا من نيويورك، يرافقنا صوت فيروز الذي كان يقطعه أحياناً اتصال هاتفي من أحد الابناء للاطمئنان؛ مرة من السعودية ومرة أخرى من ألمانيا. 

نيوجرسي التي غالباً ما كنا نقصدها لأغراض متعددة، لا تبعد عن نيويورك سوى ساعة أو أكثر قليلا. أما رحلة اليوم فكانت مختلفة حيث قررنا أن نقصدCape May الواقعة على شاطئ الأطلسي، أقصى جنوب ولاية نيوجرسي، الطريق واسع وجميل تحيط به الغابات الخضراء من الجانبين. الطقس الجيد والسماء الصافية سمحا لبعض الطيور أن تحلق على ارتفاع منخفض، وبخاصة بعض العقبان، التي كانت تعبر فوقنا وهي تميل ذات اليمين وذات اليسار بجناحين ثابتين، وكأنها طائرات صغيرة سوداء اللون. كل هذا الجمال المحيط بي لم يجذب اهتمامي، ويجعلني اسرِّح نظري بعيداً عن شاشة الهاتف، التي قبضت عليها باهتمام منذ انطلاقنا.! وذلك كان بهدف التواصل مع بعض زميلاتي في نادي قاف. ومتابعة أخبار اللقاء الحواري الشهري، الذي سنجريه مع الروائي الجزائري، والذي تزامن موعده مع رحلة اليوم.

لطالما كنتِ من عشاق الطبيعة! ما بالك اليوم منشغلة عنها بهاتفك على غير عادتك؟ تقول ابنتي التي ترافقني الرحلة!

• فعلاً انا منشغلة بهاتفي لأن ثمة حدث مهم يشغلني. وهذا الحدث طغى على اهتمامي وشغفي بهذه الرحلة، فهي على أهميتها لا ترقى لمستوى ما يشغل تفكيري منذ الصباح. أنت تعرفين السبب فلماذا تسألين؟

• قلت لك أطلبي من إحدى زميلاتك أن تسجل لك الحوار وهكذا يتسنى لك متابعته بعدما نعود.

• لن أطلب ذلك أبداً فأنا انتظر هذا اللقاء منذ أكثر من شهر ولا بد أن أجد طريقة لمتابعته على “الزوم” ولو من على شاشة الهاتف إنه واسيني الأعرج وليس أي روائي! وأنا أقرأ له منذ ربع قرن وليس فقط هذا الكتاب، الذي سنناقشه اليوم (البيت الأندلسي) لذلك لن أترك هذا الحوار يمر دون أن أكون من المشاركين به.

تمام الساعة الثانية عشرة والنصف وصلنا الى Cape May . وبدأت أبحث عن مكان مناسب أجلس فيه لمتابعة اللقاء الذي كان مقرراً اجراؤه تمام الثامنة مساءً بتوقيت بيروت الموافق الواحدة بتوقيت نيويورك ونيوجرسي. انشغلت ابنتي في ركن السيارة في أحد الشوارع القريبة من مكان تجمع الرفاق. في حين انشغلت أنا في تأمين مكان هادئ نسبياً، ولا تصله أشعة الشمس الحارقة. وذلك بعدما تأكدت أنه من المتعذر عليّ متابعته من داخل السيارة في حر الظهيرة. مرّ من الوقت حوالي الساعة وأنا انتظر بداية اللقاء الذي تأخر الى الواحدة والنصف. وبعد عدة محاولات فاشلة في إيجاد مكان مناسب وجدت نفسي فجأة أحمل هاتفي وقوفاً على مدخل ذلك المسبح قبل أن أفترش إحدى درجاته المحمية من الشمس وأتابع اللقاء بشغفٍ واهتمام. غير آبهة بمن يدخل ويخرج من الرواد. وبعد أن سبقني كل من كان معي في الدخول. وزاد من سوء حظي انني كنت كلما اقتربت من الدرج المؤدي الى الشاطئ بهدف الانضمام الى المجموعة، ومتابعة اللقاء هناك، انقطع ارسال الهاتف وحرمني متابعة اللقاء والتواصل مع الزملاء في طرابلس. فأعود أدراجي الى المدخل لأتابع الحوار من جديد. مرّ حوالي ساعتين من الوقت وأنا منفصلة تماماً عما يحيط بي. كان الروائي واسيني الأعرج في حواره أكثر من رائع. جذبني كما جميع المتابعين الى عالم الرواية الذي عايشه لأكثر من ثلاثين عاماً. حكى بإسهاب عن تجربته مع الكتابة، وأجاب عن أسئلة المتابعين بكل تواضع واهتمام . وكم كان سروري عظيماً انني تمكنت من المشاركة في الحوار عبر مداخلة صغيرة، قبل أن تفرغ بطارية هاتفي وترغمني على المغادرة، والتوجه الى الشاطئ واللحاق برفاق الرحلة.

بسرعة هبطت الدرجات القليلة المؤدية الى الشاطئ الرملي، الذي أمتد إلى مسافة لا تدركها العين. حالما اهتديت إلى مكان مجموعتنا، وكانت الساعة قد تجاوزت الثالثة بعد الظهر، والشمس مازالت ترسل اشعتها اللاهبة. تخففت من بعض ملابسي واندفعت لأرمي بنفسي داخل مياه المحيط الباردة، غير آبهة بعلو الأمواج وتكسرها الصاخب على الشاطئ. نصف ساعة من السباحة استخدمت خلالها كل ما أوتيت من شجاعة، بالإضافة الى التشبث بكل التقنيات التي تسمح لي بالبقاء داخل الماء في حين آثر أغلب الموجودين عدم النزول الى الماء أو اكتفوا بالبقاء دقائق قليلة داخله ومن ثم عادوا الى الشاطئ ليعرِّضوا أجسادهم لأشعة الشمس الحادة ليحصلوا السمرة التي يرغبون بها.

حوالي الخامسة انقسمت المجموعة الى فريقين؛ فريق بقي في نفس المسبح وفريق قرر الذهاب إلى ( sunset beach) وكنت مع ابنتي اول المغادرين.

اقل من عشر دقائق كنا هناك، الشاطئ يبدو مختلفاً وقد لفت نظري هدوء الماء غير العادي. ولونها المائل الى حمرة خفيفة قليلاً، لا تشبه الزرقة التي تلون عادة البحار الكبيرة والمحيطات. ومع كل هذا الهدوء كانت المياه خالية من السابحين. وأغلب الموجودين كانوا يتمشون على الشاطئ بانتظار الغروب.

هدوء الماء شدّني للدخول رغم ما ساورتني من شكوك؛ لم يمضِ على دخولي دقائق قليلة حتى وجدت جسماً هلامياً بحجم كيس بلاستيكي صغير يقترب مني. تعجبت من وجوده لتأكدي من نظافة الشواطئ هنا. واستحالة ان يرمي أحدهم النفايات في البحر. ولما صار على مقربة أقل من ذراع مني، مددت يدي لأمسك به وفجأة تذكرت. انه هو.! ذلك الحيوان البحري، الذي يطلقون عليه اسم قنديل البحر والذي يسبب حروقاً من مادة يفرزها من جسمه إذا ما اقترب منه أحد. خرجت من الماء بسرعة وأنا احمد الله في سرّي أني لم المسه. وقتها فقط عرفت سبب عزوف الناس عن السباحة هناك. أما عدم صفاء الماء وعدم زرقته وميله إلى اللون الترابي ّالخفيف، فذلك يعود إلى أن نهرDelaware الذي يصب هناك يعكر ماء الشاطئ بما يجرفه معه من أتربة خلال مدة جريانه الطويل. غادرنا المكان قبل الغروب لأنه كان يتوجب علينا العودة الى الاستراحة، ونصب الخيام قبل حلول الليل. ومن ثم الاستحمام والاستعداد للذهاب الى وسط المدينة السياحي لتناول العشاء هناك.

المخيم موجود داخل غابة مسورة لها مدخلان عريضان؛ أحدهما للدخول، وهو مزود بجهاز الكتروني لا يسمح سوى لسيارت المشتركين بالدخول. بالإضافة الى وجود كابينة صغيرة يتواجد فيها موظفان على الدوام للإجابة عن أي استعلام يخص الداخلين. اما باب الخروج فكان مزودا برافعة الكترونية تفتح تلقائياً لدى خروج اي سيارة من المكان.

قبل منتصف الليل بقليل عدنا الى المخيم بعد العشاء الجماعي، الذي ضم أغلب المشاركين في الرحلة حيث توزعنا على عدة طاولات. الطاولة التي جلست اليها ضمت مجموعة من الرفاق من مختلف الأصول والأعراق…فكنا اربعة من اصول عربية؛ اثنان من مصر وفلسطين بالإضافة لي ولابنتي من لبنان. أما الستة الباقون فكانوا من الصين، اميركا الجنوبية واسبانيا.

أمضيت اول ليلة لي داخل خيمة صغيرة خصصت لي مع ابنتي. وحمدت الله انها كانت تجربة إيجابية وناجحة. في الخيمة المجاورة لنا كان هناك عائلة أميركية من أصول اسبانية معها طفلان صغيران؛ صبي في السادسة وأخته في حوالي الرابعة.

في الصباح تناولنا فطورنا داخل المخيم على طاولات خشبية مغروسة بين اشجار الغابة؛ وكان مقتصراً على ما جلبناه معنا من البيت؛ من بيض وأجبان ولحوم مبردة، وغيره. وقد أبدت الأميركيات المشاركات إعجابا بالغاً باللبنة البلدية التي أحضرتها معي، والتي تعودت على صنعها منزلياً من اللبن الرائب، منذ وصولي الى نيويورك.

كان هذا اليوم، هو ثاني أيام الرحلة وكان للبحر والسباحة فيه النصيب الأكبر؛ لذلك وبعد الفراغ من الفطور وتناول القهوة، بدأنا بمغادرة المخيم تباعاً الى إلى الشاطئ نفسه الذي كنا قصدناه بالأمس مزودين بزر بلاستيكي وضع على ملابسنا منذ الأمس ليثبت أحقيتنا بالدخول.

لعله من حسن حظنا أن الطقس كان رائعاً، مما أضفى على المحيط وأمواجه سكوناً نسبياً على غير العادة. وهذا ما سمح لي بممارسة هوايتي المفضلة لساعات قبل أن نغادر مجدداً إلى (sunset beach ) لإمضاء بقية اليوم هناك .ومراقبة الغروب ومن ثم اعداد العشاء الجماعي الذي اقتصر على الشواء. ومن ثم إقامة سهرة النار التي امتدت الى بعد منتصف الليل، ما دعا بعض المشاركين للانسحاب والعودة الى المخيم قبل انتهاء السهرة. وكنت مع ابنتي من أوائل المغادرين بعد أن نال منا التعب خلال هذا النهار الطويل.

وصلنا المخيم بأمان بحسب ارشادات ال GPS ومن ثم بدأنا رحلة جديدة في البحث داخل المخيم عن مكان تجمع خيام فريق رحلتنا. فالمخيم كبير ونحن لا نعرف الا رقم الخيمة الذي كان (8) على ما أذكر. مر أكثر من عشرين دقيقة ونحن نتجول داخل المخيم دون أن نوفق في العثور على مبتغانا. حتى صادفنا أحد الحراس الليليين، الذي يقود سيارته الصغيرة المكشوفة وأرشدنا الى خيمتنا التي دخلناها بعد أن وضعنا هواتفنا على الشاحن الكهربائي الموجود على بابها. وهو مثبت على عمود صغير لا يرتفع لأكثر من سبعين سنتميتراً الى جانبه حنفية ماء وضعت للضرورة. وهذه التقديمات كانت متاحة لأي خيمة موجودة هناك بالإضافة الى بركة مخصصة للسباحة، بجانبها صف عدد كبير من الحمامات بالإضافة الى أماكن خاصة مغلقة مخصصة لأخذ الدوش.

بتنا ليلتنا الثانية هناك، وفي الصباح (صباح الأحد ثالث أيام الرحلة) فاجأنا المطر منذ الصباح وحرمنا من تناول القهوة على المقاعد الخشبية المنتشرة بين الاشجار وحبسنا داخل سياراتنا بعد أن كنا قد فككنا الخيام استعداداً للمغادرة.

لحسن الحظ ان الفطور كان مقررا خارج المخيم في (Uncle Bills, PANCAKE HOUSE) وهو المطعم الأقدم، والأعرق في المنطقة. وهذا المكان مخصص لتقديم الفطور فقط. لذلك ولكثرة عدد الزبائن الموجودين كان علينا الانتظار لأكثر من نصف ساعة ليتسنى لنا حجز طاولة خاصة بنا بالرغم من اتساع المطعم لما يزيد عن مئة شخص.

تغير الطقس المفاجئ حرمنا من السباحة هذا اليوم، ولكن هذه الخسارة سرعان ما عوضناها بعد الفطور مباشرة في الدخول الى وسط المدينة والتجول بين مبانيها العريقة، المصممة على التراث الفيكتوري، والتي تميزت بألوانها الزاهية، وتنوعت بين الأزرق والزهري، الأصفر والأحمر، الأخضر والفوسفوري…

بعض هذه البيوت كانت مسكونة، وبعضها الآخر حولها أصحابها إلى فنادق صغيرة (بانسيون) لزوار المدينة. وبخاصة للمصطافين الذين يقصدونها في هذا الوقت من السنة. بهدف التمتع بشواطئها الجميلة، وجوها الهادئ.

استغرقت جولتنا اكثر من ساعتين كنا خلالها نتوقف كثيراً لأخذ الصور التذكارية لبعض المباني الجميلة قبل ان ندخل أحد المقاهي بهدف الاستراحة وتناول الشاي البارد. ومن ثم استأنفنا جولتنا وسط المدينة حيث قصدنا بعض المحلات، التي تعرض لوحات من مختلف الاحجام، والانواع من ابداع رسامين محليين وعالميين.

بعد هذه الجولة كان الوقت قد تجاوز العصر، وبدأ بعض رفاق الرحلة في مغادرة المدينة والعودة من حيث اتوا. أما نحن ففضلنا ان نذهب الى منطقة بحرية لتناول الطعام قبل العودة الى نيويورك. بعد أن نصحنا أحد الرفاق المشاركين بزيارة مرفأ المدينة. وهذا المكان لم يكن مدرجاً في برنامج الرحلة، وانما تمت زيارته بناءً على اقتراح أحد المشاركين باعتبار أن المكان مشهور في تقديم المأكولات البحرية والأصداف على سطح بعض المراكب البحرية، التي حولها أصحابها الى مطاعم عائمة فوق الماء.. حوالي الثامنة مساء غادرنا Cape May معتمدين على ال GPS في رسم طريق العودة الى نيويورك، التي وصلناها قرابة الحادية عشرة ليلاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s