صبحي السلماني
اللوحة: الفنان السوري إسماعيل أبو ترابة
رغم علمها بأن النافذة المتشظي زجاجها لم تعد قادرة على أن تصمد في وجه الريح إذا ما عاكستها… ناجية، كما هو ديدنها في كل ليلة، أزاحت الستارة جانبا، وفي وضعية من يحاول أن يتذكر شيئا ما ولم يتذكر، قلبت شفتها، وبراحة يدها ضربت على جبينها قبل أن تتراجع!
وأما عن الباب الخشبي الذي تعطلت مفاصله وفقد العديد من دفاته، فصار وهو على هذا الحال، يشكل إغراءً كبيراً للكلاب السائبة، و(فرماناً) يجيز لها أن تطل بأخطامها في أوقات متفرقة من الليل، فقد تم الاستغناء عن خدماته، بعد أن اسندت تلك المهمة إلى برميل النفايات!
في ليلةٍ دهماء، وسط غرفة لا يسمع فيها إلا طنين البعوض وغطيط الأطفال، وهي تدس جسدها المتضعضع تحت البساط، وضعت إحدى يديها تحت رأسها على الوسادة، وبالأخرى طافت على رؤوس أبناءها الواحد تلو الآخر.
من خلال العتمة والصمت الذي لا يبعث إلى الطمأنينة رفعت نظرها إلى فوق، وعلى قدر ما يسمح به قطر النافذة برزت لها بعض النجيمات، ولأن ليس لديها ما يشغلها في مثل هذا الوقت، وربما هي من تبحث عنه إزجاءً للوقت، قررت أن تحصيها، وفي كل مرة ربما بسبب أفكارها المشتتة، تكون النتيجة أبعد ما يكون عن التطابق مع النتيجة في المرة التي سبقتها! وهي في خضم انشغالها بالعد والمقاربة، تناهى لها صوت أشبه ما يكون بالصفير مرّ من فوق دارها، ولأن مثل هكذا صوت غالباً ما يعقبه انفجار كي يُنسب إلى فصيلة المقذوفات، وهذا لم يحدث؛ قالت في داخلها: لا يمكن أن يكون إلا لسربٍ من الطيور المهاجرة
في تلك الأثناء تمنت لو أنها تملك من القدرات ما يملكه الرجل الطائر، أو تنبت لها أجنحة تمكنها من الطيران، كي تلتحق وأطفالها بتلك المخلوقات المحلقة في الفضاء الرحب، حيث لا وطن يترنح، ولا كلاب سائبة تتحرى عن القطط، ولا مسلحين يمارسون القتل بتلك السادية المفرطة.
وعلى ذِكر الوطن، قبل عام أو ما يزيد على العام بقليل، أي قبل أن يعتقل زوجها على يد مسلحين غرباء ويُغيّب، لم يكن مسموح لها أن تفكر في مثل هكذا أمور. كل شيء إلا الوطن!
لا لن أبرح داري، ولن أغادر هذا الوطن. وبقدر إيمانه بأن الموت حق، قبل أن يُعتقل كان قد أوصاها بنفسها والأولاد خيراً.
انقضى شطر طويل من الليل وهي الراقدة المستيقظة، جفلت على صوت انفجار بعيد والانفجار البعيد تلته انفجارات أكثر قرباً والتي جميعها تستهدف أماكن تواجد المسلحين وتجمعاتهم، وهكذا توالت الانفجارات، حتى صارت القذائف بكل أنواعها ومسمياتها، تتقاطع فوق رؤوسهم، وبشكل جلي صاروا يسمعون قرقعة البنادق وأزيز الرصاص.
ولكي تهدئ من روع الأطفال المتشبثين بأسمالها، طلبت منهم أن يلتزموا الصمت، ويأخذوا وضع الانبطاح!
لكن الذي أطاح بمعنوياتها، وزلزل كيانها، وجعلها تخرج عن صمتها وتصرخ، هو الانفجار الأقرب إلى دارها، والذي لا يبعد سوى بضعة أمتار، حتى أن الوميض والركام المصاحب للعصف كاد أن يخطف أبصارهم ويطمر أجسادهم!
وما أن انتهت سورة السعال والنشيج والتقيؤ، بخطى متعثرة وركب مرتجفة، يممت وجهها صوب النافدة. وقفت على رؤوس أصابعها، واشرأبت بعنقها.
أم حسين… يا أم حسين… أم حسين… أم……
أجابها الركام والحجر المتناثر بصمته المرعب، أن لا أم حسين.. لكن لماذا؟!
هل كانت تأوي مسلحين في دارها، أم أن قذيفة طائشة قد أخذت طريقها إلى الدار عن طريق الخطأ؟ تساءلت!
للحظات بقت متسمرة في مكانها، لم يمنعها الصراخ وأصوات الاستغاثة التي تنطلق من الحناجر المبحوحة للأطفال، من أن ترخي العنان لأفكارها إلى حيث أم حسين تلك الجارة المشاكسة التي أتت على جميع قطط الحارة كي تطعم أطفالها، المخلوقة تقول إنها مجرد فرية، لكن الذي أذكى تلك الفرية وجعلها تبدو حقيقة، في الوقت الذي كانت فيه قطط الحارة في تناقص مستمر، الأطفال وهم ينبشون في أكوام القمامة القريبة من دارها، في كثير من الأحيان كانوا يعثرون على المخالب ورؤوس القطط المتعفنة!
وهي تسعل في راحة يدها وتنشج، تراجعت من أمام النافذة لتنضم إلى أطفالها..
ناجية، رغم جهلها لتضاريس السياسة وتعقيداتها، لم تكن بحاجة إلى من يخبرها أن كل الذي جرى ويجري هي معركة الحياة ضد الموت، الموت الذي فرضه الغرباء وصاروا يمارسونه بسادية مفرطة!
وهي تشحذ المتبقي من أفكارها، أيقنت أن ليس هناك حل سحري يمكن أن ينقذها مما هي فيه، وأن الحركات الاعتباطية والذهاب والإياب بين أربعة جدران لا تأتي بحل، والدموع التي تنثر غي الظلام لا طائل منها.
على حين فجأة، قدحت في ذهنها فكرة الهروب، نعم الهروب، إما أن نهرب أو نهرب، وإلا فالموت آتٍ لا مجال.
وهي تبحلق في الظلام وترنوا ببصرها إلى موضع صورة لنائب ضابط، كانت مثبتة على الجدار قبل أن تسقط ويتحطم زجاجها: آه لو انك لم تزل على قيد الحياة، وحدك القادر على أن تضطلع بمثل هكذا قرارات صعبة، ولأنها في وضع لا مكان فيه للآهات، على عجالة كورت طفلها الصغير على ظهرها في (بالطو) قديم، وضعته على ظهرها، ومن ثم سحبت الطفلين الآخرين من معصميهما، وخرجت
وهي تتلمس طريقها بين الأزقة والركام، من خلال الوميض المصاحب لكل انفجار والذي سرعان ما يتلاشى في غواش الظلمة، أو من خلال النور الذي ترسل به قنابر التنوير وهي تتأرجح بين السماء والأرض، بكل وضوح، كان باستطاعتها أن ترى بعض المسلحين المتمنطقين بأحزمة الرصاص، وربما الأحزمة الناسفة، والبعض منهم يحملون القاذفات على أكتافهم، وهم يتنقلون بشكل عشوائي ومرتبك بين فناءات الدور والأسطح، كانوا بمزاج لا يسمح لهم أن يعترضوا طريق أحد.
ورغم أنها لم تعد بحاجة إلى أن تطمئن على صحة قرارها من عدمه، صارت تشعر بالرضا، عندما وجدت أن ثمة عوائل تستقوي ببعضها وتروم الهروب، تتقاطر من هذا الزقاق أو ذاك، تغذ السير، وتتوارى عن أنظار المسلحين في ظلال الجدران المعتمة، والأطفال العالقين على صدور أمهاتهم، والمسنين العاجزين عن جرجرة خطاهم والذين يجدون أنفسهم أكثر أحقية بظهور أبناءهم من الأحفاد، أو الأجساد الآدمية الهزيلة الممددة في عربات الدفع، أو تلك التي تتأرجح في النعوش على أكتاف الرجال.
اطمأنت على سلامة قرارها وهي تشحذ همم أطفالها ليعجلوا في المسير، عند كل انفجار قريب كانت تتمدد على الأرض، ومن ثم تنهض لتواصل المسير، لكن الانفجار الأكثر قرباً والأكثر رعباً ذاك الذي حدث أثناء مرورهم من خلال أحد الممرات الحرجة، وعلى الرغم من أن العصف كان قد طوح بكثير من الأجساد الآدمية، من بين الركام وأصوات الاستغاثة والأنين، وهي تشد على معصمي طفليها، بصعوبة بالغة استطاعت أن تنهض.
عند آخر ساتر ترابي كان قد ضرب حول المدينة، بكل عريها استقبلتها الصحراء ببردها المتوحش، ولكي تصل إلى المرتفعات التي تبدو خارج السيطرة بالنسبة للمسلحين، عليها أن توسع الخطى لتلتحق بالفارين ممن سبقوها، لم يكن الطريق بعيداً، لكنه بالنسبة لها بعيد جداً، إلى درجة أنها لم تستطع أن تلجم لهاثها، وكادت أن تسقط من طولها أكثر من مرة، ورغم أنها لم تبرح دائرة الخطر بعد، حاولت أن تعطي لنفسها هنيهة من الوقت كي تلتقط أنفاسها قبل أن تواصل المسير، كانت صدمتها عظيمة، وشعورها لا يوصف، عندما وجدت أن شدة العصف والشظايا الملتهبة قد اختطفت جسد طفلها من جهة اليسار ولم تبق إلا على اليد اليمنى، بفعل الدم المنعقد، عالقة في يدها!
رائع جداً … سلمت أناملك وهي تسطر جانباً من مأساة إنسانية من أرض الواقع بتفاصيل عظيمة البلاغة والإتقان .
إعجابإعجاب