صبحي السلماني
اللوحة: الفنان السويسري فرديناند هودلر
ليس بمقدوره أن يقفز إلى مهنة أخرى توفر له قدرًا أكبر من الاحترام.
على خُطى أبيه وجده، لا يضع مسماراً في حذوة ولا خيط في إبرة قبل أن ينتهي من عزف سيمفونية الصباح بالمطرقة وهو ينقر على السندان، على إيقاع (طق.. ططق طق) يرقص، ومن فوق إلى تحت يهز بدنه.
وأما عن المساء، فللمساء طقطقته ورقصه وهزّه، وإيقاعه المتباطئ وحركته الوئيدة (ططق طق.. ططق طق).
كان ذلك أيام زمان، عندما كانت الأحذية تُمسح بأطراف الرداء إذا ما أصابها بلل!
عزير الحذاء، عندما وجد أن صنعته قد بارت، وأن الدكان الذي كان في يوم ما لا يتسع للزبائن بين ليلة وضحاها قد تحول إلى ماخور، تقصده القطط لممارسة الدعارة، حمل نفسه وزوجته وشيئا من ذكرياته القديمة، ميمماً وجهه صوب القرية التي تنحدر منها أصوله.
لم تشفع له درجة القربى، والتي لا أحد يعرف جذورها على وجه الدقة، من أن يوضع في دائرة الشك والريبة، هكذا هم سكان القرى يتوجسون ريبةً من كل غريب!
ما مصلحة حذّاء يهجر المدينة ويأتي إلى قرية خاوية، إلا أن يكون مطلوباً للعدالة، أو يعمل لمصلحة جهة أجنبية؟!
ولكي لا يتسنى له تنقيط عنابر التبن وقنن الدجاج ومرابط الحمير، على مشارف القرية، منّوا عليه بغرفة منفردة لا تصلح إلا أن تكون حضيرة للبهائم، أفرد نصفها للمعيشة والمنام، وفي النصف الآخر من جهة الباب الذي يفضي إلى الخارج، وضع الكرسي والطاولة وماكنة الخياطة، إضافةً إلى المطرقة والسندان. وعلى الجدران المتهالكة ثبت بعض الأزواج من الأحذية النادرة، وزوجا من (القباقيب) الخشبية، وفردة حذاء عملاقة مُهداة من شركة (باتا) لصناعة الجلود.
سكان القرية، بعد أن اطمأنوا إلى جانبه، لم يجدوا ما يمنعهم من التواصل معه، وهو بدوره لم يمنع نفسه من أن يشبك يديه خلف ظهره، ويجرجر خطاه نحوهم، ليستمع في كل مرة إلى ذات الاسطوانة العتيقة التي تحكي بطولات الآباء والأجداد، وعلى الرغم من أنه قد أُتخم من تلك القصص حد التجشؤ، بالنسبة له، لم تكن أكثر سوءً من معاقرة الصمت.
لم يكن في حوزة جدي، يقول أحدهم، إلا يد مسحاة حين هجم على (سُبيرة) للأتراك واستطاع لوحده أن يجردهم من جميع بنادق (العصملي) التي كانت في حوزتهم.
ويضيف آخر: كان جدي ينصب الكمائن ل (شخاتير) الجند الآتية من تركيا عبر النهر يقيد أصحابها أو يقتلهم، ويستولي على ما في داخلها من ذخيرة ومؤن.
وأما الحديث عن مقارعة الإنكليز، يووووه حدث ولا حرج..!
وهو يصغي إلى تلك القصص التي تحكي بطولات السلف الصالح والمجردة من الهزائم (والخوازيق)، لم يجد ما يمنعه من استعراض مآثر أبيه وجده: جدي، كان يعمل سائسا، ليس أي سائس، بل سائس لخيل حريم السلطان، وقد أهله هذا المنصب، لأن يكون محط احترام السلطان ذاته وجميع الباشوات!
وأما عن أبي، فهو غني عن التعريف، من منكم لم يسمع بأبي عزيز (القندرجي)، الذي أنيطت له مهمة عمل الحذوات لبغال الجند التي تجر المدافع، وتحمل الأثقال، وعندما تم الاستغناء عن خدماته، صار يعمل (قندرجي) لحسابه الخاص، وكان له الشرف في وضع أول حذوة حديد في كعب (قندرة) الملك!
وإذا ما وجد الأجواء مناسبة والآذان صاغية، لا يتوقف قبل أن يعرج على إنجازاته.. عندما كان المسؤول، مها كبر منصبه وعلا مقامه، لا يمتلك إلا زوجا أو زوجين من الأحذية، لا يكاد يمر يوم دون أن أتشرف بزيارة أحدهم، أرتق له حذاءه وأُلمعه بالدهان.
ولأنه هو الآخر كان قد أصيب بحمى التكرار وهوس التجرر، في كل مرة كان يحرص أن يختتم حديثه _ والمجالس أمانات _ بقصة ذاك المسؤول الذي يتسلل خلسةً إلى الدكان، لتحوير حذاء يتناسب وقدمه اليسرى ذات الستة أصابع. وبسبب هذا التحوير تم تكريمه بماكنة خياطة نوع (سنجر) ومبلغ محترم من المال.
ذات مساء، ربما بسبب الإيقاع اللامنضبط لشخير زوجته، والتي لا يفصلها عنه سوى رقعة بساط، وربما بلا سبب، رغم السهاد، لم يجد أفضل من مراودة الصحف العتيقة بديلاً عن الكرى.
في صفحة غرائب وعجائب، لفت انتباهه خبر يتحدث عن القضاء الذي ألزم إحدى الشركات العالمية التي اعتمدت الأسلوب الحديث للإنتاج، بدفع تعويضات إلى كافة العاملين الذين تم تسريحهم.!
وكمن اهتدى إلى ضالته، ألقى بالجريدة جانباً، وصار يحدث نفسه ويتساءل: أين كنت عن هذا الخبر؟! لماذا لم أهتد إليه من قبل؟!
أليس من حقنا كشريحة متضررة أن نرفع دعوى ضد الشركات المتخصصة بصناعة الأحذية؟! أليست هي من استغنت عن الجلود الطبيعية والمسامير والحذوات، وصارت تعتمد في إنتاجها على الجلود الاصطناعية والإسفنج والمطاط، وصارت تبيع الأحذية بأسعار زهيدة لا تتناسب وكلفة ترتيقها إذا ما أصابها عطب! أليست هي السبب في كساد صنعتنا؟! أليست هي السبب في ضياعنا؟ أليست أليست.!
وهو يصل إلى ذرة انفعاله، كور قبضة يده المرتعشة وصار يضرب بها على الطاولة، وربما لأن الموقف لا يتطلب مزيدا من الانفعال بقدر ما يحتاج إلى سيجارة وشيء من الهدوء، وضع يده على صدغه وبدأ يفكر: نعم نعم وجدتها!
تلك الشركة التي تعود لجزر الواق واق، لا أعرف ما اسمها، لكن ليس مهما، سوف أهتدى إليه فيما بعد!
ولكي ينتهي من رسم الخطة في مخيلته ومستلزمات النجاح، وجد أنه بحاجة إلى عشرة حذائين على أقل تقدير: عشرة حذائين، بكامل عدتهم وعلى إيقاع (طق ططق طقطق.. ططق طق) ينقرون أمام الملحقية التجارية لتلك الجزر، كافيه لأن تزلزل الأرض من تحت أقدام الملحق التجاري والعاملين معه.
اقتنع بالفكرة أو كاد، إلا أن هواجسه التي لا تنتهي هي التي لا تريد له أن يقتنع.
لكن، ماذا سوف يحدث لو أن مثل هذا التصرف قد استفز الملحق التجاري؟ هل سيعمل على لملمة الموضوع و(يا دار ما دخلك شر)، أم انه سيخطر بلاده؟ وإذا ما أخطر بلاده، هل سيؤدي ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟
ولأن الحروب في كثير من الأحيان قد تنشب بلا سبب، هل يكفي هذا السبب لنشوب حرب بين بلادنا وجزر الواق واق؟ وإذا ما نشبت الحرب، هل نقدر على مقارعة جيوشهم، إذا ما جاءت من خلف البحار وهي توقوق؟!
لا لا! أنا أكره الحروب، ولا أريد أن أكون سبباً في إضرامها!
وهو يتوجه بالشتائم المصحوبة بالبصاق إلى الحروب والمطبلين لها، كان يعرف بأن بصاقه لن يبرح ذقنه، وشتائمه لم تصل حتى إلى مسامع زوجته، التي يكون ضجيج شخيرها وهي نائمــة، ليس أقل من ضجيج محرك تم تجريده من ماسورة العادم!
قبل أن يدس جسده في الفراش ليشاطر زوجته الشخير، صار مقتنعاً بأن وجوده في قرية نصفها حفاة، ليس بمقدوره أن يفعل شيئا أكثر من أن يصبح حذّاءً للحمير.!
نص رائع.
إعجابإعجاب