بطّاح 

بطّاح 

صبحي السلماني

اللوحة: الفنانة الهولندية هنرييت رونر

لم تغب عن عيني يوماً صور الرئيس ولا الشعارات التي تحكي قصص الصمود والبطولات للجيش الذي لا يقهر… في البيت، في المدرسة، على الطرقات، في كل مكان وأنا الذي لازلت أراوح بين السادسة من عمري والسابعة، كيف لي أن أصدق أن بلداً عظيماً مثل بلدي ينهار بهذه السرعة، وأن الجيش الذي لا يقهر بين ليلةٍ وضحاها تتفكك عراه َويصبح في خبر كان؟

 قالوا لنا إنها مجرد إشاعات يطلقها الطابور الخامس.. الطابور الخامس؟ من يكون الطابور الخامس هذا؟ وما مصلحته من إطلاق مثل هكذا اشاعات؟ ولأنني لم أجد الجواب الشافي من رفقتي صرت اعتقد بأن أبي هو الأجدر بالإجابة. أبي؟ أبي كان بمزاج لا يسمح له ان يكلم أحدا، كل الذي قاله وهو يسند ماسورة بندقيته إلى الحائط ويشرع بخلع بدلة الكاكي المعفرة بغبار المعركة عن جسده: شيء مؤسف أن يتخلَ المرء عن سلاحه بهذه الطريقة المهينة…. قالها بغصةحينها فقط صرت متيقناً أن ما أتى إليه الطابور الخامس ليس مجرد اشاعات بل هي الحقيقة بعينها ليلتها لم يأخذني بالحضن، ولم تجف دموع امي، وبطّاح لم يهز ذيله جذلاً ولم يتلو تحت أقدامه

بعد بضعة ايام من الترقب والتوجس تبخرت خلالها صور الرئيس وذابت جميع الشعارات، وبدلاً عن الطائرات المقاتلة التي لا يسمع إلا دويها، جاءت الطائرات السمتية التي تراود الاسطح وذرا الاشجار لمعالجة الأهداف الطارئة وتقديم الاسناد للقطعات البرية التي اقتحمت قريتنا، وصرنا نسمع عن ثكنات تُشيد، ونقاط تفتيش تُنصب، وكلاب بوليسية تتحرى، ودوريات ليس مثلها من يحسن تطبيق نظرية الصدمة والرعب تَعتقل، وعن مجندات جميلات يقتفين المدافع الرشاشة على ظهور الدبابات، ولفرط جمالهن صار بعض المراهقين على سبيل التهكم يتمنون الموت على يد احداهن. وفي المقابل ثمة قطعات أخرى أخذت على عاتقها مهمة التواصل ومد الجسور مع بعض الشخوص وتوزيع الاطعمة المعلبة والهدايا على الأطفال، وعلى الرغم من تحذيرات ابي المستمرة بعدم الاقتراب من تلك القطعات الغازية، حين وجدت رفقتي يتحلقون حول إحدى عجلات (الهامري) ويستلمون هداياهم، لم أستطع مقاومة الاغراء الذي تشكله تلك الهدايا، وَضعت كل الوصايا والتحذيرات خلف ظهري والتحقت برفقتي، وكان نصيبي من تلك الهدايا بندقية (M16) مصنوعة من مادة البلاستك، بتواطؤ من والدتي استطعت ان اخفيها بضعة ايام قبل ان يعثر عليها والدي ويفكك اجزاءها على ظهري، ولولا تدخل والدتي لذهبت الأمور إلى أبعد من ذلكاياك… اياك، ان تفعلها ثانيةًهكذا كانت تسير الأمور في البداية. لكن التأريخ المعني بأمور الشعوب المغلوبة على امرها وهو يتحدث عن المتلازمة بين الاحتلال والمقاومة ابى إلا أن يعيد نفسه، انبثقت المقاومة واخذت على عاتقها شن الهجمات ونصب الكمائن وزرع العبوات على الطرقات التي تسلكها تلك القطعات، الأمر الذي اجبرها إلى اعادة الانتشار وتغيير الطرق بشكل دورياما عنا نحن الصبية ف(الولد على سر ابيه) كما يقولون، رغم انني غير متأكد من ان البندقية التي طمرها والدي مع الصافرة المعدنية والكونية العسكرية في باحة الدار قد برحت مثواها ام لا، لكن الذي انا متأكد منه ان هوى والدي كان مع المقاومةهم يدافعون عن الوطن، والدفاع عن الوطن حق مشروع ومقر من قبل جميع الشرائع والقوانين الدولية… هكذا يكون رده على المهادنين والمتخاذلين في كل محفلوبصفتي ابن مقاوم مع وقف التنفيذ، صار مسموح لي أن اجلس مع أبناء المقاومين، اصغي لما يروونه من قصص ربما تكون حقيقية عن مآثر وبطولات آباءهم، ويصغون إلى ما أرويه لهم من نسج الخيال قصص وبطولات ابي التي لا وجود لها على أرض الواقع. وفي كل مرة كنت احرص ان تكون قصتي هي الأكثر اثارة من بين جميع القصص والدك أعطب دبابة؟ والدي أعطب دبابتينوالدك أسقط طائرة؟ والدي أسقط طائرتينوهكذا… واما عن بطّاح الحاضر الغائب والذي لم نعد نراه الا في مناسبات قليلة، بعد ان خيم الفقر والبؤس على قريتنا خفّت قوائمه، وعرف الطريق إلى واحدة من أكثر الثكنات قرباً إلى قريتنا، يدور حول الأسلاك الشائكة من الخارج ويتحرى عن بقايا الاطعمة والفضلات في براميل القمامة، وبدت آثار النعمة واضحة بشكل جلي على هيئته، الأمر الذي جعله يتنمر على كلاب القرية الهزيلة اجسادها، وحتى نحن صرنا نتوجس ريبة منه إذا ما حضر. وإذا ما خاب ظني اكاد أجزم بأن ثمة تفاهمات قد جرت بينه وبين الكلاب البوليسية من خلف الأسلاك الشائكةذات فجر استيقظنا فزعين على دوى طائرتين سمتيتين تحلقان على ارتفاع منخفض وضجيج آليات مدرعة تزحف صوبنا

اقتحم الجنود المدججون بشتى أنواع الأسلحة دارنا، سحبوا والدي بعنف إلى فناء الدار وطرحوه ارضاً بعد أن قيدوا يديه إلى الخلف، وبطريقة وحشية ومستفزة صاروا ومعهم كلابهم البوليسية التي أدخلت الرعب في نفوسنا يبعثرون ويفتشون في كل شيء، وعلى الرغم من انني لا أعرف عن ماذا يفتشون، لكنهم على ما يبدو لم يعثروا على الشيء الذي يتحرون عنه بعد. اوصدوا الباب خلفهم بعنف، وبقينا انا ووالدتي داخل الحجرة نسترق النظر من ثقب المفتاح. وبنفس الطريقة فتشوا باحة الدار وما حولها، وحين لم يعثروا على شيء، كان من الممكن أن ينسحبوا لولا ظهور بطّاح لم يشكل ظهوره اية مفاجأة بالنسبة لهم، على العكس ربما كانوا في انتظاره، تبعته الكلاب البوليسية إلى حيث وقف، ومن خلال الايماءات والاشارات الكلبية المشفرة اهتدى الجنود إلى المخبأ، وتوصلوا إلى الأشياء التي لا تعني الكثير بالنسبة لهم، وإلا ما معنى ان تمزق الكونية العسكرية التي تختزل التاريخ العسكري لأبي الى نتف صغيرة، وتسحق بندقيته التي تمثل الشرف العسكري تحت سرفة احدى آلياتهم، ويسمحوا لكلابهم البوليسية ان تلهوا بالصافرة المعدنية وتتجاذب أطراف الخيط المربوط في نهايتها قبل أن يقذفوا به في الحوض الخلفي لأحدى العجلات، لوى عنقه والقى نظرة على باب الدار نظرة لم أعرف مغزاها، هل هي نظرة وداع؟هل هي نظرة عتاب؟ ليلتها كنا ثلاثة انا وأبي وثالثنا بطاح، ولان المنطق لا يجيز لأحد أن يضع كلبا مشهودا له بالوفاء ضمن دائرة الشك، اكيد سوف تتجه نحوي بوصلة الاتهام. 

انسحبت الدورية بآلياتها وجنودها وكلابها، وبانسحابها صار من حقنا انا وأمي ان نكسر القيد ونخرج. 

وعلى الرغم من أن الكلب قد أدى المهمة التي تم تجنيده من أجلها على أكمل وجه، لكنه لم يحظ بقدر من الاحترام يجيز له مصاحبة كلابهم والركوب في واحدة من تلك العجلات، ولكي ينال الجائزة التي يستحقها بعد نجاح المهمة، والتي ربما تكون عظمة او علبة سردين فاسدة او شيئا من هذا القبيل ويهيء نفسه لمهمة أخرى، لحقهم جرياً غير مكترث للعجيج والضجيج الناجمين عن سرف ومواسير الآليات المنسحبة، ولا آبه للعار الذي لحق بالمنضومة الكلبية المشهود لها بالوفاء.

بعد بضعة سنين، اي بعد عودة ابي من سجن (بوكا) وانسحاب القطعات إلى خارج حدود القرية وتخليها عن بطّاح، التقيته صدفةً وحين رآني نكس خطمه إلى الأرض وسبل ذيله بين قائمتيه وهمَّ بالانصراف، وهممت بقتله لولا تدخل ابي

لا تقتل الكلب يا ولد.

لكنه خائن، وهل جزاء الخيانة إلا القتل.

بطّاح ليس خائناً، هذا ما قاله لي أحد المعتقلين في سجن (بوكا)، ولدواعٍ أمنية اخفيت عنك هذه المعلومة، والآن وقد انسحبت قواتهم إلى ما وراء حدود قريتنا، يجب أن تعرف ان بطّاح ما كان ليشي بي لو كنت مقاوماً بالمعنى الحقيقي للمقاومة، وإلا ما معنى أن تبقَ البندقية التي اخفيتها بحضوره كل تلك المدة دون أن تخرج من مخبأها، هو لم يشِ بي إلا ليكسب ثقتهم ويزداد منهم قرباً

صمت قليلاً ثم اضاف: هل تعلم بأن بطّاح بطريقته الخاصة كان يُنْبئ المقاومين بأوقات خروج الدوريات واماكن تواجد الكمائن، ولولاه لما استطاع المقاومون من حفر الخندق ويذهبوا به إلى ما وراء الأسلاك الشائكة، وتكبيد العدو خسائر فادحة

-لا تقل لي انه كان يعمل معهم بالمجرفة والمعول؟

-لا… لا… الأمر ليس كذلك: أثناء العمل كان يستفز كلاب القرية أو يغريها كي تتبعه إلى نقاط الحراسة القريبة من مسار الخندق ويفتعل معها العراك، ولأن تلك الهواية متجذرة في عقول بعض الجنود، يلقون اسلحتهم جانباً ويتابعونها باهتمام شديد

كانت هذه شهادة ابي بحق بطّاح، وبغض النظر عن مدى صحتها صرت أفكر بتقديم اعتذاري له!

رأي واحد على “بطّاح 

  1. واقع عشناه جسدته أناملك الذهبية بكل حرفية وواقعية واكتملت الصورة من خلال جدلية الوفاء والخيانة لتفتح ذهن المتلقي على ذلك الجانب الغامض للعلاقة بين المحتل والعميل بأسلوب شيق وطريف … دمت بخير ودام نبض قلمك المبدع.

    إعجاب

اترك تعليقًا على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.