درس التشريح

درس التشريح

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الهولندي رامبرانت

كان يختال بكامل ثقله ذات اليمين وذات اليسار، فتأتي خطواته مترنّحة وكأنه سكّير سامر كؤوس العرق تحت ضوء القمر إلى أن فجأهُ ضوء الشمس فعثّر خطواته.

ولكن تضعضع خطواته لم يكن ليكسر حدّة نظراته الثّاقبة التّي كان يوزّعها في محيطٍ دائريٍّ كاشفًا كلّ حركة مريبة تعكّر صفاء محيط المبنى، فيدبّب أذنيه ويرفع منكبيه متلفّتًا عند كل صوت مريبٍ فيشرئبُّ عنقه فتخاله كلبَ حراسةٍ، متمرّسٌ، غريبَ الشكل وليس مجرّد قطٍّ فارسيٍّ يعيش في نعيم كرم سيّدته العجوز. 

  •  عنتر! وينك يا عنتر!
  • –        شو؟ اليوم آخر يوم عنّا؟ إن شالله تكونوا امبسطّوا! شو؟ حاضرين للإمتحان؟ إن شالله بتتوفّقوا.

تقدمت القيّمة على المشرحة بجسدها القصير المستدير يرافقها عنتر الذي يكاد يضاهيها حجمًا، فيقف معترضًا بينها وبين باب المشرحة الحديديّ القديم.

 كانوا قد اعتادوا رفقة هذه السّيّدة منذ أن بدؤوا دروس التّشريح منتصف السنة الثّانية في كلّيّة العلوم الطّبيّة في الجامعة الوطنيّة. كانت أوّل من استقبلهم في ذلك المستشفى، فهي كانت تحمل مفاتيح تلك القاعة التي ستبقى طويلًا في ذاكرتهم.

كان ذلك الفصل الثاني من العام الجامعيّ، تم حينها فصلهم إلى مجموعتين، الأولى تتلقى الدّروس يومي الإثنين والأربعاء والثّانية يومي الثّلاثاء والخميس

كان هو في المجموعة الثّانية، كان يفضِّل تلك المجموعة بحكم أنه لم يكن عليهم أن يهرعوا إلى المستشفى الحكومي في بعبدا بعد الفحص الأسبوعي في مبنى الجامعة في الدكوانة صباح يوم الإثنين. 

حينها لم تكن الجامعة اللبنانية قد لبست حلتها البهيّة بعد في المجمّع الجامعيّ في الحدث. 

حينها كانت مختلف الكليات لا زالت متفرّقةً متطايرةً بين مختلف المدن الرئيسيَّة ومختلف أجزاء العاصمة. 

كان تعريف الفرع الأول والفرع الثّاني لا زال يحمل صبغة الحرب الطّائفيّة التّي لم تمضِ بعد بضع سنواتٍ على نهايتها. كل الكليّات كانت لا تزال متفرّعةً متفرّقةً، ما عدا كليّة العلوم الطّبيّة التي تمّ توحيد فرعيها في ذلك العام، فوجد الطّلاب أنفسهم في مختبرٍ اجتماعيٍّ يفوق دراسة الطّبّ صعوبةً وأهميّةً.

كانت كلّيّة العلوم الطّبيّة في الجامعة الوطنيّة تحمل ترف كونها الجامعة التي يحتاج أن يعادل طلّاب سائر الجامعات شهادتهم بشهادتها. وإضافة إلى ذلك كانت الجامعة الوحيدة التي تعطي مادّة التّشريح البشرّي بشكل مباشر وتطبيقيّ.

لم يكونوا يعرفون معنى هذه الميزة الأخيرة ورهبتها قبل يوم الدّرس الأوّل في المستشفى الحكومي في بعبدا. 

وصلوا يومها صباحًا إلى المستشفى يحمل كل منهم علبة التّشريح الجديدة ويختال بمريوله الأبيض أمام المستشفى التي دخلوها للمرة الأولى بصفةٍ رسميَّةٍ. كان ظلّ غرور طلّاب السَّنة الثَّانية يمتدّ بعيدًا طويلًا خلفهم وهم ينتظرون بداية الدّرس. 

ولكن لحظات الكبرياء لم تطُل واختفت ظلالهم في عتمة المشرحة التي ساقتهم إليها تلك السّيّدة يتقدمّها عنتر لتفتح لهم الأبواب على عتمة المجهول. 

تهيّبوا ودخلوا بصمتٍ، فهناك تسكن المعرفة بجوار السّكون. 

ما إن فتحت الباب حتى عصفت بهم رائحة الفورمول القويّة فبانت أمائر الغثيان على العديد منهم بينما تجالد الآخرون وأكملوا مسيرتهم بخطواتٍ واثقة نحو المعركة. 

غرفة المشرحة تحت الأرض معتمةٌ، فيها بصيص نورٍ خافتٍ يستحيل عليه السّطوع. 

في وسط القاعة استوت جثّتان محنّطتان بالفورمول وهبتهما الدولة للطّلّاب لإجراء الدّراسة عليهما. جثة لرجلٍ وأخرى لامرأة. كلاهما بهت لونهما وجفّفت المواد الكيميائية أنسجتهما. 

 وقفوا للمرّة الأولى أمام أجساد بشريّة فارقتها الحياة ولم ترحل.

كان صمت الطّلاب وخيمًا، هومن الرّهبة أومن الخوف أومن الضّياع، كلُّ طالب كانت له معاناته الخاصة.

كان درسهم عبارة عن تشريح جسد بشريّ يشبه أجسادهم بتكوينها ومحتوياتها. كلّ طبقةٍ كان ينزعها الأستاذ المحاضر كانت تشبه طبقة من أجسادهم. كانوا يشاركون في قطع تلك الأجساد ومع كل ضربة مبضعٍ كانت تتطاير بضعة أجزاءٍ من أحاسيسهم ومشاعرهم.

اشتاق يومها إلى براءة الكتاب وبهاء ألوان صفحاته، اشتاق إلى نصٍّ طويلٍ يستلزم إجهاد مخيِّلته لاستنباط كنهه. هنا لم يكن هناك من مكان للخيال هنا كان وجها لوجه مع الحقيقة، أمام علمٍ يستلزم جَلَدَ الوقوف أمام الإنسانيّة بأبعادها الفيزيائيَّة والزَّمنية، كان عليه أن يتعلَّم من الموت كيف يحافظ على الحياة.

كان اكتشاف أعضاء الجسد البشري بشكلها الحاليّ بمثابة مسيرة جلجلةٍ لهم في بداية طريق العلم. لربّما كان ذلك الدّرس أقلَّ عنفًا لو تلقّنوه مشاهَدَةً في غرف العمليَّات الجراحيّة، ولكنّ حينها ليس من متّسعٍ من الوقت لإتقان بَواطِن الأمور.

قلّما كان الطّلّاب يتناقشون بمحتوى تلك السّاعات التعليميّة، الفحص المكتوب كان شبيهًا بسواه من الامتحانات، فالدراسة النّظريّة تفوق التّطبيق سهولةً وسلاسةً في كافَّة المجالات، إذ يستحيل عليك أن تؤذي الحبر والورق، أمّا اليوم فالفحص الشّفهيّ لم يكن على ورقة ولم يكن باستخدام القلم.

  • زيح شوي يا عنتر لإفتح الباب للدكاترة، قالتها وهي تدفع القطّ الملتصق بها وبباب المشرحة، إن شالله بتتوفّقوا يا صبايا ويا شباب. 

 أدارت المفتاح في الثقب الأسود الصّغير ودفعت بالباب الحديديّ، فتعالى صريره الحادّ وبان خلفه الفضاء الأسود الذي يحتوي على تفاصيل المغامرة الأخيرة في ذلك المكان.

سبقهم الأساتذة الثلاث إلى الداخل حاملين لوائح أسماء الطلاب، فتبادلوا جميعهم النّظرات المتضعضعة متسائلين من الذي سيدخل أوّلًا؟.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s