صاحبة الشعلة

صاحبة الشعلة

فردوس عبد الرحمن

اللوحة: الفنان الإسباني خوان ميرو

حلم اليقظة هو الذاكرة البعيدة ودروب الحياة الأكثر قدماً

                                                     جاستون باشلار

كانت أولى ملامح التغيير لديّ هو الكف عن الشكوى. بدأت هذا قبل أن ألتقي معلمي الروحي والذي أخبرني أن التشكي والنحيب هو إجهاض لخبرة الألم التي يعيشها الإنسان، تلك الخبرة التي تدعم بنيانه وتؤكد وجوده الحي.

أخطر ما تقابل في الوجود هو صديق متألم مثلك، تبدآن في طرح آلامكما على بعضكما لتكونا شبيهين، لتأنسا لبعضكما في هذا الوجود الشاسع ويتغذىّ كل منكما على آلام الآخر، لتظلا على الصخرة الباكية الوحيدة.

ظللت هكذا سنوات أبحث عن المتألمين ويبحثون عني فلا أرى غير وحشتي وفراغي فينحجب العالم في كل مرة، لذلك لامني الطبيب حين التقيت شبيهتي ظنًا منه أننا سوف نتغذىّ على آلام بعضنا ونختبيء من العالم مجددًا، لكني كنت قد تغيرت بالفعل فلم أبثها شكواي ولم تعرف عني الكثير إلاّ من إبداعي الشعري فيما بعد.

إنه الصمت المقدس، شعلة الحياة التي بزغت حين وجدتها، حين صادفتها على المقهى فذكّرتنى بوجودي.

تلك الشعلة التي لم أرد إطفاءها بنفخة من الهواء تخرج من فمي إذا أنا تكلمت. 

هذه الألفة التي شعرت بها حين جلست معها على المقهى، نفسي التي أعرفها وكنت قد أنكرتها في لحظات تحولي، ذلك العالم القديم الذي استيقظ معها، كان سببًا في انبثاق إبداعي الشعري مرة أخرى.

أول قصيدة كتبتها في ديواني (قدم متسخ) كانت بعنوان (وقع قلبها على الرمل) وكانت لها. تلك الشبيهة التي أوقدت الشعلة وذكّرتني بدروب قديمة مشيتها، القديم لديك هو ما يشعل الحياة ويدفئك.

يقول باشلار:  إن الشعلة التي يراها راء هي حقيقة شبحية تستدعي إعلان الكلام. كانت صاحبة الشعلة حقيقة تستدعي إعلان الكلام، لذلك تدفق إبداعي الشعري نثرًا ساطعًا. لم أكتب في حياتي بهذا الوضوح إلاّ بعد إيقاد تلك الشعلة ومادامت الشعلة قد أضاءت فأنا واقفة على الأرض مع الحطب والخشب والأوراق، فلا ضوء إلاّ من مادة داكنة ومعتمة وفانية، لذلك تشبثت بمكاني وأسميت ديواني “قدم متسخ” متسخ بكل ما هو داكن ومحترق.

ظلت شبيهتي حافية وناصعة ومعلقة في الفضاء وظللت أنا في الدكنة والعرق أستلهم شعريتي من تلك النصاعة، فأمام الشعلة البيضاء كما يرى (باشلار) تستطيع أن تحلم بالعالم، تتدفق أحلام يقظتك والتي هي مصنع الشعر.

لأجلها كتبت عن المثاليين والرومانسيين الأنقياء الضائعين في هذا الوجود، حاولت إشعارها أن هذا الضوء الذي تكونه سوف يذيبها كشمعة، وكنت أطفئها أحيانًا أثناء حواراتنا، فتغضب مني.

 أود أن أطيل عمر الشمعة فأطفئها أحيانًا كي لا تذهب سريعًا.

لماذا هذه الصديقة بالذات هي التي أوقدت شعلة الحياة بداخلي وأشعرتني بالألفة تجاه العالم؟

كنت قابلت الرجل الذي من لحم ودم فلم يشعرني بألفة الحياة، حاولت العودة لصاحب الشروط فلم أستطع، عدا تلك الشبيهة التي صادفتها على المقهى، تنشقت الألفة وأنا جالسة على الكرسي بجوارها وبالرغم من أنها كانت هاربة من حكاية لا تشبهني إلاّ أنني أدركت أن الروح التي تحملها هي التي غادرتني وتركتني أنتحب على الصخرة الزلقة وحدي.

إن انطباعات كهذه هي الخيالات التي فقدتها وأنا في مرحلة التحول، هي التصورات التي أُفرغ الكائن الجنيني منها حين ولدت نفسي، هي الدروب البعيدة والقديمة التي كنت نسيتها.

 أقف عند الباب وصورة مني معلقة على الحائط

أفتش عن ذكرى

حين تفقد ذكرى.. تحيا غريباً في أشدّ الأمكنة ألفة

وتنام غريباً على سريرك القديم

غريباً بكاملك

وها هي الشبيهة، الصورة المعلقة على جدار الزمن، على جدار وحدتي. أصادفها على المقهى، أتشبث بها، هاربة من صاحب الشروط، مولية ظهري للرجل الذي من لحم ودم، مبتعدة عن ابنتي. كنت واثقة من أن عثوري على نفسي، على ذكرى بعيدة، على أحلام يقظتي، هو الذي سيصلح الخطأ الكوني الذي وقعت فيه.

أستعيدك، أستعيدك يا صديقتي في أول لقاء لنا على المقهى، كنتِ ممتلئة بأحلام يقظتك وأنا راقدة في العزلة فانتبهت ولم أحدثك عنها كي لا أطفئ تلك الشعلة، وتركتك تحكين وتحكين كي أمتلئ بالخيالات التي فقدتها وتركتني بلا عزاء.

أدركت أن المخرج الوحيد لي الآن هو الاتصال بخيالاتك، الوقوف أمام الشعلة البيضاء التي كنتِها لي في ذلك الوقت. حكيتِ لي عن آلامك القديمة ورويت حكايتك الممتلئة بالبغض والجراح، عن أحلام يقظتك الحالية التي تشعل روحك. نعم كنتِ تضيئين كروح مشتعلة وتخيايلينني بذلك الضوء الذي حُرِمت منه تمامًا حين التصقت بالأرض.

 في أول زيارة لبيتي، قلت لي إنك متعبة، وتودين لو تنامين قليلا. كان سريري هو الذي يغذي الشعلة لديكِ، قلتِ لي إن سريري بالذات هو الذي يأخذك ويطير بكِ إلى أقصى التصورات. أدركت بعد وقت أن سريري وأشياء البيت لديّ هي ذلك الحطب الذي يضرم النار بداخلك. النار بمعناها المُحبب، النار التي هي بمعنى الضوء.

وسافرت معك ، سافرت معك في الأشياء الداكنة التي كانت تعذبني قبل أن ألتقيكِ ، على سريري القديم والذي كان يقبع في الغرفة كحجر قبل أن تنامي بجانبي عليه،على أرضية المطبخ الضيقة والتي كادت تزهق روحي قبل أن تقفي معي عليها وتحكي لي عن الحب بعد أن كنت نسيته. لم يكن الحديث عن الحب هو الذي يضيئني بالتحديد بل صوتكِ أنتِ،كينونتكِ أنتِ، نفسي القديمة التي أعرفها وكنت قد أنكرتها في مرحلة التحول.

لا أدري ماذا كنت أمثل لكِ وقتها.. لم نتكلم في هذا الموضوع من قبل، لكنني أدرك الآن أنكِ كنتِ بدايتي، وبدايتي أنا بالتحديد كانت تلك النصاعة، ذلك البياض الرائق، هذه الشفافية. أقول في قصيدة “قدم متسخ” 

أمشي على شريط أبيض

وأحياناً أرقص مع نغمة بيضاء

وأحط في نومي على بقعة بيضاء

وليس لي ظل أستريح فيه من الأبيض

كان الأبيض صديقي

تلك البداية التي مازلت أنقم عليها حتى الآن والتي جعلتني أصرخ في نفس القصيدة:

إلهي إلهي لم شبحتني

 أنا في العدم يارب فضع حجراً في روحي

تلك البداية التي أنكرتها في مرحلة تحولي ففقدت هويتي، لم أعد أستطيع التعرف على نفسي. هكذا عندما ينسى المرء ما كانه أو ينكره يفقد جذوره، يفقد قدميه ولا سبيل لمعرفة نفسه إلاّ بقبوله لماضيه، عندما رأيتكِ تعرفت على نفسي في الحال، أدركت هويتي. هل تعرفين أنني كنت لا أنطق ولا أثرثر مع أحد على المقهى حتى ظن بعض الأصدقاء أنني خرساء!! إلى أن قابلتك فوجدت الكلام يتدفق مني ويسيل على المنضدة، على أرضية المقهى دون أن أعرف عنكِ أي شئ واندهشت، اندهشت إلى الدرجة التي جعلتني أهاتفك في الصباح، وأوقظكِ من نومك دون أن أعرفك، دون أن أعرفك.

قال لي المعلم الروحي بعد ذلك بسنوات: حين يلتقي المرء بالنسخة البدائية منه تتسع روحه. لكنني أستطيع أن أوسع نظريته تلك فأقول حين يلتقي المرء بالنسخة الأولى منه، النسخة الأصلية تتسع روحه

سألني المُعلم الروحي: هل قرأتِ رواية “قواعد العشق الأربعون”؟

فأجبته: نعم 

فقال: من هو شمس التبريزي؟

قلت لا أدري.. إنه شمس التبريزي ذلك الشخص الذي ظل جلال الدين الرومي يحلم به إلى أن التقاه فاتسعت روحه وكتب شعرًا.

قال المُعلم الروحي نعم، إنه نسخته البدائية التي ما إن يلتقيها المرء ويستوعبها حتى يكبر وتنضج شخصيته، هكذا كان يوحنا المعمدان وهو يحيى في القرآن، النسخة البدائية للمسيح، إنهما الشبيهان ذوا المقولة الواحدة.

يقول الله عن يحيى في القرآن الكريم: “والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا” سورة مريم آية 13

ويقول المسيح في القرآن:” والسلام عليَ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا” سورة مريم آية 33

هكذا أنت يا صديقتى برغم اختلاف طباعنا و قناعاتنا إلا أننا نتكلم لغة واحدة، حتى أن زوجينا حين يجلسان معنا و نحن نتكلم أنا و أنت لا يفهمان ما نقوله إلا بعد الشرح و التوضيح لهما.

التعرف على أولنا هو الذي يضيء ما نحن عليه، هو الشعلة التي تجعلنا نرى.. نعم كنتِ أنتِ الشعلة التي أضاءت فرأيت. 

يرى (باشلار) أن السهر أمام قنديل، أمام شمعة يذكرنا بأنفسنا، يوجدنا مجدداً، يبدد دياجير الروح والليل.

نعم يا صديقتي، أنا التلميذة التي أدرس على ضوء قنديل أشعلته أنت بأحلامك وخيالاتك في جزيرة عزلتي.

أنت كائن مستقيم ومتصاعد كما الشعلة تمامًا.. مازلت تحلمين بالسماء،  تبددين نفسك كي تصلي إليها وأنا على الأرض، أرقبك من بعيد وأكتب عنك، أكتب لك.

معظم قصائدي في ( قدم متسخ) كانت لك، ومعظم أفكاري في هذا الكتاب عنك.

أنا شغوفة بالسماء، تائقة لموطني القديم، لذلك أتكلم عنه كثيراً وعنك بحجة أنني أحاربكما. هل لو نزلتِ ووقفتِ معي على الأرض سوف أكون شغوفة بك إلى هذا الحد؟ سوف تكونين هكذا مصدر إلهامي؟ أرسل إليك بفصول هذا الكتاب فترفضينها أحيانًا وتهملينها أحيانًا أخرى فأكتب وأكتب.. موطني القديم، الأعالي التي تسكنينها، السذاجة الكونية،  أحن إليهما بكتابة الرفض، أتشبث بهما، بالمقاومة.

هكذا يقول معلمي الروحي: إذا أردت أن تتشبث بشيء ما أو شخص ما، فقاومه وارفضه ليكون في النهاية هو أنت.

رفضت نفسي القديمة بشدة، حيث أن الأفكار والسلوكيات المثالية والإحساس بالاختلاف أودوا بي جميعًا إلى هوة العدم، رفضتها إلى الدرجة التي أوقعتها من ذاكرتي فما عدت أستطيع التعرف على نفسي لأن اللحظات الزمنية الماضية وترابطها عبر الذاكرة هو الذي يحدد هويتك كما يقول (لاشولي)

إنه إحساس مفجع ألاّ تتعرف على نفسك، ومما يزيد الفجيعة أن تلك النفس القديمة التي سقطت في الهوة الزمنية الغائبة عنك، لن تتخلّى إلى الأبد، سوف تظل تأتيك من حين لآخر في صورة شبح غائم، غير محدد الملامح لن تستطيع التعرف عليه كما حدث معي بالضبط حين كانت تأتيني الجثة الزرقاء في مرحلة تحولي، وتقبض على عنقي، تلك الطاقة البدئية التي تخشبني على البلاط وتكتم أنفاسي.

لقد اكتسى هذا الشبح باللحم والدم والعظام حين رأيت شبيهتي على المقهى، رأيت نفسي القديمة في صورة إنسانة طيبة الملامح، صورة رائقة من العقل الجميل والقلب الأجمل. عانقتها وأدركت ساعتها أني ألتئم.

نفسي يا فردوس لم تكن قبيحة كما تصورتها. إنها ذلك العقل الجميل والقلب الأجمل، لكنها كانت مجرد محنة وكان عليّ الامساك بها والعبور معها حتى لا تسقط في الغياب ثم تأتيني كشبح هائل، كطاقة بدئية مرعبة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.