الناس الرايقة

الناس الرايقة

محمود حمدون

اللوحة: الفنان المصري وليد عبيد

“أحب الناس الرايقة..”، مطلع أغنية تنتشر الآن كالنار بين الناس بمختلف فئاتهم العمرية، كانت تجلس أمامي، تشدو بها، تتمايل على اللحن المنبعث من سماعات تضعها بأذنيها، تُغمض عينيها، تنطلق في واد النشوة الموسيقي، ثم تعود وتفتحهما على اتساعهما، وضحكة قوية تنطلق من بينهما.. ثم تنزع السماعات، وتخبرني: أكره الملل، أمقت كل ما يتصل من قريب أو بعيد بالألم والمعاناة، ثم خفّضت صوتها حتى حسبتني لا أسمعها، همست: قصيرة هي الحياة، يكفي أننا جئنا إليها على رغم إرادتنا، فلم يدعونا أحد، كما لم نلبّ الدعوة..وبلهجة خطابية: فجأة وجدت نفسي هنا، وجبال من شقاء تحيط بيّ من كل صوب. 

عبثت بأزرار هاتفها، لعلّها أطفأت الأغنية، ثم رفعت رأسها إليّ: قررت من سنوات بعيدة أن ألقي خلف ظهري كل ما ينغّص عيشي، أن أنحدر لطرق اخترها بعناية، هي سراديب تجنّبني أشكال الشقاء والمعاناة التي عايشتها قديمًا، أقف من الناس على مسافة بعيدة، لا يرون منّي إلاّ شكلًا برّاقًا، لست أرغب في رؤيتهم من الداخل.

ثم توقّفَتْ تنظر لشاشة هاتفها، رقم يتصل، بدا أنها لا ترغب في الرد، فرصة سانحة ليّ فسألتها: هل أنت بخير؟ 

وأثنيت: ربما الشكل الخارجي يُبهر المارة والملتفين حولك، تدور رؤوسهم من صخب هذا الجمال الراقي، تلك الطلاقة التي تأسرين بها ألبابهم، لكنّي أراك من زاوية أخرى، أسألك من جديد: مالك؟!

تقلّصت زاوية فمها لثانية، فأدركت أن كلماتي أصابت منطقة حرجة بداخلها، فاعتذرت، قلت: يمكن أن نتطرق لموضوع آخر، لو أحببت!

فاجئتني بردة فعلها، بأن أغلقت هاتفها تمامًا، ثم ألقت “السماعات” بحقيبتها بعصبية، التفَتَتْ إليّ وقالت: أنا مخنوقة.. لولا بقيّة من عقل لانخرطت في البكاء.

عبثًا حاولت أن أجرجر عينيها تجاهي، فأبت بشدة، نظرت في كل إتجاه إلاّ ناحيتي، وأكملت حديثها:خائفة جدًا، البرد شديد هذه الليلة..

أمسكت يدها، وجدتها باردة، ترتجف كطفلة فقدت أبيها على أطراف المقابر، ضاحكتها وأنا أدلّك أصابعها حتى سرت موجة دافئة بينهما، أنبأتها: يحسبك الناس جبلًا، يظنون أن قلبك جفّ منه رحيق الحب من عقود، وأنه لم يعد يدق بانتظام كسابق عهده، لكن لا يعرفك على حقيقتك إلاّ من أقترب منك حد الاحتراق.. ثم لثمت أناملها حتى ضَحِكَتْ واحمرار يطوف بخدّيها وقلت: غير أنّ حجابًا بيني وبينك، لولاه لهلكت.

اترك رد