أناشيدٌ لمؤانسة الموتى

أناشيدٌ لمؤانسة الموتى

عمر شهريار

اللوحة: الفنان الفلامنكي فان دايك

(1)

نحن الموتى

مسالمون أكثر مما تظنون،

تحزننا قشعريرة أبدانكم،

واستعاذاتكم المرتعشة،

كلما مررتم بجوار قبورنا.

*** 

نحن طيبون،

وودعاء للغاية،

نفرح بالقليل،

ونستأنس بمروركم المرتعد،

نبتهج بزيارة حبيباتنا،

ونرقص عندما يأتي العيال

في الأعياد،

بملابسهم الجديدة،

وبالوناتهم الملونة.

دموع أمهاتنا العجائز،

وهن يضعن أكفهن على الشواهد،

تنزل على قلوبنا

فينمو البنفسج.

*** 

لا تخشوا صمتنا،

ولا تتركوا قلوبكم ترتجف،

كلما جاءت سيرتنا،

فلن نخطفكم من عيالكم،

ولن نفسد عليكم أحلامكم،

ولا سهراتكم الحميمة،

سنترك كلا منكم في حاله،

علكم تذكروننا بالخير،

كلما رأيتم وردة تذبل.

(2)

وللموت أيضا

سبع فوائد

فوائد مخبوءة

لا تكشف نفسها

سوى لحظة السفر.

*** 

سأمنح حبيباتي القديمات

بعض شجن،

ودمعة،

وابتسامة لعوب،

وهن يستعدن الذكريات،

وينظرن إلى رقمي الهامد

في هواتفهن

ثم يستبدلن به

رقم حبيب جديد

صالح للاستعمال.

*** 

الضغينة

التي تملأ قلب ابنتي

تجاه أمها

ستتوقف عن النمو

وستعاملها -أخيرا-

كأم حقيقية،

وليس المرأة التي سبقتها

واستولت على حبيبها.

سأحقق أحلام حبيبتي

التي طالما فشلت في تحقيقها

سأزورها كل ليلة

ونذهب بعيدا

نجمع من كل كوكب حصاة

ونبني بيتا فوق جبل

يطل على حديقة وشلال.

*** 

سيخلو كرسي في الحانة

ليجلس وافد جديد

يفتش عن وجهه الضائع

في هذا الخراب.

*** 

سأتمكن -للمرة اﻷولى-

من مصاحبة خطاياي،

خطاياي العظيمة،

التي ستحرصون على دفنها معي،

كما تقتضي اللياقة،

فأتأمل مفاتنها،

وأقبل عينها كل صباح

لقاء المتع التي سرقناها يوما،

وسأترك لكم محاسني البغيضة،

لتذكروها كالببغاوات

في مجالسكم الشرعية.

*** 

سأترك قليلا من الهواء،

وشربة ماء،

وكسرة خبز،

للأجدر مني 

على خوض هذه الحرب للنهاية

دون أن يبكي في منتصفها

كمراهق رومانتيكي.

*** 

سأتخفف أخيرا من هذا

الجسد،

وأحلق حولكم بأريحية،

ثم أحدق في عيونكم

وأقول بصوت عال:

يالكم من قتلة.

(3)

الموت

ميدان فسيح

كل الطرق

والحارات الضيقة

تفضي إليه.

فسيح لدرجة مدهشة

تسمح لك أن تفرد ذراعيك

عن آخرهما

دون أن تعرقل أحدهم.

المارة لن ينزعجوا

من وقوفك عاريا

على ناصيته

ولن ترتبك امرأة محافظة

حين ترى أعضاءك.

فسيح إلى حد

سيجعلك ضئيلا

وخفيفا للغاية

ستتخفف من أثقالك

وتترك اكتئابك للورثة

ليلقوه مع بقاياك

في سلة المهملات

بعد أن يخلعوا الأسود

وتنتهي فترة الحداد

ثم يضحكون من قلوبهم

عند أول فيلم كوميدي

عن بطل أبله

ضيع في الأوهام عمره.

(4)

أحب الموتى

بأجسادهم الباردة،

وعيونهم التي كفت عن الكلام.

أحب شجاعتهم على التخلي

والانصراف ببساطة،

دون أن يلتفتوا إلى الوراء،

أو يتأخروا لحظة ليفصحوا 

عن شغف ظل يسكنهم في صمت.

أقرأ على جلودهم الشاحبة

تاريخا لا يعرفه أحد،

لم يدونوه على ورق أصفر.

أعد الضحكات التي تركوها عالقة

على نواصي أفواههم،

السنوات التي انفرطت من بين أصابعهم،

الأيام التي لم يتذوقوا متعتها بعد.

فقط.. تركوها أمانة في أعناقنا،

ولوحوا بمناديلهم البيضاء،

قائلين بأسى: البقية في حياتكم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.