من خبز الوطن

من خبز الوطن

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الهولندي فينسنت فان جوخ

“الرقم١٢٥ التّوجّه إلى الشّباك رقم٤”

نظر إلى الشّاشة المضاءة أمامه وضغط على خانة “معاملات الأطبّاء” واقتطع القصاصة البيضاء من الجهاز، كانت تحمل الرقم ١٣٥. لا زال هناك وقت وانتظار.

فرك يديه بالمعقّم وعدّل كمّامته وتوجّه إلى النّاحية المقابلة من القاعة حيث المقاعد أكثر تباعدًا وأخذ يذرع بهو النّقابة ببطءٍ ذهابًا وإيابًا قتلًا للوقت وترييضًا لقدميه بعد الانتظار الطّويل أمام محطّة الوقود في زمن الحرب والحصار.

كان سعر صحيفة البنزين قد لامس ربع الحد الأدنى للأجور. هل ينقص الوطن هذه المأساة، إضافةً إلى مصيبة الوباء التي تعصف بالكوكب؟

مع شحّ الوقود ومنع إدخاله إلى البلاد كان عليه أن يقتصد في مشاويره، فرَسَم خطَّ رحلته اليوم بعد محطة الوقود إلى النَّقابة ثم إلى المستشفيات. 

كان عليه أن يدفع مستحقَّات انتساب صندوق الضَّمان الفصليّة وأن يتزود بالوصفات الطّبّيّة الموحّدة وإن كان كلا العنصرين قد أصابهما خللٌ اقتصاديٌّ غيّر قيمتهما المادّيّة والمعنويّة بشكلٍ جذريٍّ. 

فالوصفات الطّبّيّة تمَّ تصغير حجمها إلى النّصف وإن لم يلتزم أحدٌ بها أساسًا للحدِّ من تهريب الدَّواء إلى البلدان المجاورة والبعيدة، رغم أن هدفها الأساس كان مَنْعَ أيّ كان من بيع وشراء الدّواء على سجيّته وإن كان لا يمتلك شهادة طبّيّة، وأما الضّمان الاجتماعيّ فقد أصبحت تغطيته لا تحمي المريض من دفع عشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور كفارق عند دخوله المستشفى لإجراء علاج بسيط.

كان عليه أن يخلي ساعاتٍ هذا الصباح لعلمه بأن الانتظار سيطول في النّقابة كالعادة.

أمامه مدخل النّقابة الزّجاجيّ الذي يكشف الطرّيق العام مع السّيّارات القليلة التي تعبره هذا الصّباح تحت العلم الوطنّي الذي يرفرف فوق السّارية البيضاء أمام المبنى وبقربه علم النّقابة.

نظر إلى أعلى الردهة حيث كان شعار النّقابة يطلّ عليهم وفيه الأرزة شامخةً أمام أفعًى تعانق كأس اكسير الحياة مصوغًا على هيئة شعلة المعرفة. 

كان هذا الشّعار يحتوي على امتداد تاريخيّ للتّقاليد الطّبّيّة في منطقتهم يعود إلى آلاف السنين. فالشعار يبدو وكأنه رسم تصويريّ لأحد لوحات ملحمة جلجامش وقد ظفر ببضعة أغصان خالدة من شجر الأرز ولكنّه فقد نبتة الشّباب والخلود التي اقتنصتها منه الأفعى. ورحل جلجامش وأسطورته العريقة وبقيت الأفعى صامدةً تلتفّ على عنق المشعل وكأنّها تؤكّد أنّ العشبة التي سلبتها من جلجامش قد أعطتها حقًّا بعضًا من الخلود.

كانت الأفعى على سلبيّة رمزيّتها في هذه المنطقة تحتلّ شعار نقابات الأطباء بشكل واسع فهي تزين شعار النّقابات في كلّ الدّول العربية التي تسمح بالنّشاط النّقابي الحرّ باستثناء شعار نقابتي أطبّاء مصر وليبيا.

– أنتَ أيضا هنا؟ بادره صوت مألوفٌ من الخلف، ميقظًا إيّاه من حلمه الحيّ ومنتشلًا إيّاه من نهر التّاريخ والأساطير التي يعشقها.. لم يعرفه للتّو فالكمّامة كانت تغطّي نصف وجه كليهما.

كان أحد الأصدقاء من أيّام الجامعة، لم يكونا من خريجي السّنة عينها ولكن السّنوات الجامعيّة تختلط بعد السّنة الخامسة، حين يجتمعون في التّدريب في المستشفيات. فتنشأ صداقاتٌ ومعارفُ غير متوقّعةٍ بحكم العمل معًا لمدَّة ساعاتٍ متواصلةٍ خصوصًا في المناوبات اللّيليّة، وتستمر طيلة ستَّة أشهرٍ قبل أن يقوموا بتغيير دورة المستشفيات.

كان اختيار المستشفيات يخضع لعشوائيَّةٍ غريبةٍ. فاختيار المستشفى يقوم به الطّالب وليس منسِّق دوراتِ التَّدريب. فصاحب العلامة الأعلى له أولويّة الاختيار في بداية الأشهر السّتّة الأولى من السّنة، وصاحب العلامة الأخفض في النِّصف الثَّاني من السّنة.

 هو يذكر كيف كان العديدون يسعون لاقتناص المستشفيات الصّعبة والصّارمة في النّصف الأوّل من السّنة، كمستشفى القدّيس جاورجيوس لما فيه من نظام صارمٍ وتعليميٍّ زخمٍ مع متابعةٍ حثيثةٍ للحضور ونهاراتٍ تبدأ من السَّابعة صباحًا إلى السّابعة مساءً، ويتركون المستشفيات الحكوميّة والرّيفيّة للفصل التّالي.

 ذلك كان جزءًا من اللُّعبة الاستراتيجيَّة. فاختيار مستشفى صعب في النّصف الأول يحمي الطّالب من الوقوع فيه خلال النّصف الثّاني من العام، حيث يلجأ إلى مستشفى أقل صرامةً ممَّا يسمح له بالعمل دون رقابةٍ على الوقت إلَّا في أيّام المناوبة، فيكون لديه الوقت الكافي للتَّحضير لفحوصات آخر السَّنة والفحوصات اللَّازمة للسَّفر إلى أميركا.

كانت الجامعة اللُّبنانيَّة عبارةً عن واقع الرُّقي الذي وصل إليه وطنهم. جامعة تتهافت جامعات العالم على اقتناص خرّيجيها في كافَّة المجالات. جامعةٌ تجعل خرّيجها يخجل من أن يسأل السُّؤال الوقح الذي يسمعه على لسان الكثيرين مؤخّرًا “أخبرني ماذا أعطاني وطني!” هو كان يعلم ماذا أعطاه وطنه، إضافةً إلى نهره الدَّافق في أعماق التاريخ.

كانت الجامعة اللّبنانيّة تستلزم اجتهادًا مميَّزًا، يقابله تعليمٌ شبه مجَّانيٍّ وخصوصًا في ميدان الطِّبّ، حيث كانت السّنة الدّراسيّة في جامعة خاصَّة تكلِّف ما لا يقلُّ عن خمسة عشر ألف دولار سنويًّا، أمَّا في الجامعة الوطنيَّة فالتَّكلفة لم تكن لتتخطّى المئتي دولارٍ سنويًّا.

أعطاهم الوطن والجامعة الكثير دون حساب، ألم يحن الوقت لكي يعطوا الوطن؟

  • –       ” شو جايبك عالنّقابة عند هالصّبح؟” بادره صديقه فرحًا بعد سلامٍ وكلامٍ من حواضر البيت بين شخصين مضى على افتراقهما بعض من الزمن.
  • –       “وصفات وضمان ومعاملات روتينيّة” أجابه ضاحكًا في زمن أصبح الضَّحك فيه عملةً نادرةً وأكمل “وأنت ما الذّي أتى بك هنا اليوم؟”
  • –       “هناك بضعة معاملاتٍ عليَّ إنجازها قبل السَّفر”

لم يكن يحتاج الكثير ليدرك مغزى كلام صديقه. فالحصار كان قد دفع بالعديد من الأطبّاء إلى البحث عن لقمة العيش خارج إطار الحدود إن في بلاد أوروبا أو في دول أخرى.

هو كان من المتحمّسين للبقاء وإعطاء الذّين في الوطن علاجًا وطبابةً يستحقُّونها ولكنَّه لم يكن يحق له بالتَّبشير بهذه العقيدة لما فيها من لوم واضحٍ للسَّامعين وخصوصًا أنه في هذه الأيَّام لا أحد يعلم ماذا يجري داخل جدران منازل رأت ما لم تره عين إنسان على امتداد نصف قرنٍ من الزّمن.

لم يستطع إلّا أن يقول لصديقه: “بالتَّوفيق ان شالله يا آدمي! المهمّ ما تطوّل المشوار”

“الرقم١٣٢ التّوجّه إلى الشّباك رقم٤” تعالى صوت التّسجيل الأنثويّ المصطنع النّبرة.

“وصل دوري وأخيرًا” قال صديقه وهو ينظر إلى التّذكرة البيضاء في يده والتفت إليه قائلًا “امْبَسَطِتْ شِفْتَكْ اليوم. نبقى على تواصل”

“بالتَّوفيق يا آدمي” أعادها ثانيةً وهو يصافح صديقه في عادة كان فقدها المجتمع منذ سنتين.

“شو بدنا نعمل يا خيّي؟ ما بَقَى إِلْنَا خِبْز بْهَالبْلاد” بادره صديقه قبل أن يهرع إلى حيث أتاه الصّوت.

راقبه يعبر الرُّدهة بخطًى سريعةٍ نحو المدخل الأيمن قبل أن يختفي خلف جدران المكعَّبات المستحدثة، وهزَّ رأسه بشكلٍ عفويٍّ وبطيءٍ وهو يتمتم بصوتٍ لا يسمعه من بجواره ولكنه مرتفع كفايةً ليسمعه هو بأذنيه “ولكن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s