مايكل سيمز
ترجمة: صالح الرزوق/ مع المؤلف
اللوحة: الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش
أول من تعلمت منه المناورة مع الحياة مزارع مسن يدعى ماكنيري، وقد عملت بخدمته لقاء أجر في بيت زجاجي يمتلكه، وأنا بعمر 16 عاما. كانت مهمتي أعمال الصيانة العاجلة لأصدقائه. وكنا نقود شاحنة بالية في أرجاء البلدة وننقل شحنات من الحصى والخشب، وأحيانا نعتني بالسقوف ونزرع الأشجار. وكان الرجل عصاميا، يرتدي الأفرول والبوط الثقيل، وعاش بواكير حياته في تكساس الشرقية، ولديه إلمام باللغة الإسبانية والهندسة، وكان لطيفا معي. وعندما اكتشف بالصدفة أنني أكتب الشعر خلسة، قدم لي مجموعة قصائد لأحد أصدقائه، وهو قس ميثودي. وبعد سنوات، في الخمسينات، علمت أن ماك ساعد في تصميم طريقة لتوفير الكوارتز من أجل أول جهاز ترانزستور. وبالنقود التي كسبها من ذلك اشترى مزرعة في غرب هيوستون. وهو من لقنني الكثير عن أصول المهنة والتواضع والدماثة. وفي سنوات لاحقة علمني أيضا كيف أتفوق على الشباب الذين يرتدون بذات بروكس براذيرز.
قابلت ماك لأول مرة عن طريق والدي. فقد كلفه الوالد بتسليم الحصى والحجر والسماد من أجل حديقة باحتنا الخلفية. وهو عمل خشن ويدوي لدرجة الاستنزاف، وطول سنوات كان الوالد يطلب مني العمل بالحديقة بالمجان بعد دوام المدرسة وفي أيام العطل. وكذلك في حقلنا في تكساس الشرقية. وعندما لاحظ ماك قدرتي على التحمل، وفر لي فرصة للعمل لقاء دولار في الساعة. وكان الحصول على أجر أشبه بالصعود خطوة إلى الأعلى، ولذلك قبلت فورا. وكان أحد أول أعمالنا هو تدعيم سقف جينين وهي سكرتيرة الوالد. سمراء صغيرة وأكبر مني بحوالي 20 عاما. ولم تكن لطيفة المعشر وجميلة فقط، بل أيضا شديدة الرشاقة كالسوط.
كان والدي عام 1980 نائب المدير التنفيذي لأكبر مصرف في هيوستون. ولاحقا روى لنا أن ماك جاءه في أحد الأيام وقال: «لدي يا هاري مزرعة صغيرة في غرب هيوستون، ويفكر بشرائها اثنان من المقاولين. ولكن المشكلة كما يبدو أنهما أفاقان، وسيختصران الثمن لأنهما يعتقدان أنني مجرد أحمق لا أفهم بالسوق ولا خبرة لدي بقيمة الأرض العذراء في تلك المنطقة. بماذا تنصحني؟».
كان الوالد يحب المقامرة واللعب. فقال له: «سأقول لك. سأحجز لك غرفة الاجتماعات في مصرفنا. وستخبرك جينين باليوم والساعة. فقط مرر اسم الاثنين وأرقام هواتفهما، وستتصل بهما وتحدد لهما موعد الاجتماع».
كان موضع المصرف في واحدة من أعلى ناطحات السحاب، في وسط هيوستون، وغرفة الاجتماعات في آخر طابق، وتشرف على منظر مدهش من المدينة. وهي مزودة بطاولة سنديان طويلة وبراقة حتى أنها تعكس الصور كالمرآة. قابلت جنين المقاولين في الصالة، وقادتهما إلى الأعلى بمصعد خاص. وكان الوالد قد لقنها ما يكفي حول هدف الاجتماع. وخلال الصعود قدمت لهما فكرة عن السيد “ماكنيري”. قالت: «يا له من رجل أعمال متميز، يبذل الملايين سرا للمحتاجين، وكم أسعدها وشرفها أن تعمل بخدمته». أمام المصعد قابلهما والدي، هاري وليام سيمنز، رئيس مكتب الإيداعات ونائب المدير التنفيذي لواحد من أكبر مصارف المدينة. وبقلب ثابت ألقى تعليماته على الرجلين، وتشكل لديهما إحساس أنهما لم يقدرا المزارع حق قدره. قال لهما الوالد: «السيد ماكنيري رجل غريب بهيئته الصبيانية المتكبرة. ولكنه لا يخطئ، وهو أحذق رجل أعمال رأيته في حياتي».
دخل المقاولان إلى غرفة الاجتماعات بعد تهيئة كليهما. كان ماك يرتدي بذة يوم الأحد القديمة التي استعادت رونقها، وقد جلس في صدر الطاولة وهو يقرأ جريدة «وول ستريت جورنال». وربما كانت واحدة من المرات القليلة في حياته التي قلب فيها صفحات جريدة. وجلس المقاولان وحاولا بعصبية افتتاح الكلام. ولكن الوالد وماك حدقا بهما بوجه لاعب بوكر محترف. فتح أحد المقاولين حقيبته، والتقط رزمة من الأوراق وألقاها على الطاولة. أنفق ماك عدة لحظات بتفحصها. ثم مرر الوثائق إلى والدي فنظر إليها ووضعها جانبا. ثم حدق ماك وهاري بوجهي الرجلين دون أي كلمة. وقفت جنين بجوار ماك وألقت نظرة على الورقة الأولى لتطلع على المبلغ وسألت معلمها: «هل هذا هو الحد الأدنى؟». قال والدي: «كلا، هو المبلغ كله». نظرت بدورها إلى المقاولين، نظرة إشفاق. وكان المعنى واضحا: إنهما جاءا إلى لعبة أساسية ولكن باقتراح هواة. وفي خاتمة المطاف نظف أحد الاثنين حنجرته وقال: «من الواضح أن هذا الاقتراح أوّلي. ما هي قيمة الأرض الحقيقية برأيكما؟».
واصل ماك النظر إليهما بصمت بالغ، ووصل التوتر في الغرفة لدرجة لا تحتمل. ثم قالت جينين: «ليسمح لي السيدان مرافقتهما حتى باب المؤسسة للانصراف». وعندما عادت جينين إلى غرفة الاجتماعات، كان ماك وهاري يضحكان بصوت مجلجل. التقط هاري أنفاسه وقال: «متأكد أنه ستصلك منهما رسالة بغضون أسبوعين لتقديم مبلغ أكبر».
وبالتأكيد بعد مرور شهور قليلة باع ماك الأرض للمقاولين بخمسة أضعاف العرض السابق. ولسوء الحظ لم يكن ذلك فألا حسنا للوالد. فكر أنه سيجني رقما ضخما مثل صديقه ماك، واستثمر نقوده بمكتب عقاري له وزنه في هيوستون، وفقد كل شيء في أزمة عام 1984. وفي أواخر التسعينات تقاعد من عمله في المصرف وهو مفلس تقريبا، وباع بعد موافقة الوالدة بيتهما في الضواحي وانتقلا إلى شقة صغيرة فوق مرآب سيارات في داخل حدود المدينة. وفي هذا الوقت ترقت جنين لمركز والدي بعد أن صعدت لعدة عقود على سلم الوظيفة. وأصبحت نائبة مدير المصرف.
رأيت ماك آخر مرة حينما زار شقة والدي وبيده كيس من الدراق، وقد قطفه من إحدى أشجار الباحة التابعة لبيته. كان قد مر تقريبا عقدان، منذ أن عملت بخدمته، ولم يكن يبدو عليه التغير، وكان ببوط العمل الثقيل والأفرول الذي أتذكره تماما. وجلسنا نحن الأربعة في المطبخ عند الطاولة، وأنفقنا النصف الثاني من اليوم، نشرب القهوة ونتبادل الكلام. وتم تكرار سرد حكاية اللقاء مع الاثنين الأفاقين في غرفة الاجتماعات. لقد سمعتها مئات المرات. وضحكت الوالدة كما لو أنها لا تعلم بالحكاية من قبل. وفي المساء، رافقت ماك لباب الخروج، وشاهدت في الممر شاحنة شيفروليه جديدة، ولا تزال لصاقة البائع مثبتة على النافذة. سألته كيف يكون شعور الأغنياء. التفت لي، ونظرة محتارة على وجهه المشرق، وقال: «النقود يا بني لا تعني شيئا. بل الأصدقاء والعائلة والصحة. هذا هو المهم. النقود مجرد هراء». ثم نظر لي بابتسامة واسعة وأضاف: «ولكن أحب تبديل الشاحنة كل عدة سنوات». وانفجر بالضحك، وصعد إلى الشيفروليه الجديدة وابتعد بها.
مايكل سيمز Michael Simms
ناشر وشاعر وروائي أميركي.
