ضحكة مبتورة

ضحكة مبتورة

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميركي جورج بيتر ألكسندر هيلي 

كفرتُ من زمن قريب بالصدفة، لم أعد أصدّق عشوائية اللقاء، آمنت أن كل شيء بترتيب، قد يغيب عنّي مغزاه، لذا عندما رأيت “منال”، قبل أسابيع، ظننت أن وصلَ ما انقطع بيننا من ثلاثة عقود أمر هيّن؛ فمرارة الهجران لا تزال عالقة بحلقي لم تغادره بعد.

لم تتبدّل كثيرًا، أو لربما لم أرها جيدًا لكن نظرتُ لصورتها المستقرة بقلبي من قديم!. كما هي ببشرتها التي تميل قليلًا للسمار، قوامها النحيل “كأفروديت”، لا يزال بعض النمش الذي يتناثر على وجهها  فيضفي عليها غموضًا، لطالما أثار شجنًا بداخلي، جذبني إليها فأدمنت الطواف حولها، ميّزها قديمًا حياؤها، ضحكتها المبتورة  التي تنتهي سريعًا بغصة في الحلق.

اقتربت، نظرت إليها فوجدت لهيب عينها يستعر تحت رماد السنين، حين التقت العينان، أجزم أنها تذكّرتني إذ ارتخت قسمات وجهها قليلًا، طفت بسمة على وجنتيها، سرعان ما وَأَدَتها، ثم بوجل نظرت إلى بعيد، أتبعتُ عينيها فلمحتُ على الرصيف الآخر شبحًا يعلوه تجهّم، تحيط به غلظة من زواياه.

 دنوت أكثر لنقطة لم أبلغها معها من قبل،أوشكتُ أن أغرقها بدوامة من أسئلة تزاحمت بداخلي في لحظة واحدة وتراكمت بعضها فوق بعض: ما أخبارك؟ أين كنتِ؟ ما هذا القلق البادي على وجهك ؟ ثم من ذاك الرجل؟! وأشرت إليه بيمني!

لكنّي تراجعت كعهدي معها وقلت: سنوات كثيرة مضت منذ ..! جاءني ردُّها سريعًا قاسيًا بالتفاتة عصبية للجهة الأخرى من الشارع، أنوثة تبخّرت تحت تأثير تعنيف شديد لصبي تجذبه من يده ، عبارة ألقتها في وجه الحياة وهي تعبر الطريق:”قطيعة تقطع الدنيا و اللي عايشينها “.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً