الرقم 666 من جهة نظر طبيب

الرقم 666 من جهة نظر طبيب

د. هشام منصور 

اللوحة: من أعمال الكاتب

لا شكَّ أن أحد حسنات السّنتين الماضيتين أنّ عجلات الزمن أبطأت من دورانها، ممَّا سمح لي بالعودة إلى الاستمتاع بالوقت عبر إمضائه في اكتساب معارف كان أبعدني عنها قطار الزّمن الذي كان آخذًا في الإسراع بشكل تصاعديّ.

كان اكتشاف اللُّغات القديمة من الرّغبات التي طالما راودتني اللَّهفة إلى خوض غمارها، وكان كتاب معلِّم اللُّغة السُّريانيَّة لا زال يقبع على رفّ المكتبة أمامي مُخفيًا على صفحته الأولى إهداءً موقَّعًا من مؤلِّفه إلى الدُّكتور منيف موسى الّذي كان خصّني بهذا الكتاب هديَّةً تُرشِد خطاي في استكشاف كنوز أقرب لغة معروفةٍ من لغةِ أجدادي الفينيقيِّين.

 ولكنّ العصر غيّر نظرتنا إلى الأوراق وملمسها اللّطيف، وجعلت عَجَلَتُتنا في الحياة  جاذبيَّةً للشَّاشات المُضيئة تغرّ من يغرُّ بهم الوقت. فكان للوكيبيديا ولصفحات الإنترنت الّتي يرشدني إليها محرك بحث غوغل أثرًا أكبرَ في إرضاء رغبتي في اكتشاف لغات عالمنا القديم، وكلّها من لغات أبجد التي انحدرت من الفينيقيّة وتطوّرت إلى الآرامية فالسُّريانيَّة فالعربيَّة في الفرع الأول وإلى اليونانيّة واللاتينيّة ولغات أوروبا في الفرع الثاني.

و كان لصفحات الشّبكة العنكبوتيّة هذه دورها الأساس في الملاحظة الّتي شدّت مفارقاتُها انتباهي.

منذ ألفي عامٍ ونحن نترقّب الخلاص ونهاية العالم، الّتي يُحَضِّر لها ظهور الوحش، وحش الرّؤيا، رمز الشَّر الذي له سبعة رؤوس وعشرة قرون وهو يرمز إلى الشَّرِّ الأعظم الذي سيتحكّم بالعالم فلا يستطيع أحد أن يبيع ويشتري دون أن يحمل إسم الوحشالجميع ينتظر ويبحث عن ذلك الوحش الذي يحمل علامة  ٦٦٦ .

كثُرَت الدِّراسات والأبحاث عن تفسير هذا الرَّقم اللُّغز دون أن تصل إلى نتيجةٍ ملموسةٍ وتغاضى الجميع عن الحقيقة الواضحة لهذا الرَّقم، والبسيطة إلى حد بساطة التَّعليم الإلهيّ.

 فعندما كتب يوحنا اللَّاهوتيّ رؤياه، كانت اللُّغات المستعملة هي الآرامية والعربيّة واليونانيّة واللاتينيّة. وإن كانت الثَّلاثة الأول هي الأكثر شيوعًا في منطقتنا.

و هذه اللُّغات الثَّلاث تنحدر بشكل مباشر من أمِّ اللغات أعني الفينيقيَّة والّتي لا زلنا نحفظ أبجديتها على شكل أبجد هوز حطي كلمن صعفس قرشت“.

وفي اللُّغة الأم كما في اللُّغات المتحدِّرة منها يكون الحرف السَّادس هو حرف الواو، وإن كان هذا الحرف قد تحوَّل إلى حرفٍ مؤقَّتٍ في اليونانيَّة وهو ال Digamma  الذي تطوَّر في ما بعد وتغيَّر موقعه في الأبجدية ليتأخَّر ويتخذ شكله النهائي وهو حرف الـ w

فيصير شكل رقم الوحش في عصرنا الحالي معادلًا ال ٦٦٦ على شكل www.

رقم اسم الوحش الذي أصبح لزامًا لكل التَّعاملات ويحمله كل من يريد الانتماء إلى عالمه الافتراضيِّ من البائع إلى الشَّاري إلى الأستاذ والطَّالب وإلى كاتب هذه الكلمات وإلى قارئها

و الوحش يتطوَّر إلى حين لن يستطيع أحد أن يتعامل ويتواصل إلَّا باستعمال اسمه ورمزه ورقمه www.

قد استغرق هذا الوحش ألفي عام ليظهر شكله جليًّا للعيان ولكنه هنا.

لهذا الوحش سبعة رؤوس هي لغات أبجد السَّبعة التي تطورت لتوصل اسم الوحش إلى شكله الحالي، الفينيقيَّة فالآراميَّة فالسُّريانيَّة والعربية فاليونانيَّة فاللَّاتينيَّة فالإنجليزيَّة.

و أما القرون العشرة فهي ترميز للنِّظام العشريِّ الذي هو أساس النِّظام المعلوماتيّ برقميه واحد وصفر، وهذا منطقيٌّ بما أن توزيع القرون العشرة على الرؤوس السَّبعة للوحش مستحيلٌ حسابيًّا إذا أردنا الحفاظ على العدالة في التوزيع

هو وحش الرُّؤيا بلا شك، حاسوب ذو ذاكرة فرضيَّة هائلةٍ تصل مجسّاتُه إلى كلّ بيتٍ وإلى كلِّ فردٍ. وقد بات الجميع مقتنعًا أن هذا الحاسوب يحتوي على كلِّ المعلومات الموجودة في الفكر البشري، وكلُّ شخص بات مقتنعًا أن هذه المعلومة باتت بمتناول يده والأخطر من ذلك أنه صار مؤمنًا أنها باتت بمتناول إدراكه.

فمن بداية العقد الماضي بات مألوفًا أن نسمع من المريض تعليقًا بنبرة واثقةٍ “… قرأت على الإنترنت” ليستهلّ بذلك تحليله لعوارض حالته المرضيّة وصولًا إلى تشخيصها، والأخطر من ذلك الوصول إلى إعطاء علاجٍ لها بناءً على نتائجَ محرّك بحثٍ لموقعٍ إلكترونيٍّ ذهب لنبش الصَّفحات المبعثرة على الشبكة العنكبوتيَّة مبتدئًا بالّتي تحظى بالكمّ الأكبر من الزّوّار، وليس الّتي تحتوي على المعلومات الطّبيّة الأصحّ.

فصرنا نجد مريضًا اعتكف عن أخذ دواء وصفه طبيبه لأنه غوغله وقرأ ملخّصات عنه في صفحاتٍ شبه علميّةٍ، تضع البسيط الطَّارئ بمتناول المريض المدرك لما يقرأ، أو بعد قراءة آراء المستمعين الذي أزعجهم هذا الدّواء بشكل من الأشكالفيصير المريض مقتنعًا أن كلّ شخصٍ تناول هذا الدواء مصابٌ بشبيه حالته تمامًا وأنّه سيُعاني من المضاعفات عينها

و تأتي النّتيجة ربّما بسيطةً على شكل امتناع المريض عن تناول خافض الحرارة، لأنه يخشى من مضاعفاتٍ في الكبد، وقد تصل إلى إيقاف دواء الصّرع بسبب مضاعفةٍ قرأ عنها عند مريض في الصّين أحبَّ أن يشارك الكوكب خبرته الهجينة. ويغيب عن بال المريض أنّه فعلًا يجب طلب العلم ولو في الصّين ولكن من طبيبٍ وليس من منشور.

و كثيرًا ما يصل إلى العيادة مريضٌ قد شرع بدواءٍ ما بناءً على تشخيصٍ وصل إليه عبر رصف العوارض التي يشعر بها في خانة محرّك البحث ومن ثمّ ضغط على زرّ بحث” السّحري، فأتاه الجواب على شكل أسطر تعطي اسم مرضٍ سارع هو إلى البحث عنه مستخدمًا الخانة عينها والزّر السحريّ عينه بعد أن يكون قد أضاف كلمة علاج. ولن يتوانى بعدها عن الشّروع في أخذ هذا العلاج.

 ويغيب عن بال المريض أن العوارض التي رصفها هي نتاج معرفته الشَّخصية وليست نتاج فحص سريريٍّ قام به شخص أمضى ١٤ عامًا في التَّدرُّب لاكتساب مهاراتِ التَّشخيص السَّريريّ ومراكمة المعلومات الطِّبيَّة اللَّازمة لربط الفحص السَّريريّ بنتائج المراقبة والملاحظة وبالمعلومات الطّبيَّة اللَّازمة، للوصول بعدها إلى تشخيصٍ سليمٍ يعطي بعده علاجًا مبنيًّا على سنوات من الدِّراسات المدقَّق فيها٠

هو لم يمض ١٤ عامًا متلقِّنًا ما وصل إليه المريض بنقرتي زر لأنه ليس بذكاءٍ كافٍ ليقوم بهاتين النَّقرتين، بل لأن التَّشخيص والفحص السَّريريّ ليسا بتلك البساطة وتليهما مسؤوليَّة أخطر من أن يركن حاملها إلى صفحة إنترنت لا تعلم من هو كاتبها.

و تلك ليست بأسوأ التَّجارب مع هذا الوحشفعندما تصل إلى عيادتي عائلةٌ طلبت الموعد منذ أسبوع، وأمضت هذا الأسبوع بتصفّح تفاهات الشّبكة العنكبوتيّة بحثًا عن أسباب اهتمام الطِّفل بالأشكال المستديرة وتلويحه بيديه تكرارًا، وهوسه بالتَّرتيب، فنتج عن هذه القراءات العشوائيَّة شبه انهيارٍ عصبيٍّ أصاب الوالدين الّذين دخلا عيادتي وعلى وجهيهما شكل الرّعب المقنّع الذي لن يلبث أن يقفز صارخًا بوجهي: 

دكتور شو؟ إبني عنده توحّد؟ هل حلّت المصيبة؟

 هذا الوحش يمثل ساخرًا أمامي بينما الطَّفل الذي بين يدي الوالدين يلوّح نحوي بيديه وينظر في عينيّ ضاحكًا ولو لبرهات وكأنّه يقول لي بصمتٍ بِشَرفِك يا دكتور، طمئن والديّ أن كلّ ما قرآه ليس صحيحًا، وكان حريًّا بهما أن يبعداني عن الشّاشات الفارغة وأن يبتعدا هما عنها ويقضيا الوقت معي

أمّا قناع الوحش الحقيقيّ فيسقط عندما تلتقي مريضًا مصابًا بداء عضال، وقد أوصله محرّك البحث إلى صفحة إنترنت مدعومة إعلانيًّا لترفع مرتبتها في نتائج البحث، فتوصل للقارئ ما يفيد أنَّ لديها علاجًا للأمراض المميتة وعلى الغالب عن طريق زرع الخلايا الجذعيَّة، وتتحف صفحَتَها بشهاداتِ مرضًى لقوا الشِّفاء عن طريق هذا العلاج ، الباهظ طبعًا، والذي في معظم الحالات هو في طور التَّجربة ولكنّ المريض هو من سيقوم بدفع تكاليف هذه التَّجربة بعد أن يكون قد قدّم جسده لها بالمجّان  وربّما روحه

أمّا آخر تجلّيات وحش الرؤيا هذا فقد كانت خلال العامين الأخيرين عندما ابتلع معظم البشر الكمّ الهائل من التّرّهات الملقاة جزافًا عبر الشَّبكة العنكبوتيَّة وصفحات التَّواصل الاجتماعيّ في ما خصّ الوباء الأخير.  فعاد العالم بنا إلى ما قبل حقبة العلم وتناول البشر كلّ أنواع الأعشاب والعقاقير والأدوية دون أساس علميّ أو طبيّ، هم فقط استسلموا لموجة الوهم المتفشّي على صفحات هذا الوحش، وغاب عن بالهم أن الصّفحات العلميَّة الموثوقة لا تقدّم معلوماتها بالمجّان.

قد يبدو تحليلي هذا عن وحش سفر الرّؤيا من السَّذاجة بمكانٍ، كون انتشار المعلومة الطّبّيّة يرتكز بشكل مباشر في أيامنا هذه على الشَّبكة العنكبوتيَّة. ولا شكَّ أن التَّطوُّر الطّبّيّ يدين بشكل مباشرٍ لهذا التَّبادل الواسع للمعلومة الطِّبّيّة بشكلٍ آنيّ ومباشرفأين هو وجه الوحش الذي يقلقني ويقلق كل طبيبٍ يراقب هذا التّطوُّر لهذا السلاح الذي بات يملي على السَّواد الأعظم من الشُّعوب مقاييس المعرفة؟ هل هو حقًّا هنا يتحكّم بمفاصل حياتنا وتفكيرنا؟ وهل يحقُّ لي أن ألوم المريض على اقتناصه المعرفة عبر محرّك بحثٍ روبوتيّ؟

و لكن عندما أجد نفسي مقتنعًا بنظريَّة رقم الوحش وعلاقتها بال www وقد بنيت هذه النَّظريَّة بعد دقائق معدودةٍ تصفَّحت خلالها أوَّل صفحات من نتائج بحث غوغل وقعت تحت نظري وبضع نصوص من ويكيبيديا وبعض المواقع التي لم يكتبها عالِمُ لغات قديمةٍ مشهود له بمعلوماته من مؤسسة علميَّة وتربويّةٍ، فكيف لي أن ألوم شخصًا فعل الأمر عينه ولكن بالبحث عن عوارض مرضه، إلا من ناحية أن هذا الشَّخص يستخدم هذه الطَّريقة البالية ليصل إلى نتائج قد يستعملها علاجًا قد يؤذي به جسده فقط لأنه يثق بما تقع عليه عيناه من نصوصٍ لمجرد أنه لا يمتلك المعرفة الكافية ليجزم في صحتها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s