شتاء لا يعرف الدفء

شتاء لا يعرف الدفء

خالد جهاد 

اللوحة: الفنان الهولندي تيون هوكس

في هذا الزمن وأكثر من أي زمن مضى يعيش أغلب البشر داخل أدمغتهم في زحام، وداخل قلوبهم في انكسار، وداخل أرواحهم في وحدةٍ شديدة، فتصبح دائهم ودوائهم، ألمهم وعزائهم، سلامهم وعذابهم، أمانهم وخوفهم حيث يكاد أن يكون التناقض هو أبرز سمات أيامنا، فنعيش مع ذات الشيء الشعور وعكسه فيوجعنا لكننا لا نستطيع الاستغناء عنه، وندرك أننا خرجنا من كل معاركنا الطاحنة بباقةٍ من الذكريات التي يكللها الندم وجلد الذات مسبوقةً بكلمة (لو)، فنعيش في أكنافها مرتدين عباءتها كارتدائنا لثياب من رحلوا عنا لنظل ملتصقين بهم، نشم رائحتهم، نستحضر صوتهم وحرارة لمساتهم تحت سحابةٍ عقيمةٍ من الوهم لا تحمل في أحشائها أمطاراً ولا أحبابا..

فترافقنا ذكرياتنا ومشاعرنا كدليلٍ يرشد خطواتنا، وكزادٍ في رحلتنا في هذه الحياة، تدفعنا إلى المضي رغم الحزن عكس اتجاه أفئدتنا، لتصنعنا في السر والعلن وتتحول إلى كيانٍ مستقل بذاته، نحاورها، نصافحها، نعانقها، نراقصها، نمتزج بها فيولد من رحمها أحلامٌ جديدة، تشبه تلك التي شكلت وجداننا في صبانا، وركضنا خلفها كطفلٍ يسابق طائرةً ورقية تغافله لتفلت من يده وتطير منفردة بعيداً عنه وتتركه غارقاً في انكساره..

في لحظات ٍ تبدو كتوأمٍ غير متطابق بين الأمس واليوم، وكأننا نقف في المرآة فنبصر ذلك الطفل أو المراهق الذي كنا عليه، حالمين بتلك اللحظة التي نكبر فيها راكضين في هذا الكون الفسيح.. نفتح ذراعينا للريح بضحكةٍ صاخبة، حلت مكانها ابتسامةٌ رصينة باهتة يرافقها ايقاع  كلماتٍ رتيب كرسائل الهاتف الآلية، يعقبها خلوةٌ أخرى وعشاءٍ بارد صامت بصحبة أنفسنا، نستعرض صورنا، نعيد سماع كلماتنا القديمة ونكتبها في رسائل نرسلها إلى عناوين مجهولة، نرسمها لوحةً تجسدنا في ذروة توحدنا مع الخيبات، ناراً لا تضيء طريقاً ولا تدفئ قلباً بقدر ما تثير الشجن في أعماقه، وتلقي بذور الحزن في تربته فنسقيها بالدموع كمن يسقي البحر ماءاً حتى يرتوي..

وكلما تعرى من الروح جزءٌ تدثرنا بالأماني والرجاء، واحتمينا بالوحدة فيما نخبئ بعضاً من أحلامنا البعيدة لليالٍ قادمة، خوفاً من ليلٍ قاحلٍ بلا أحلام نصنع منها عالماً نحبه، يشبهنا رغم استحالته ويبدو كمدفأةٍ في شتاءٍ طويلٍ لا يعرف الدفأ، ولا يسمع سوى نشيج الباكين في الخفاء، عالمٌ حنون يشبه رائحة الخبز الساخن في أنوف الجائعين، وهدايا العيد في مخيمات اللاجئين، بدونه يفترس الصقيع قلوب العشاق اليتامى الذين لا أحلام ولا أحباب لهم..

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.