الشعر والبلاستيك: الفن يلتقي مع الأدب في أوديسة البحار النظيفة

الشعر والبلاستيك: الفن يلتقي مع الأدب في أوديسة البحار النظيفة

كلير كوكس

ترجمة صالح الرزوق

اللوحة: الفنانة الهولندية غيتا باردويل

الأرقام مرعبة، حوالي 8 مليون طن من نفايات البلاستيك تتدفق في محيطاتنا كل عام، وهذا يساوي خمسة أكياس من النفايات البلاستيكية لكل قدم من الشواطئ حول العالم. 40 بالمائة من انتاج البلاستيك يذهب للتعبئة، ويستعمل مرة، ثم يهمل. ويمكن للبلاستيك أن يستمر بالوجود لـ 400 عام أو ما يزيد، قبل أن يتحلل لأجزاء أصغر ثم أصغر. وهو ما يتبقى منه. وعلى نطاق كوني من المقدر أن أكثر من 100 مليون حيوان بحري يلقى حتفه سنويا بنفايات البلاستيك. في الوقت الحالي حوالي 8 بالمائة من انتاج النفط العالمي يستعمل في صناعة البلاستيك ويغذي انتاجه، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 20 بالمائة بحلول عام 2050. ولكن كيف يمكن للشعر أن يعالج هذه المشكلة الكونية الملحة والمتنامية؟.

كان السؤال بعيدا عن تفكيري حتى سافرت عام 2018 في حزيران إلى لندن لحضور مؤتمر: «أمام أنظارنا تبدل النساء والمناخ»، وهو اجتماع دولي يعقد كل سنتين ويتناول موضوع الفن والعلم، ويرعاه مجلس أنفيزيبل داست (غبار غير مرئي). وفي آخر جلسة تكلمت الكاتبة المعروفة مارغريت أتوود. ووجدت نفسي في المدرج الواسع جالسة بجوار امرأة أنيقة ببذة زرقاء لها تسريحة شعر بخصلات مجعدة ومتمردة. وبرفقة مئات المشاركات استمعت لكلام أتوود، بذكائها الواضح وهجوميتها القاتلة. ولاحقا بعد أن فرغ المدرج، دفعنا شيء ما لنفتح حوارا بيننا. ذكرت ريبيكا سكايز أنها كانت مهندسة أمواج بالخبرة واختار قلبها الإبحار، وهي على وشك أن تبحر برحلة تستغرق ثلاثة شهور برفقة شريكها، نك بيك، وذلك للتحري عن تلوث الماء بالبلاستيك. 

لاحقا حينما كنت طالبة في هيئة البحوث، ومحبة للأرض، سألت بسخرية خفيفة إن كانوا بحاجة لشاعرة من أجل المشروع. وبعد حوار دام عشر دقائق كسبت «أوديسة البحار النظيفة» شاعرة. وكنت عازمة على استعمال قوة الشعر في التدوين والتعبير والإيصال. وقررت نشر هايكو يومي في الوسائط الاجتماعية طيلة وقت الرحلة.  وأسلوب الهايكو، كما يمكن أن نتفق، فعال لأنه موجز وسهل الفهم ومناسب للفيس بوك. وستكون هناك فرصة لكسب المزيد من روح مغامرة الأوديسة لو شاركني آخرون بشعر هايكو. واستوعبت لاحقا أن لهذا الأسلوب استعدادا للانسجام مع المشروع بطريقة أعمق مما توقعت.  كان شعر الهايكو التقليدي الذي مر بعدة عصور مرتبطا جدا بالطبيعة والفصول، وكان يضيء فقط الانقطاعات والتحولات التي نشهدها الآن في تبدل المناخ. انطلقت أوديسة البحار النظيفة في حزيران عام 2018 من الشاطئ التاريخي باكليرز هارد في هامبشير، واستمر الإبحار مسافة ألف ميل (1609 كم)، وخلالها قمنا بدورة حول القسم الغربي من القناة الإنكليزية في مركب إميلي روز مرورا بجزر سيلي. وكانت الغاية أن نتعرف نحن والآخرون على الإشكالات والحلول لتلوث البحار بالبلاستيك. ومعظم ذلك الوقت عملت على طاولتي إما بكتابة الهايكو للتعبير عن وقائع الرحلة، وما نما لعلمي من حقائق عن التلوث بالبلاستيك، أو لتقديم نصائح لخفض استعمال البلاستيك.

بالصدفة باشرت المبادرة الدولية «تموز النظيف من البلاستيك» في منتصف رحلتنا، وقدمت لنا معلومات عن تخفيف استهلاك البلاستيك. واتصلت بعدة شعراء آخرين وتكلمت مع من يرغب بالمشاركة بهايكو، والإضافة للنتاج الإبداعي وشكل الحياة التعاونية. وتلقيت أيضا هايكو من أطفال المدارس ومعلميهم ومن حلقات الكتابة. وطيلة الرحلة البحرية ربح منتدى وفيديو وهايكو أوديسة البحار النظيفة ما يزيد على ألف متابع في الفيس بوك، وإنستغرام، وتويتر، ويو تيوب. وبما أنني شاعرة المشروع تمكنت من الانفصال عن طاولتي: وفي يوم ذلك العام العاصف قررت الانضمام للطاقم من أجل آخر مرحلة من الرحلة وذلك بين برايتون وباكيليرز هارد مرورا بجزيرة آيل أف وايت. وكانت أول تجربة لي في العمل البحري، وشعرت بالامتنان العميق لأنني تعلمت بعض التدريبات الأساسية على متن المركب الرائع إميلي روز. وخلال الرحلة كلها بغرض إجراء مقابلات التقت ريبيكا ونك مع أساتذة وباحثين علميين وخبراء في إدارة النفايات وفنانين وخبراء في تدوير الاقتصاد واقتصاديين ورجال إدارة أعمال وأنصار بيئة وزعماء محليين وذلك للتعلم من خبراتهم.     

 وقد عبرنا عن ما اكتسبناه من خبرات في 11 يوما زارنا خلالها 400 شخص لرؤية معرض المعلومات والحلول العملية الذي أقمناه على متن المركب. وتوفر لطاقم أوديسة البحار النظيفة الفرصة لإجراء لقاءات مع الخبراء ومن ضمنهم الأستاذ ريشارد تومبسون الحائز على لقب OBE من جامعة بليموث والذي تخصص بالميكروبلاستيك لما يزيد على 20 عاما، والذي وضع تقرير مكتب النبوءات العلمية بعنوان «مستقبل البحار: التلوث بالبلاستيك». وهذا الاهتمام الملحوظ لأوديسة البحار النظيفة كان مشاركة علمية أساسية في موضوع الميكروبلاستيك بالتعاون مع جامعة برمنغهام. وباعتبار أنني مشاركة في مشروع الإبحار العلمي، حاولت مع البقية البحث عن أشخاص لديهم اهتمام ويمكن أن نعتمد عليهم في تحضير عينات من الماء ورواسب الأنهار المنتشرة في أرجاء المملكة المتحدة وشواطي القناة الفرنسية وتعبئتها في علب مرملاد زجاجية مغسولة بالماء المقطر. وطيلة الرحلة جمع الطاقم والمتطوعون ما يزيد على 68 كغ من الرواسب من 13 موضعا من 5 أنهار ومن شاطئين من شواطئ الجزر. ولفتنا الانتباه بسلسلة من الهايكوات لهذا الجانب الهام من الرحلة، وبما في ذلك جمع العينات وردود أفعال المارة الغامضة لدى رؤية علب المرملاد الممتلئة بالرمل الرطب.       

تم تعليب العينات وإرسالها إلى الباحثين في جامعة برمنغهام لدراسة مطابقة العينات للشروط ولتحديد فكرة من هذه العينات عن الأنواع المختلفة للبوليميرات التي تراكمت في مخلفات الأنهار عند المصبات. وأكدت نتائج هذه الدراسة المبدئية، بعكس التوقعات، اختلافا واسعا في أنواع البلاستيك في العينات، وبينت، أنه حتى في بلدان منضبطة مثل المملكة المتحدة وفرنسا، يوجد اختلاف بين المصادر المتنوعة المشاركة في النسبة العالية للميكروبلاستيك في نظام الأنهار. ولدى عودة هذا المركب ضمنت جامعة برمنغهام منحة أساسية لمشروع 100 نوع بلاستيك نهري وأسهم فيه علماء عملوا على أكثر من 60 موضعا حول العالم. وكانت العينات المأخوذة تشمل الماء والرواسب النهرية وهي مادة أول اختبار نظامي ودولي لتحديد الميكروبلاستيك في بيئة المياه العذبة. وكان الهدف هو الفهم الأفضل لطريقة نقل البلاستيك وتحويلها في الأنهار وطريقة تراكمها مع الرواسب. وهناك يبدأ تشكل تراث التلوث الطويل الأمد. وبدأ المشروع من نقطة تحليل الميكروبلاستيك الأساسي، مثل الدقائق المجهرية التي تستعمل في مواد التجميل، والميكروبلاستيك الثانوي – من مواد بلاستيكية أكبر تعرضت للاختزال والتكسير في البيئة أو أنها من ألياف الثياب. 

يقول الأستاذ ستيفان كراوس، من كلية الجغرافيا، علوم الأرض والبيئة في جامعة برمنغهام: 

«حتى لو توقفنا جميعا عن استعمال البلاستيك حالا، أمامنا عقود، إن لم تكن قرونا، تعادل البلاستيك الذي انسكب في الأنهار ومنها تسرب إلى بحارنا. ونحن ننتبه بشكل أعمق إلى هذه المشاكل التي نورط بها محيطنا، وقد بدأنا الآن نتحرى من أين جاء كل هذا البلاستيك، وكيف يتراكم في شبكة الأنهار. وعلينا أن نستوعب ذلك قبل أن نفهم فعلا حجم الخطر الذي نواجهه».  

أسهمت أوديسة البحار النظيفة في فهمنا للمشكلة. وعمل الهايكو على تعميق وعينا بالمشروع من خلال النشر الرقمي ودخوله لعدة مجتمعات. وبمبادرة جريئة للتنويه بعلوم الميكروبلاستيك، قام الطاقم، ومن بينهم أنا شخصيا، بزيارة مركز دراسات المحيطات في ساوثامبتون، وتكلمنا مع الدكتورة كاتسيا بابورتسافا، وهي باحثة متخصصة، كانت على وشك الابحار لأخذ عينات من الميكروبلاستيك العائم في الأطلنطي. وحذرتنا من المصاعب التي تحيط بالاتفاق على تعريف محدد لـ «ميكروبلاستيك»، وأضافت له موضوعا آخر من مشاكل البلاستيك البحري وهو: القلق العلمي من دور محتمل في تبديل البيئة بسبب انطلاق الغازات من البلاستيك الذي يتفكك، وعلاقة الجسيمات المرافقة التي تبطئ من عزل البحار للكربون في قاع البحر ليكون جزءا من دورة الكربون. 

كنت شخصيا شاعرة لها اهتمام علمي بالكوارث، والآن أنا أتعلم في الجبهة الأمامية للبحث العلمي وأناقش مشكلة بلاستيك البحار، وما أتعلمه يستحيل عدم الاهتمام به. وهذا الاهتمام الطارئ يؤثر بي وبكتابتي للشعر بأساليب وطرق لم أتنبأ بها إطلاقا. 

وحاليا أصبحت ملمة بالكثير من أبعاد ومشكلة التلوث بالبلاستيك، وضرورة إيجاد حل عاجل. وأصبحت ذات خبرات أعمق بإنتاج البلاستيك واستعمالاته وكيف نتخلص منه. وقد خصصت وقتا لتأمل أسباب هذا التلوث، وكيف أعدل من سلوكي باستهلالكه، قدر الإمكان، للتأثير بالنظام الدولي الذي يسرع بخطواته نحو المواد غير المستدامة. وقد أصبحت هذه المعرفة الجديدة حجر الأساس في عملي الحالي. والكتاب الراهن «كتاب الأيام» الحائز على جائزة ألستير ريد، هو دراسة في التجارب والخبرات الحية والكوارث الناجمة عنها. 

قالت رئيسة لجنة التحكيم روزانا وات: «هذا الكراس يتضمن حقا إشارة عن كيف تكون الحال حين تعيش بصفة فرد متصل بجماعة. وكيف أن الأحداث الشخصية تتحدد وتتضارب في عصر الأزمات السياسية والاجتماعية والبيئة اللامتناهية، وفي عصر فضاء التويتر ونشرات الأخبار على مدار 24 ساعة. وهذا الكراس يحقق توازنا عجيبا بين أشعار خفيفة وذكية وآنية وفعالة. كما أن شبكة العلاقات مبهجة وملحوظة». 

وحاليا أجري بحثا وأكتب عن شعر البيئة وأثر النشاط البشري على غير البشر وذلك بدافع وإخلاص لم أكن أمتلك أيا منهما قبل الانضمام إلى أوديسة البحار النظيفة. وقد وجدت العزم للعمل في أشكال نشاط خفيفة. ودفعتني قناعتي أن التلوث المائي يأتي من تلوث الأنهار للانضمام إلى المبادرة الوطنية المسماة «فرقة دراجة الماء Waterbike Collective»، لجمع نفايات نهر التيمز من أوكسفورد حتى أنبنغدون. وقدرت جمعية القناة والنهر (تشمل إنكلترا وويلز) أن 80% من بلاستيك المحيطات جاء من نفايات برية. وأكدت البحوث أن 1562 مادة من البلاستيك (قوارير، أغلفة أغذية، أكياس، إلخ) تغادر يوميا واحدة من قنواتنا أو أحد أنهارنا وتتوجه إلى البحر. وهذا يزيد سنويا بمقدار500000 مادة ونيف. وبعد سنتين من رحلتنا، في آب/ أغسطس عام 2020، نشرت الدكتورة كاتسيا بابورتسافا نتائج دراستها في مجلة نيتشر كوميونيكايشينز «أخبار الطبيعة». وقدرت أن الكم النهائي للميكروبلاستيك الناجم عن النفايات البلاستيكية الثلاثة الأكثر انتشارا (بولي إيثلين، بولي بروبلين، بوليسترين) المعلقة في أعلى 200 م من المحيط الأطلسي يبلغ بين 11 و21 مليون طن. وهو ما يكفي ليملأ تقريبا 1000سفينة شاحنة. وأعتقد أنه رقم أكبر من التوقعات وله نتائج ملموسة على مقدار البلاستيك الكلي الذي يسبح في بحارنا. وهكذا إنه يفرض تحديا مستمرا على الشعر والعلم والحياة في القرن الواحد والعشرين.


كلير كوكس Claire Cox: شاعرة بريطانية مولودة في هونغ كونغ، وتعيش وتعمل حاليا في المملكة المتحدة. وتدرس في الوقت الراهن في جامعة لندن «الشعر والكوارث». في عام 2018 كسبت منحة شعرية من أوديسة البحار النظيفة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s